بعد الخروج من تلك الحانة المزعجة تركنا إيفان وقمنا بالتحرك باتجاه ماريان والبقية، كانت الخطة جنونية حقاً، لقد استغل إيفان كل الأحداث التي حدثت للتلاعب بالمعبد، لقد تم إشراكي في الخطة ورافائيل يبدو منزعجاً منذ ذلك الوقت ولا أعلم السبب..
” راف !! لمَ أنت منزعج؟!”
” هل توافقين إيفان في الأمر؟! حياتكِ ستكون مهددة..”
‘ لقد كان قلقاً عليّ منذ البداية.. ‘
شعرت بسعادة كبيرة ولقد بدأ قلبي ينبض بسعادة، أخذت نفساً عميقاً لأتمالك حماستي وأتكلم بكل هدوء.
أمسكت بذراعه وتلاعبت بوجهي بعبوس:
” هل أنا بشعة؟!”
” أبداً “
لقد تحدث بنبرة قوية وصادقة وبدون لحظة تردد، مما جعل وجهي يسخن، من حسن الحظ لم يكن وجهي بارزاً جداً ونحن في الليل وإلا ظهر كل شيء على وجهي.. تمالكت نفسي ونظرت له:
” لن تتحركي بإهمال وستتبعين ما أطلبه منكِ بالحرف “
” أمرك سيدي “
تصرفت كالجنود وألقيت التحية مما جعل وجه راف يرتخي تماماً بل إنه ضحك، لقد ارتاح قلبي وبما أنه وافق، إذاً فكل شيء على ما يرام..
تحمست وسبقته أركض بحماس بخطوات قليلة ونظرت له بمرح لكنني فوجئت بعربة مسرعة ويبدو أن صاحبها لم يستطع التحكم بها، كانت تقترب مني، شعرت بالديجافو، ذلك الشعور المألوف والمخيف…
لقد انهارت قدماي وشعرت بلحظة النهاية تقترب، لقد رأيت وجه ليلي، إنه يتكرر مرة أخرى، لقد بدأت الدموع المحرقة تتدفق وانتظرت اصطدام العربة بي، لكني شعرت بالدفء وكأن هناك أحدهم ينتشلني ويعتصرني بداخله، لم أستطع فتح عيناي، لكني أدرك لمن هذه الرائحة، شعرت برغبة بالبكاء كالأطفال، عانقته وبدأت أبكي بشدة… الخوف والذكريات المؤلمة عادت لي…
* * *
كانت الإضاءة مضطربة وغير مستقرة وكان هناك أربعة ظلال، ثلاثة منها ضخمة وإن كان أحدهم أضخم، وظل صغير، كانت تلك الظلال لأشخاص حول سرير تتوسطه فتاة جميلة مخفي وجهها نوعاً ما..
” سيدي! هل ستكون الآنسة بخير؟!”
” إنها بخير، كل ما في الأمر أنها خافت قليلاً…”
” كيف حدث ذلك لآنستي؟!”
كان صوتاً باكياً لامرأة وهي تنظر لسيدتها النائمة بقلق.
” آنسة ماريان لا تقلقي، إنها بخير… إنها قوية “
تنهد رافائيل وهو ينظر للنائمة على السرير، لقد ذهبوا لأقرب طبيب في المكان لترتاح قليلاً، كان بإمكانه أن يعودوا إلى قصرها أو قصره لكنه قلق أكثر عليها وفضل عدم التعرض لكشف هويتها حتى لا تتأذى أكثر..
نظر رافائيل لماريان وقال بهدوء:
” هل فقدت أحدهم في حادث عربة؟! “
نظرت ماريان له بحيرة ثم أعادت النظر لسيدتها وقالت بهدوء:
” لقد خسرت الآنسة والديها عندما كانت في الثامنة، لم أكن قد عملت بعد في القصر لكني سمعت أنهما توفيا بسبب انقلاب العربة من أعلى الجرف.. لم تكن آنستي معهم آنذاك..”
مرر رافائيل يده على شعره وتنهد، ونظر لأريانا وربت على جبهتها بهدوء ولم يلاحظ أحد تدفق الطاقة السحرية من يديه..
” كوني بخير آيا…”
لقد همس قريباً من أذنها ويبدو أنه وصل لها فقد استرخت ملامحها..
نظر للبقية وقال بهدوء:
” يجب أن نعود… ماريان اسبقينا للتأكد من الوضع، براين وكاسبر ادفعا الأجرة للطبيب وغادرا، سوف أنتقل بآنيا لخارج الغرفة… ثم سألحق بماريان وأوصلها”
أومأ الجميع بإيجاب وتحركوا…
* * *
منذ خروجنا وأنا قلق، إن إيفان مجنون وأريانا لا تقل عنه جنوناً، ورغم انزعاجي لكنها استطاعت أن تقنعني، إنها مجنونة، لمَ تسألني ذلك السؤال؟!
سبقتني بعدة خطوات ويبدو أنها متحمسة وعندما أردت اللحاق بها وجدت عربة تسرع باتجاهها، شعرت بالخوف وكدت أن أتجمد لكني تمالكت خوفي وأسرعت باتجاهها، وحملتها بسرعة، لقد كانت خائفة جداً ويبدو أنها تعاني، لا أعلم السبب لكن هل سبق وأن عايشت هذا الشعور؟! هذا هو ما لا أعرفه…
لقد بكت كثيراً كشخص يعاني حتى أغمي عليها.. حملتها لأقرب طبيب بعد معاينتها بسرعة..
وضعتها على السرير ولم تمر خمس دقائق وهم أمام السرير، كان كاسبر والبقية قريبين ويبدو أنهم شاهدوا ما حدث…
كان هناك خدش على يدها فشفيته بسرعة، كنت أبحث فيها عن أي خطأ لكنها لم تتأذَّ كثيراً، مجرد حادث صغير كاد أن يقتلع قلبي، كيف تريدني إشراكها في مؤامرة بتلك الخطورة؟ هل تريد وضع نفسها محشورة في فم الوحوش…
بعد أن هدّأتها قليلاً أعطيت الجميع الأوامر وما أن رحلوا حتى حملت أريانا وانتقلت بسرعة إلى غرفتها، كانت مضاءة ومن الواضح أنها محاطة بسحر الوهم..
‘ إنها مستعدة دائماً ‘
وضعتها على سريرها وربتُّ بهدوء على شعرها، كان تنفسها أهدأ مما كان عندما كنا عند الطبيب ويبدو أن الأحلام المزعجة قد بدأت بالتلاشي، نظرت لوجهها الهادئ والمسالم، كيف لا أحب هذه المرأة؟! رغم هشاشتها لكنها أنقذتني في كثير من الأوقات، دعمتني بإخلاص وساندتني ولا أعلم ما الذي قد تفعله لأجلي، إن منعتها من المخاطرة ستصر أكثر وقد تتهور لذا…
‘ سأستغل الخطة لأجلنا ولأجل هذه الإمبراطورية ‘
سمعت صوتاً خارج الغرفة وعندما وضعت أذني على الباب سمعت صوت ماريان وهي تتحدث مع رجل ويبدو أنه يؤنبها، قبل أن أرخي حذري سمعت…
” ربما من الأفضل أن أدخل للاطمئنان..”
* * *
كان القصر هادئاً وكان إليوت قد وصل لتوه، كان لدى إليوت حدس قوي وهو شخص يثق بحدسه كثيراً، فذهب مباشرة بعد وصوله إلى غرفة أخته، شعر بأن هناك شيئاً يمنعه من الاقتراب، لكنه بطبيعته واصل للغرفة وقبل أن يفتح بابها سمع صوتاً هادئاً:
” سيدي!! هل أنت هنا؟!”
كانت نبرة ماريان مهتزة ولكنها حاولت الثبات، نظر لها بتمعن وقال:
” هل خرجتِ؟!”
” لقد أعطتني الآنسة الإذن..”
” كيف حال أختي؟!”
” إن آنستي بخير..”
كان هناك قلق واضح في صوت ماريان مما أثار الشكوك في عقل إليوت وبعد الحرب الكلامية مع ماريان:
” ربما من الأفضل أن أدخل للاطمئنان عليها..”
” سيدي إن…”
حاولت ماريان اللحاق به لكنه كرجل أقوى جسداً ومكانة استطاع أن يسبقها وعندما دخل كانت هي خلفه، اقترب بهدوء لسرير أريانا وقد كانت ستائر السرير مسدلة بحيث تخفي ما بداخله، شعر إليوت بالقلق وتحرك بسرعة وسحب الستائر وقد ظهر جسد أريانا الصغير مغطى تحت الأغطية الكثيرة ويبدو أنها تنام في سكون، شعر إليوت بالحرج وأعاد الستائر لوضعها بهدوء ونظر لماريان التي أخفضت رأسها وقال:
” تبدو بخير، لقد كنت قلقاً..”
” ستكون آنستي سعيدة بمشاعر السيد الثمينة “
كانت ابتسامة ماريان هادئة وهذا ما زاد إحراج إليوت، فألقى نظرة على السرير ثم تحرك بهدوء خارجاً من الغرفة.
‘ لقد تصرفت بتهور، ستنزعج أختي كثيراً..’
نظرت ماريان لظهر إليوت وبعد أن أقفل الباب، تنفست ماريان الصعداء وتحركت بهدوء لفتح الستائر عن سرير أريانا ونظرت لسيدتها بتمعن فاكتشفت أنه تم وضع الكثير من الأغطية لإخفاء ملابس الخروج التي كانت ترتديها فعرفت أن رافائيل ما زال موجوداً، تلفتت بهدوء بحثاً عنه، وقبل أن تعيد نظرها لأريانا وجدته يجلس بهدوء في نهاية الغرفة..
” إنها بخير، يمكنكِ الراحة ماريان “
وقف رافائيل وتحرك بهدوء باتجاه السرير وعيناه معلقة فقط على أريانا، تنهدت ماريان وأحنت رأسها:
” سأتركها في عنايتك سيدي..”
” لا تقلقي “
وضع رافائيل يده مداعباً رأس أريانا بنظرات مثقلة بالكثير من المشاعر المعقدة، انحنت مرة أخرى وغادرت الغرفة…
لم ينتبه رافائيل حتى لماريان بل صب كل تركيزه عليها، جلس بهدوء على طرف السرير وأمسك يدها ومرر سحره بهدوء في جسدها…
” كوني بخير آيا “
تنهد رافائيل بعد أن شعر بالدفء يعود لها بشكل أفضل وابتسم بقلب سعيد، ظل ينظر لوجهها لدقائق كثيرة عندما شعر بتغير في نبض قلبها:
” إلى متى ستتظاهرين بالنوم يا عزيزتي؟! “
كانت نبرة صوته معاتبة ومرحة، تنفست أريانا بهدوء وقبل أن تفتح عيناها تكلمت بتذمر كطفل مشاغب كُشفت مزحته:
” وكيف أدركت أني لم أعد نائمة؟!”
” إنها الغريزة آنستي “
لكز أنفها بمرح مما جعلها تضحك، سندها بهدوء لتجلس بشكل صحيح ونظر لها بابتسامة دافئة وقبل أن تتكلم قال:
” هل ما زلتِ خائفة؟!”
” شكراً لك راف، لقد أصبحت بخير.”
نظرت له بامتنان وكان هناك تردد في صوتها..
” آيا!! هل كل شيء على ما يرام؟!”
تنهدت أريانا ونظرت له، فرغم التردد في صوتها إلا أنها تملك نظرة ثابتة وعازمة:
” أريد أن أخبرك بكل شيء “
” لا تجبري نفسكِ، ما يهم هو أنكِ بخير “
ربت على يدها بلطف وهو يهدئها، لكن لطفه زادها إصراراً، تكلمت بهدوء وهي تخفض رأسها وتمسك يده وتتحدث بعمق وبنبرة رزينة لكنها مشبعة بالحزن:
” سأتكلم، أرجوك لا تقاطعني..”
“…”
” قبل سنوات في ليلة صيفية ذهبت أنا وليلي لموعد أعمى، كانت المرة الأولى التي نفكر فيها بالذهاب، لقد ذهبنا وعندما انتهينا كان كما توقعنا موعداً سخيفاً ومضحكاً، كنا مستمتعتين جداً بالسخرية من الشابين اللذين التقينا بهما…”
كان رافائيل يستمع لها رغم بعض المصطلحات الغريبة وغير المنطقية لكنه واصل الاستماع لها..
“لم ننظر قط للطريق، كانت سيارة مسرعة ويبدو أن من يقودها كان ثملاً بشدة ولم ينظر للطريق وشعرت بأن الموت أقرب مني أكثر مما توقعت، لم أخف كثيراً فمصير الموت كان يلاحقني منذ طفولتي، لكن ليلي رفضت موتي لقد دفعتني…”
اهتز صوت أريانا وبالكاد استعادت أنفاسها كي لا تبكي…
” لقد وجدت نفسي مرمية على الأرض بعيدة عن السيارة والشخص الذي تحتها كان صديقة طفولتي، لقد وضعت حياتها بدلاً من حياتي، شعرت بالمرارة والتمزق لقد كان الموت قريباً مني منذ زمن طويل لمَ تخسر حياتها…”
لقد سمحت للدموع الصامتة أن تنزل، وبدون أنين واصلت كلماتها:
“بعد موتها لم أستطع الخروج من المشفى بسبب وضعي الصحي الذي لم يتحسن بل إنه حتى يزداد سوءاً..”
استعادت أريانا هدوءها أخيراً وتكلمت بنبرة جدية…
” بعد ثلاث سنوات من موتها، وجدت نفسي هنا بجسد ليس جسدي لكنه كان يعاني مثلي، عندما تأكدت من الوضع كان كالآتي…
لقد انتقلت لعالم آخر، بهذا الجسد لمكان قرأت عنه في كتاب، أنت وأنا وسيلاس حتى الكاردينال إيفان والدوق، كانت قصة تتكلم عنكم…”
رفعت رأسها وهو ينظر لها بغموض وصدمة:
” أتقصدين أن عالمي مجرد كتاب؟!”
” لا أعلم ربما نعم وربما لا “
“…؟!”
” العوالم الأخرى ربما موجودة وهذا أحدها…”
” إذاً أنتِ تعلمين مستقبل هذه الإمبراطورية “
” نعم ولا “
“…”
” في السابق نعم ولكن هناك أحداثاً تغيرت كثيراً منذ قدومي…”
“وهي؟”
” أنت، أنا “
” نحن، ما الذي تغير؟!”
” أنا لم أمت في مهرجان نهاية العام، أنت لم تفقد عقلك وتصبح شريراً..”
نظر رافائيل لأريانا وربت على خدها وابتسم بلطف ودفء حقيقي:
” هل تستطيعين إخباري؟!”
” حسناً……..”
لقد حكت له كل شيء قرأته، مع تجاوز بعض الأشياء التي اتفقت هي وإيفان أن لا يكشفوا عنها له، فضحك رافائيل بعمق، لقد كانت ضحكة مشبعة بكل المشاعر المتناقضة؛ الأمل واليأس والأسى والفرح والحب والكراهية، نظر لأريانا وربت بهدوء على خدها وقال بنظرة دافئة:
” شكراً، شكراً لاختياري أنا…”
اشتعل وجه أريانا من الحرج والتفتت للجهة الأخرى متجنبة نظراته، ضحك رافائيل برقة لتصرفها العفوي وربت على رأسها…
كانت أريانا مندهشة مما حكته له وشعرت براحة قليلة، نظرت باتجاه النافذة وقالت بهدوء:
” سأحمي هذا الرجل، حتى لو كلفني هذا الأمر حياتي…”
نبض قلبها بسرعة لشعور غريب يختلف عن أي شعور، كان شعوراً يشبه الديجافو..
[ ” سأتذكر هذا الرجل طوال حياتي…” ]
لم تكن نفس الكلمات ولكن الشعور كان مماثلاً، الصوت الذي سمعته كان صوتها لكن، متى قالته..
‘ ربما من ذكريات الجسد التي لا أتذكرها جيداً… ‘
* * *
بعد أن أزحت تلك الستائر الكبيرة من أمامي نظرت من النافذة فقد كان صباحاً مشرقاً لا يشبه عواصف الحقائق التي مرت البارحة، تنهدت بهدوء ونظرت نحو الشمس المشرقة وعدت لاسترجاع تلك الحقائق الغريبة.
‘ لم ينجح إيفان في إنقاذي فقد وجد التقنية لكن الوقت كان متأخراً، دمرت الإمبراطورية بيدي، حولني المعبد إلى شرير الإمبراطورية..
تزوجت أريانا من دوق سيلفانو وأنجبت طفله، ولمَ أسمته ذلك الاسم (أيدان)؟ لقد ماتت في مهرجان العام وبدأت المصائب تنهال، لقد خطط المعبد مسبقاً لإسقاطي لو لم يقم إيفان بإنقاذي تلك الليلة بإعطائي تلك الأداة السحرية ووجود أريانا في حياتي لكان ذلك المستقبل محتوماً، سيلفانو ليس عدواً، وإنما حليف جيد..
سيدمر المعبد بالطريقة التي أرغب بها بشدة، يبدو أن هذا الرجل أخذ إرادتي في ذلك المستقبل، لكن هنا أنا من سأنفذ ما سعيت له طوال حياتي..’
‘ أصبح كل شيء واضحاً الآن… لقد اختارتني أريانا، لذا عليّ أن أبذل قصارى جهدي…’
جرس جرس جرس!!!
قرعت الجرس بهدوء وأتى مارشال بهدوء وأناقة كعادته.
” أرسل رسالة سرية للدوق سيلفانو، أخبره أني أريد مقابلته هو والبارون برايون الليلة بشكل عاجل “
* * *
” ما الذي يريده مني الإمبراطور؟!”
نظر بعصبية وتذمر للمرأة التي تجلس أمامه وهي تشرب الشاي بهدوء، وضعت كوبها على الطاولة وقالت بهدوء:
” هل يريد الإمبراطور ولاءك؟!”
” ألم يقم بإهانتي مرتين في نفس الفترة، وظل صامتاً طوال تلك الأشهر، لم يبدِ ردة فعل، لو كان شخصاً آخراً لحاول الالتجاء للمعبد…”
” ربما لهذا السبب الإمبراطور يريدك… دوق “
” إلينا، دعينا لا نستعجل الحكم، سنعرف نوايا الإمبراطور الليلة “
التعليقات لهذا الفصل " 22"