كان صوت رافائيل هادئاً وبارداً بسبب لمحة الحزن في عينيها، تنهدت كارين التي كانت ذكية في قراءة الأجواء وقالت:
” هل لا بأس بالتحدث في حضرة سيلاس؟! “
” الآنسة هي الإمبراطورة المستقبلية، فلا بأس “
كان صوت إيفان هادئاً، ولكنه نظر لإليوت الذي من الواضح أنهم نسوا أمره تماماً، فابتسم وقال:
” سأستأذن الآن، آيا… عندما ينتهي الأمر أرسلي رسالة لإعادتكِ إلى المنزل “
أومأت آريانا بإيجاب وغادر إليوت، وبعدها أشار رافائيل لكارين وإيفان للجلوس، وقد جلس إيفان في مكان والدته التي جلست في الأريكة المقابلة لآريانا ورافائيل، تنهدت كارين وقالت:
” هناك العديد من الأمور، سيكون من الصعب لو خرجت للخارج “
” لا بأس، يمكن للسيدة التحدث بكل أريحية “
كان صوت آريانا لطيفاً وعطوفاً ما جعل كارين تبتسم وقالت:
” وكما سبق وقلت لقد كنت في المعبد منذ كنت طفلة وهربت منه عندما كنت حاملاً بإيفان، التجارب كانت كالآتي: كما يتم تهجين الحيوانات تم تهجيننا نحن السحرة لإنجاب أطفال أقوياء من ساحرة وقديس أو العكس، لكن قلة جداً ممن نجحوا في هذا، وغالباً الأطفال الذين يولدون بقوتين يموتون، إيفان أحد هذه التجارب الناجحة والنادرة جداً، ليس بسبب ذكائهم المزعوم بل لأنني ساحرة جرع سحرية، لقد حاولت جاهدة لإنجاب هذا الطفل الذي يسكن بأحشائي وقد كان ينمو بضعف بسبب جشع المعبد… “
” ألم تخبريني أن والدي توفي عندما كنت رضيعاً؟ “
” كنت مضطرة للكذب عليك لأنك كنت مجرد طفل صغير، لكنك قوي وتستطيع قتل ذلك الرجل الحقير “
سعلت آريانا لأن تعاليم كارين مجنونة نوعاً ما، لكن كارين ابتسمت بحزن وانكسار لآريانا وقالت:
” شعور أن يتم استغلالك لإنجاب طفل وإجراء التجارب مؤلم بشكل لا يصدق، لم يهتموا كوني لم أبلغ بعد السابعة عشرة ليعيش بداخلي طفل وبدأوا بكسري، لكن والعجيب أن الطفل الذي كان سلاحاً لهم، كان أملي وعائلتي الوحيدة، لقد قررت أني لن أتخلى عنه ولن أسمح لهم بالعبث معه كما فعلوا بي… “
أخذت كارين نفساً وقبضت كفها:
” عندما تم تشخيصي على أنني حامل وظنوا أنهم كسروا إرادتي تم تخفيف قيودي ولكنني لم أكن قد انكسرت، لقد كنت عازمة على حماية ما هو لي، فقمت بالهرب، كان الفضل الكبير للماركيز مارك بوريس، كان بالاسم تابعاً للمعبد لكنه عندما وجدني ما زلت متماسكة استطاع إخراجي، وبعدها انتهى بي الأمر للذهاب لروانو في أقصى الشمال ولمنطقة تابعة لسيلاس إحدى العوائل المحايدة، عشت هناك حتى بلغ إيفان التاسعة وعندها اضطررت للعودة للعاصمة لأجل الآنسة سيلاس التي كانت تعاني من هروب ضخم في الطاقة المقدسة، لدرجة تزعزع روحها… “
نظر إيفان لوالدته التي يبدو أنها تشعر بالألم عندما تتذكر ذلك اليوم فقد بدأ صوتها يتزعزع…
” لكنني عندما وصلت كانت الأمور قد تحولت إلى فوضى، وضعت طفلي في النزل وذهبت لقصر سيلاس، فلم أصل للماركيز والماركيزة بل وجدت ألبين سيلاس الذي عندما أخبرته بالأمر أخبرني أن أنتظر، وبعدها وصل رجال من المعبد بقيادة الحقير روكشان وتم القبض علي…. “
أغمضت عينيها بشعور عميق بالألم:
” سامحني يا صغيري، لم أستطع حمايتك سوى بهذه الطريقة “
وجهت جملة الاعتذار لإيفان بعيون دافئة وكأنها تلوم ذاتها على ذلك، تنهد رافائيل وهمس بصوت تسمعه آريانا:
” جعلني الأمر أشتاق لوالدتي “
” إنها تراقبك وسعيدة بما تفعل، بالتأكيد هي فخورة جداً بك “
ربتت على ظهر يده وهمست بكلماتها الحنونة ما جعله يبتسم، ثم نظر بجدية لإيفان الذي تختنق الدموع التي يكبحها في عينيه، وإلى كارين التي كانت دافئة جداً في نظراتها لابنها…
ربما رافائيل كان أكثر شخص قد رأى تقلبات إيفان، كانت هذه الدموع الشيء الوحيد الذي لم يره، لكنه كان سعيداً لأجله…
” سأترك السيدة ترتاح في الملحق الخارجي، ويمكنك الراحة أيضاً إيفان، ثم عندما تكون هناك حاجة قد نستدعيكما، ابقِ وجودها سراً حالياً، سوف أسمح لك بالنقل الآني للمكان “
“…”
“…”
” انتظرا “
أومأ الاثنان بإيجاب ووقفت كارين بمساعدة إيفان، وقبل أن يخرجا أوقفهما رافائيل ووقف أمام كارين مباشرة، ووضع يده على رأسها وضخ سحره العلاجي، ما جعل الكدمات المنتشرة والجلد المتقشر من التعذيب يختفي تماماً…
” اعتني بها جيداً “
لطالما شعر إيفان بالامتنان والاحترام والولاء المطلق لرافائيل، لكنه اليوم أدرك أنه ليس على خطأ، ففي الحياة الماضية رغم تدميره للإمبراطورية بلا وعي لكنه كان يتعذب ويتألم عندما يعود لوعيه، ظن أنه لن يظهر هذا الجانب الطيب والدافئ من بعد ذلك لغير آريانا، لكن سيده ما زال ذلك الدافئ والعطوف، حتى لو لم يظهر ذلك، انحنى إيفان بعمق وقال:
” شكراً لك جلالتك “
ربت رافائيل بلا وعي على رأس إيفان، ثم ضحك كلاهما لذكريات من الطفولة مرت، ثم غادر إيفان برفقة والدته…
جلس رافائيل وأسند رأسه على ظهر الأريكة ونظر للسقف، كان عقله مليئاً بالكثير والكثير من الأفكار، ربتت آريانا على كتفه ونظرت إليه من أعلى وبابتسامة لطيفة:
” كل شيء سيكون على ما يرام، رافائيل إمبراطور قادر “
وضع رافائيل يده على يد آريانا وأغمض عينيه بشعور من الراحة والهدوء، نظر لها بصمت:
“…”
“…”
ثم سحبها بسلاسة وجعلها في حضنه واحتضنها بقوة وبشعور من الضياع قال:
” آيا… شكراً لوجودك في حياتي، لا أعلم كيف كانت حياتي ستكون، شكراً لقدومكِ إلى هذا العالم وحمايتي…”
” أنا من أشكرك “
ابتسمت آريانا وشددت في احتضانه، لو عاد بها الزمن لاتخذت هذا القرار مراراً وتكراراً، لأنها تحبه حقاً.
* * *
” علاقتك بالإمبراطور تشبه علاقة الأخوة “
تحدثت بينما كانت تجلس بمساعدته، تنهد ووضع صينية الطعام أمامها وقال وهو يحمل الملعقة إلى فمها:
” هناك الكثير من الأمور أريد فهمها “
” يمكنني إخبارك بكل ما تريد، لكن علي سؤالك، هل هناك من يعلم بامتلاكك للقوة السحرية؟ “
” قلة قليلة جداً، الإمبراطور وخطيبته، وآخر شخص هو كايين بوريس..”
لمعت عينا كارين وقالت بهدوء:
” هل وصلت المعلومة للمعبد؟! “
” ربما لم تصلهم لكنهم يشكون في الأمر “
” سيعلمون عاجلاً أو آجلاً، لقد شكوا بكلامي عندما أخبرتهم أن الطفل مات، لكنهم صدقوني في النهاية، فالأطفال القلة حوالي ثلاثة من ألف نجحوا، ماتت الأمهات والكثير من النساء ماتت في تلك التجارب الوحشية… هل تريد معرفة هوية والدك؟! “
” لما تظنين أني أريد معرفته؟! “
” ربما كفضول أو انتقام أو أي شيء آخر..”
” وهل ستخبرينني؟! “
وضع الملعقة أمام فمها لتأكل كالسابق لكنها ضمت شفتيها ونظرت له بشعور معقد وفتحت فمها لتتكلم، لكنه أدخل الملعقة وابتسم في وجهها بشعور دافئ…
“…”
” هذا الرجل له يد في تعذيب والدتي وحرماني منها، سأكون مسروراً في الانتقام منه “
مسحت كارين الدموع العالقة في عينيها وقالت:
” لا أريد أن تتأذى، سوف أخبرك ليرتاح ضميري… يا لي من أنانية “
مسح إيفان دموع والدته وأعاد ملء الملعقة وأدخلها لفمها، وعندما انتهت من البلع تحدثت بهدوء وشعور معقد:
” ربما قد أدركت الأمر أو ربما شك هو بالأمر، إنه رجل قوي، لا أعلم لما شارك بالتجربة، ستيف روكشان… رجل خبيث “
” ربما الخبث هو الشيء المشترك الذي يجري بدمي منه، سأقابل القسوة بقسوة أكبر منها، سوف أضع رأسه بين يديكِ، سأدمر كل من لمس والدتي..”
” لقد شعرت بذلك، لقد شعرت أنك قادر على فعل ذلك…. طفلي الرائع “
ربتت كارين على خد إيفان الذي كان سعيداً واحتضن والدته، وبعد الجو العاطفي والمشحون بالدماء أكمل إطعامها رغم معارضتها، وساعدها بالخلود للنوم بعد أخذ حمام وارتداء ملابس نظيفة بمساعدة عدة خادمات موثوقات أحضرهن رافائيل.
* * * لقد مرت عدة أيام ولقد انتهت الحادثة السابقة التي حدثت في خطوبة الإمبراطور كأنها لم تحدث أصلاً، عاد فليب وإلينا لدوقية سيلفانو الليلة الماضية وكان من المقرر أن تعود آريانا لمقر إقامتها اليوم، وقد بدأت ماريان في حزم أغراضها والصعود للعربة قبل أن يقترب براين منهما وبصوت يلهث قال لآريانا:
” جلالتكِ، لقد طلب جلالته أن تعود جلالتها لجناحها الخاص… حالاً “
” لما يطلب الإمبراطور أمراً كهذا، سير كاروس تأكد من الأمر…”
استجمع أنفاسه وقبل أن يفتح فمه وصل حصان قوي أمام آريانا، وقد كان إليوت عليه ونزل بسرعة يتفحص آريانا:
” ظننت بأنكِ قد خرجت من القصر، الحمد لله “
” أخي ما الذي تتحدث عنه؟! ولما لا يجب علي الخروج… أخي أخبرني أرجوك”
” الوباء ينتشر على أكبر نطاق ممكن، الأشخاص الذين كان من المفترض أن حالتهم بدأت بالاستقرار زاد وضعهم سوءاً، وقد مرض كل من حولهم؛ عائلاتهم، أصدقاؤهم والأطباء، بدأت الجثث تملأ الشوارع، لم يستطع أحد التقاطها خشية المرض، الإمبراطورية تتعفن برائحة الوباء… جسد أختي ضعيف، لن تتحمل “
شعرت آريانا بالارتباك وجرت بسرعة باتجاه القصر، وبالأصح غرفة الاجتماعات التي كانت صاخبة من قبل حتى الدخول لها، وقفت أمام الباب وحاول الحراس منعها لكنها نظرت لهم بصرامة وأمرتهم بطريقة مهيبة:
” افتحوا الباب “
تردد الفارسان لكن براين الذي كان خلف آريانا أومأ للحارس بمعنى لا بأس في الأمر، تردد الفارس لكنه فتح الباب، والقاعة الصاخبة باستهجان النبلاء والموجودين داخلها، نظرت آريانا لداخل القاعة ثم للواقفين خلفها إليوت وبراين وأخذت نفساً عميقاً ودخلت بهدوء…
فتحول الضجيج إلى صمت مطبق، بين مستنكر ومتحير ومنبهر بجمال الإمبراطورة المستقبلية، انحنت آريانا مقابلة لرافائيل…
” أعتذر عن مقاطعة الاجتماع الطارئ “
ارتبك رافائيل ونظر لبراين ولإليوت بنظرة معاتبة، ورغم أن إليوت أقل تضرراً بنظرات رافائيل لكنه شعر أنه ملام لعدم منع أخته، تردد رافائيل ثم سأل بأكبر قدر ممكن من الهدوء:
” جلالتكِ هل حدث أمر خاطئ؟! هل صحة جلالتكِ على ما يرام؟! “
” أشكر جلالته على عنايته بي، أنا بخير…”
ترددت قليلاً، لقد اندفعت من باب قلقها عليه، حتى إنها تجاوزت الحدود وقد يضر ذلك بكبرياء رافائيل، فلم تقدر على البوح بأنها قلقة، وقبل أن تجد مبرراً تكلم رافائيل:
” تعالي “
“…؟! “
نظرت له بمعنى ماذا، لكنه كرر كلامه:
” تعالي، إمبراطورتي بالتأكيد لديها حلول “
احمرت أذنا آريانا ولكنها تحركت بخطوات ثابتة إلى جانبه، رغم أنها كانت تشكر حظها أنها ارتدت فستاناً غنياً بالطبقات لإخفاء حركة ساقيها المرتبكة…
” اعرض التقرير ماركيز برتون “
نظر الماركيز باتجاه الحضور ثم للإمبراطور وقال:
” الوباء المعروف باسم ريث، بدأ بالانتشار والتطور، أصبح أشد قوة وأكثر انتشاراً، لقد وصل للعديد من المناطق والأقاليم التابعة لنا، حتى الأكاديمية الإمبراطورية أرسلت طلباً بالمساعدة فقد تضرر الكثير من الطلاب وكما تعلمون هناك طلاب أجانب من عائلات مرموقة “
” كل الناس على قدم المساواة لدي، ما يهم هو معرفة كيفية حل المشكلة “
شعر الماركيز بالحرج وأخفض رأسه وقبل أن يكمل دخل رجل يلهث وقال:
” أعتذر عن التأخير جلالتك، لقد لفت انتباهي أمر ما بخصوص المرضى “
كان رجلاً في نهاية الثلاثينات بشعر بني محمر وعيون بلون البني، كان لديه ظلال تحت عينيه ويبدو أنه كان يجري مستعجلاً إلى هنا..
” كونت رينون ثيوربان، تفضل “
” أعتذر عن الدخول للمقاطعة، لقد تم تكليفي بعلاج المرضى المباشرين في المشفى الإمبراطوري وكان هناك العديد من المرضى، وكما قال الجميع حالة الجميع تزداد سوءاً…”
” وهل قطعت الاجتماع لتؤكد ذلك؟ يجب أن يكون هناك حل لا عرض للمشكلة “
كان أحد النبلاء الذي قاطع رينون، لكن رينون نظر للإمبراطور ثم للجميع:
” هناك حالة واحدة فقط تتحسن ولم تتأثر بتطور الوباء، لذا ربما تكون فرصة “
………………… يتبع …………………
وانا اكتب الفصل تذكرت فترة كورونا 🤭
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 32"