انفجر رايان ضاحكًا من نبرتها الهادئة بشكلٍ يثير العجب.
“إذًا، أنتِ موافقةٌ على أعتدائي عليكِ؟”
“هل ستلمسني رغمًا عنّي؟”
أمسك بمعصمها بقوّة، ثمّ سرعان ما لوى طرف فمهِ بسخرية.
شعرت آناستا بالراحة حين ترك معصمها، لكنّ عينيها اتسعتا من هول تصرّفه التالي، فقد سحب رباط فستانها المستقرّ على كتفها إلى الأسفل بعنف.
“ما الذي تفعلهُ…!”
“أنتِ من قلتِ ذلك، إنّنا مقبلانِ على الزواج.”
أمسك رايان بمعصم آناستا مرّةً أخرى ردًّا على محاولتها الفطريّة لحماية جسدها.
“انظري، أنتِ أيضًا لا ترغبين في هذا.”
ارتجف معصم آناستا بشكلٍ طفيف، كان هذا بالتأكيد أمرًا خاطئًا.
“اطلبي تغيير الغرفة.”
ترك رايان معصمها وابتعد عنها.
“لقد قلتُ لكَ قبل قليل، ليس لديّ خيارٌ حقًّا، أيّها السيّد الشابّ.”
سحبت آناستا معصمها الذي ترك عليه رايان أثرًا، ونهضت بسرعة.
“حقًّا؟ إذًا غادري هذا القصر فحسب.”
الأمر بسيط.
“لا تظنّي أنّ قفل باب الغرفة سيحلّ كلّ شيء، فهذا الباب لا يسمح لكِ بالدخول إلى غرفتي فحسب، بل هو بابٌ يمكنني من خلاله الدخول إلى غرفتكِ متى شئت.”
بعد قول ذلك، أغلق رايان الباب بقوّة.
“…….”
ساد صمتٌ يبعث على القشعريرة في المكان الذي كان يقف فيه.
ضربت رياح الشتاء القاسية النافذة، واستقرّ ضوء القمر البارد في غرفتها.
زفرت هي أنفاسها التي كانت تحبسها.
كانت قوّة الرجل، الذي ظنّت أنّه ضعيف، شديدةً للغاية.
بنيته الضخمة وهيبته، وهو الذي ارتاد الأكاديميّة العسكريّة قبل إصابته بالمرض، جعلتها تشعر وكأنّها أمام وحشٍ كاسر.
أغمضت آناستا عينيها بشدّة.
‘ثروة عائلة سولتير كبيرة، لقد حصل والدايَ مقابل هذا الزواج على إقليمٍ يفوق حجم قصر وينترليت بمرّتين، وعلى دقيقٍ يكفي للعيش لمدّة عام.’
لا شيء في هذا العالم يأتي مجانًا.
تذكّرت آناستا ذلك، فأمسكت بمعصمها المتألّم ونهضت ببطء، ومع أنّها كانت تعلم أنّ القفل لن يجدي نفعًا، إلّا أنّها قفلت الباب ثمّ اتّجهت إلى أقصى زاويةٍ في السرير وانكمشت على نفسها.
كان السرير ناعمًا، لكنّها لم تستطع النوم، وبقيت تراقب الباب دون أن تغفل عنه، ولم تستطع غفوةً قصيرة إلّا بعد شروق الشمس.
* * *
“تغيير الغرفة أمرٌ مستحيل، أليس كذلك؟”
رفعت رئيسة الخدم حاجبيها عند سماع كلمات آناستا.
“بالطبع، هل هناك ما يزعجكِ؟”
“السيّد الشابّ يشعر بعدم الارتياح لوجودي في الغرفة المتّصلة بغرفته.”
“لا يمكن فعل شيءٍ حيال ذلك، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنكِ من رعاية السيّد الشابّ.”
ردّت رئيسة الخدم بجمود ووضعت الإفطار أمام آناستا، فنظرت الأخيرة إلى الطاولة التي استأثرت بها وحدها وسألت:
“هل يتناول السيّد رايان إفطارهُ بشكلٍ منفصل؟”
“يتناوله في غرفته، وعادةً ما تحضرهُ إحدى الخادمات، ولكن الغد فصاعدًا…”
لمحت رئيسة الخدم آناستا بطرف عينها.
“عليكِ أنتِ أن تتولّي هذه المهمّة.”
“…….”
“الأمر بسيط، قدّمي له الإفطار والغداء والعشاء، وبعد عشر دقائق من تناول الوجبة، قدّمي له الدواء، وإذا احتاج السيّد لأيّ شيءٍ آخر، فعليكِ إحضارهُ له.”
لقد كان الزواج مجرّد غطاء، فهي قد جاءت حقًّا من أجل تمريض رايان.
ابتسمت آناستا بمرارة لهذا التعامل الصريح الذي كانت تتوقّعه.
“وماذا غير ذلك؟”
“يمكنكِ التصرّف كما تشائين، الأمر بسيط.”
تذكّرت آناستا هيئة رايان وهو يحاول مهاجمتها فجرًا.
من المؤكّد أنّه سيرفض تناول الطعام والدواء، وسيحاول مضايقتها في كلّ صغيرةٍ وكبيرة.
لكن كان عليها منع تكرار ما حدث في الفجر، لذا إذا لم يكن بالإمكان تغيير الغرفة…
أدركت آناستا أنّها بحاجة إلى عزيمةٍ قويّة.
* * *
أدرك رايان أنّ آناستا لم تغيّر غرفتها، ولم تغادر القصر أيضًا.
‘هل يجب أن أخيفها مرّةً أخرى؟’
كان يتوقّع أنّ تحذيرًا واحدًا لن يكون كافيًا، فمن المؤكّد أنّها حصلت على الكثير من عائلة سولتير، ولن تتخلّى عن كلّ شيء وتغادر القصر فورًا.
سحب رايان مقبض الباب المتّصل بغرفتها.
‘لقد قفلته.’
كان تصرّفًا لا فائدة منه، فتش في جيبه عن المفتاح وفتح الباب على الفور، وبينما كان يعبر الغرفة الهادئة والساكنة متّجهًا نحو السرير.
“…….”
كان السرير فارغًا.
ليس ذلك فحسب، بل اختفى اللحاف والوسائد أيضًا.
‘أين تختبئ؟’
لم يتوقّع هذا، فتش رايان في خزانة الملابس وخلف الستائر ليبحث عن آناستا التي تسلّلت مثل الفأر، لكنّه لم يجد حتّى شعرةً واحدةً منها.
بعد وقتٍ قصير، توصّل رايان إلى استنتاج، وهو أنّ المرأة قد هربت دون علمه، وحينها فقط استوعب غياب آناستا فارتسمت ابتسامةٌ على شفتيه.
‘لقد غادرت قبل أن تكمل أسبوعًا حتّى.’
لم يكن الأمر سيئًا، فالبقاء لفترةٍ طويلة لن يعود بالنفع على أيّ منهما، وفراقٌ نظيفٌ كهذا هو الأفضل.
بينما كان رايان يهمّ بمغادرة الغرفة وهو يشعر بالخفّة، سمع صوت حركةٍ من مكانٍ ما.
“….؟”
تحديدًا، من خارج الغرفة.
كان الوقت الآن يتجاوز منتصف الليل، والظلام دامس، ومن المفترض أنّ الخادمات قد أطفأن أنوار الممرّات ودخلن غرفهنّ للنوم.
أصبحت نظرات رايان حادّةً على الفور، ونظر حوله ثمّ أمسك بيده شمعدانًا منطفئًا.
كلّما اقترب من الباب، كان يسمع الحركة بوضوحٍ أكبر، وبالتأكيد لم تكن خادمة.
كانت حركةً غريبةً وحذرة.
‘لصّ؟’
لا يعرف من يكون، لكنّ الدخول إلى عائلة سولتير في هذا الوقت المتأخّر من الليل يعني أنّ هذا الشخص يمتلك جرأةً كبيرة.
أعاد رايان إمساك الشمعدان بإحكام، وتوقّف أمام الباب ليلتقط أنفاسه، فلو لم يكن مريضًا، لتمكّن من إخضاع اللصّ الذي لا يعرف كيف يخفي أثره بضربةٍ واحدة، لكنّ الوضع الآن مختلف.
فجسدهُ الهزيل هذا قد ينهار في أيّ لحظة.
لذلك، قرر رايان ضربه ضربةً واحدةً حاسمة، وبينما كان يمسك بمقبض الباب ويستعدّ لتوجيه الشمعدان…
“!”
لم يرَ شيئًا، وبعد أن خفض نظره إلى الأسفل، وجد شخصًا مستلقيًا ملتفًّا بلحاف.
“ماذا….”
كانت آناستا.
أنزل ذراعهُ وهو ينظر إليها وهي نائمةٌ بسلامٍ ومنكمشةٌ على نفسها مثل الطفل، وشعر بالخيبة والذهول في آنٍ واحد.
كان هذا هو الممرّ، حيث الأرضيّة الصلبة.
“هل جننتِ؟”
انحنى رايان ليتأمّل آناستا عن قرب، ثمّ نغز خدّها بالشمعدان الذي كان يمسكه.
“هيه.”
“…….”
“أقول لكِ استيقظي.”
“ممم.”
“إنّكِ تنامين بارتياحٍ تامّ.”
كان رايان لا يزال مليئًا بالتساؤلات، ما هو هذا الأسلوب بحقّ الخالق؟ هل تنوي كسب عطفه وإثارة شفقتُه؟
لكنّ آناستا كانت تنام وكأنّ هذا الممرّ هو المكان الأكثر راحةً للنوم في العالم.
هو لا يمكنه حملُها لفراشها أيضًا.
مسح رايان وجهه بيده وهو لا يعرف ماذا يفعل، ويبدو أنّها شعرت بتلك الحركة فاهتزّت رموشها قليلًا.
“…. السيّد الشابّ؟”
رمشت آناستا بعينيها عدّة مرّات، ثمّ نهضت بحذر.
“لماذا تنامين هنا؟”
“…….”
“أنا اسألكِ الآن”
“أنا آسفة، لم أستيقظ من النوم تمامًا بعد.”
أطلق رايان ضحكةً ساخرة من تصرّف المرأة الوقح.
سواءً فعل ذلك أم لا، فركت آناستا عينيها ثمّ نظرت حولها، في الليل المظلم، الباب مفتوح، والرجل الذي أمامها يمسك بشمعدان.
“هل ظننتني لصّة؟”
جفل رايان من كلمات آناستا.
“أيّ شخصٍ كان سيظنّ ذلك لو شعر بحركةٍ في ممرٍّ من المفترض ألّا يوجد فيه أحد.”
“…….”
“لذا، لِمَ لا تخبريني؟ هل تعانين من السير أثناء النوم؟”
“لقد قلتَ إنّك ستعتدي عليّ.”
فقد رايان القدرة على النطق للحظة.
“ماذا؟”
“أنا أكرهُ العلاقات القسريّة بشدّة، وأرى أنّ مثل هذه العلاقات يجب أن تختفي، لهذا السبب نمتُ في الممرّ.”
“يبدو أنّ الممرّ آمن، هل يحتوي على درعٍ واقٍ مثلًا؟”
“الممرّ باردٌ وقاسٍ، وهو مكانٌ يمرّ به الجميع، وظننتُ أنّكَ كرجُلٍ نبيل لن تعتدي عليّ في مكانٍ كهذا.”
“أنا لستُ رجلًا نبيلًا.”
الاعتداء والنبل، كانتا كلمتين لا يتناسبان أبدًا.
“إذا كنتِ خائفةً من الاعتداء، أليس من الأفضل لكِ مغادرة القصر؟”
“لقد تمّ بيعي، وسمعتُ أنّ طبيعة العقد لا تسمح باسترداد الثمن.”
“إذًا، هل ستنامين في هذا الممرّ الصلب والبارد حتّى أموت؟”
سيصيب التعب جسدها وستعاني من الألم، حتّى لو صمدت ليومٍ واحد، فهل ستصمد لأسبوع؟
من حسن الحظّ أنّنا في بداية الشتاء، لكن إذا اشتدّ البرد، فستشتاق هذه المرأة للسرير وستنجذب إليه كالمصابة بالسير أثناء النوم.
“افعلي ما يحلو لكِ.”
نهض رايان فجأةً وقد استُنفدت طاقته.
لا يهمّه إن تيبّس جسد المرأة أو ماتت من البرد، أليس هذا أفضل؟ فسيكون قادرًا على طردها دون أن يحرّك إصبعًا.
‘رغم أنّه أمرٌ ممتع’
لكنه لم يكن من النوع الممتع بطريقةٍ جيّدة.
لم يعجب رايان بأسلوب آناستا التي كانت تفاجئه وتجيبه بصلابةٍ وثبات.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 3"