شعرت آناستا بوخزةٍ في صدرها عند سماع كلمات رئيسة الخادمات.
لحسن الحظّ لم يُكشف كذبها، لكنّها أدركت أنّ الاستمرار في تناول طعام السيّد الشابّ لن يكون ممكنًا في المستقبل.
والأهمّ من ذلك هو الدواء. لا يمكنها ببساطةٍ حشر الدواء في فم السيّد الشابّ بالقوّة.
شعرت آناستا بظلمةٍ تُخيّم أمام عينيها.
ومع ذلك، أخذت الدواء ودخلت غرفة السيّد الشابّ مرّةً أخرى.
كان رايان، الذي تغيّر سلوكه تمامًا بعد حادثة الطعام، يتجاهلُ آناستا.
كان موقفه واضحًا؛ لن يقبلَ الدواء الذي تقدّمه.
لم تحاولْ إجباره، بل اقتربت أوّلًا من سرير رايان.
هذه المرّة أيضًا، طارت وسادة ثقيلة باتّجاهها، لكنّها لم تهتمّ.
كانت الوسادة ناعمةً مقارنةً بضرب والديها.
“حانَ وقتُ تناول الدواء.”
عندما اقتربت وكأنّها لم تُصب بالوسادة، شعرَ رايان بالاشمئزاز.
“لماذا لا تأكلينه أنتِ كما فعلتِ قبل قليل؟”
لم تُجب، بل وقفت بصمتٍ أمام سريره.
ثمّ راحت تتفحّص وجه رايان بعناية.
رغم أنّ بنيته ضعفت، إلّا أنّ جسده الذي صُقلَ بسبع عشرة سنة من التدريبات البدنيّة القاسية وفنّ المبارزة لا يزال ملموسًا.
حتّى وإن أصبحت عضلاته ضئيلةً الآن، فلا بدّ أنّها كانت صلبةً في الماضي.
كان وجهه وسيمًا ونقيًّا، تمامًا كما اشتهرَ في الأوساط الاجتماعيّة.
مكانةٌ رفيعة، وجهٌ وسيم، وقدراتٌ مذهلة.
لم تستطع آناستا أن تتخيّل شعور رايان عندما قيل له إنّ حياته محدودة، وهو الذي امتلكَ كلّ شيء.
–”أنا أعرفُ النساء من أمثالكِ جيّدًا. أنتِ تتمنّين موتي سريعًا. هكذا يمكنكِ الهروب من هذا المنزل اللعين وتصبحين ثريّةً، أليس كذلك؟”
لومت نفسها قليلًا لأنّها لم تستطعْ نفيَ تلك الكلمات حينها.
رغم أنّها قرّرت الصمود في هذا القصر، إلّا أنّها كانت تعاملُ رايان كبقيّة الناس.
بصراحة، كانت تفكّر في المال الذي ستحصل عليه عندما تصبح أرملةً بعد موته.
بمعنى آخر، كانت آناستا تفكّر في المستقبل ولم تواجه الواقع الحاليّ.
للبقاء مع رايان، كان عليها أن تفهمَ مشاعره.
بعد إدراك ذلك، قرّرت آناستا أن تعامله بشيءٍ من الكرم والدفء.
“قيل لي إنّك ستُصاب بنوبةٍ إذا لم تتناول الدواء.”
“……”
“تناوله قبل أن تُصاب بالنوبة.”
ضحكَ رايان بسخريةٍ من كلامها.
“حسنًا، هذا جيّد. الإصابة بالنوبة شعورٌ قذر، لكنّها قد تبعدكِ عن نظري بسببها.”
وضعت الدواء والماء بانتظامٍ أمام رايان.
“لن أُجبركَ على ذلك. إذا كنتَ لا تريد أن تتألّم، فتناولـ–!”
قبل أن تُنهيَ جملتها، فتحَ رايان النافذة وألقى بالدواء والماء للخارج.
-تحطّم!
اتّسعت عينا آناستا عند سماع الصوت القادم من الأسفل.
ركضت نحو النافذة ورأت الكوب الزجاجيّ المحطّم مثل عملٍ قد فَسَد.
“لن أتناوله.”
أطلقَ رايان ضحكةً ساخرةً تجاه آناستا.
بسبب الصوت المفاجئ، دخلت رئيسة الخادمات وفهمت الموقف بعد رؤية آناستا ورايان.
ثمّ أمرت خادمةً بتنظيف شظايا الزجاج في الخارج، واستدعت آناستا.
“إنّه لا يتناول الدواء.”
“هكذا هو دائمًا. يبدو أنّ طباعه لا تتغيّر حتّى أمام زوجته المستقبلية.”
“دائمًا؟ هل تقصدين أنّه يصاب بالنوبة في كلّ مرّة؟”
“نعم.”
بدت رئيسة الخادمات، التي كانت تنظر لآناستا بشكلٍ مختلف بعد حادثة الطعام، محبطةً قليلًا من النتيجة ذاتها.
“كيف يمكنني جعله يتناول الدواء؟”
طلبت آناستا المساعدة من رئيسة الخادمات لأنّها لم تجد حلًّا مناسبًا.
لكنّ الكلمات التي خرجت من فمها كانت مرعبة.
“إذا كنتِ بحاجةٍ إلى فرسانٍ أو مرتزقةٍ ذوي بنيةٍ قويّة، فأخبريني. سيمسكون بذراعيه وساقيه، وعندها يمكنكِ وضع الأقراص في فم السيّد الشابّ.”
“…… ماذا؟”
“لقد كان الأمر كذلك دائمًا. السيّد الشابّ يبصق الدواء في كلّ مرّة، ولكن بعد تكرار ذلك عشر مرّات، تضعف قوّته ويقلّ تمرّده.”
أضافت رئيسة الخادمات: “رغم أنّ غضبه يزداد سوءًا بعد ذلك.”
الإمساك بذراعيه وساقيه وحشر الدواء في فمه بالقوّة؟
مهما كان الدواء ضروريًّا، فإنّ تكرار هذا العمل يوميًّا يعني معاملته كحيوانٍ وليس كبشر.
تذكّرت قصر الكونت البارد.
عندما كانت تضعف ويصبح مظهرها غير لائق، كان والداها يحشران الطعام غير المستساغ في فمها.
كانت آناستا تعرف تمامًا مدى الإهانة والبؤس في ذلك الموقف.
“…… بالمناسبة، السيّد الشابّ لا يخرج من الغرفة أبدًا. هل يكره الخروج؟”
“لا، حالة السيّد الشابّ خطيرة. لقد مُنعَ من الخروج. حتّى الحديقة لا يمكنه التجوّل فيها بحريّة.”
“ماذا عن الكتب؟ غرفته خاليةٌ تمامًا لدرجة الملل.”
نظرت إليها رئيسة الخادمات بنظرةٍ تشوبها بعض الضيق.
“أهمّ شيءٍ للسيّد الشابّ هو الراحة. والسيّد الشابّ نفسه لم يعد يرغب في قراءة الكتب أو القيام بأيّ عملٍ ذي معنى. إنّه فقط ينتظر بهدوءٍ أن يُشفى من هذا المرض.”
هذا ليس انتظارًا، بل هو استسلام.
إنّه ينتظر الموت بسرعة.
نظرت رئيسة الخادمات إلى آناستا وكأنّها تسأل إن كان لديها المزيد، ثمّ لمحت الدواء في يدها وقالت:
“يصنعُ الطبيبُ دواءً كافيًا دائمًا، لكنّه ينتهي بسرعة. يرجى الحرص على عدم تكرار مثل هذا الأمر في المستقبل.”
كانت نبرة طلب، لكنّها كانت تحذيرًا أيضًا.
أمام هذا التهديد الضمنيّ من رئيسة الخادمات بعدم إثارة مثل هذه الفوضى مجددًا، صمتت آناستا مرّةً أخرى كمن ابتلع لسانَه.
إذا لُخّصت حياة آناستا، فقد كانت حياةً مُخططًا لها في كلّ لحظة.
ولدت تحت خطّة والديها وتدرّبت بصرامة على آداب النبلاءِ بينما كانت تتضورُ جوعًا، ولم تعرف الحريّة أبدًا.
كان كلّ شيءٍ بالإكراه.
السبب الوحيد الذي جعلها تتحمّل تلك الأيّام الجحيميّة هو وجود أختها ناتاشا.
كانت ناتاشا معطاءةً ولطيفة، تعرف كيف تضحّي، وكانت حازمةً وحكيمةً أحيانًا.
آناستا، التي صمدت بجانبها، تذكّرت أنّ رايان لا يملك شخصًا مثل ناتاشا.
لقد كان وحيدًا. قبل مرضه، ربما كانت حياته متألّقة، لكنّها الآن كانت أكثر فراغًا وعزلة.
“ماذا تفعلين هنا؟”
سألَ رايان بنبرةٍ مائلة وهو يراقب آناستا التي عادت إلى الغرفة.
“لقد وبّختني رئيسة الخادمات.”
أدارَ رايان رأسه غير مبالٍ بصدقها.
“وماذا في ذلك؟”
“……”
“آه، هل ستستدعين الفرسان؟ يبدو أنّكِ ستأمريهم بامساك أطرافي وتحشرين الدواء في فمي بالقوّة.”
“لقد مرّت من هنا أكثر من ثلاثين خادمة. هل تعتقدين حقًّا أنّه لم تكن هناك خادمةٌ جاءت بمثل مشاعركِ؟ قلنَ إنّ هذا وضعٌ أسوأ من وضع الحيوانات، وأظهرنَ لي اللطف والابتسام في البداية.”
“……”
“ماذا كانت نهايتهنّ؟ كلهنّ هربنَ باكيات. وبعضهنّ تمنّين موتي سريعًا عندما فكّرنَ في معاناتهن وبؤسهنّ.”
هذا هو الواقع.
أدارَ رايان بصره نحو النافذة بعد أن فصّل كلامه، لكنّ آناستا استطاعت إدراك حقيقةٍ واحدة.
كان رايان يهتمّ لأمرِ أولئك الخادمات.
ربما تعمّدَ قول الكلمات القاسية وإظهار الشخصيّة الحسّاسة لأنّه يعرف نهايته.
لقد كان نوعًا من آليّة الدفاع.
قرّرت آناستا تصديق ذلك، وأغلقت يدها التي تحمل الدواء بقوّة.
إذا لم تُجبره، فكيف يمكنها جعل رايان يتناول الدواء؟
لم يخطر ببالها حلٌّ واضح، ففكّرت لبرهةٍ فيما كانت ستفعله ناتاشا لو كانت مكانها.
بالتفكير في الأمر، يبدو أنّ موقفًا كهذا قد حدث من قبل.
عندما كانت مريضة، وحاولت ألّا تتناول الدواء لتموت احتجاجًا على والديها.
ما فعلته ناتاشا حينها هو-.
“سأتناوله أنا.”
فوجئ رايان بكلام آناستا وأدارَ رأسه بسرعة.
اتّسعت عيناه وبدا مذهولًا كشخصٍ سمع شيئًا خاطئًا.
“ماذا قلتِ؟”
“بما أنّ الدواء لا يزال كثيرًا، فحتى لو تناولتُ هذا، سيكون هناك الكثير منه للسيّد الشابّ.”
“هل جننتِ؟”
“أنا جادّة.”
ضيقَ رايان ما بين عينيه أمام حزمها، ثمّ أشار بيده.
“حسنًا، جربي إذن.”
“سأسألكَ مرّةً أخرى. هل ستتناول الدواء؟”
“إذا سألتِ مرّةً أخرى، فسأخطف هذا الدواء وألقي به من النافذة مجددًا.”
“فهمتُ.”
دون تردّدٍ لثانيةٍ واحدة، وضعت آناستا الأقراص التي في يدها داخل فمها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 5"