نظرت الخادمةُ التي انضمت للعمل حديثًا بدموعٍ هاملة إلى السيد الشاب الواقف أمامها.
بشرةٌ شاحبة، جسدٌ نحيل، ووجهٌ غائر الوجنتين.
كان شعره الفاحمُ داكنًا كظلمة سماء الليل، وعيناه الرماديتان واضحتين كأنك تنظرُ إلى قمرٍ مستدير.
هذا الشاب الذي بلغ لتوّه سنّ الرشد كان أشبه بمخلوقٍ رائع صاغه فنانٌ بعناية.
خطوطٌ رقيقة وملامحُ حادة، عينان مرفوعتان بحدة كقطّ، وأنفٌ وشفاهٌ بارزة المعالم. لم يكن هناك شائبةٌ واحدة يمكن انتقادها.
“لقد قلتُ لكِ. لا تلمسي جسدي.”
“لـ- لم أفعل. كنتُ أحاولُ فقط أن أصبّ الشاي…”
“اللعنة.”
وما نفعُ ذلك؟
نزل الرجلُ عن السرير واقترب ببطء من الخادمة المنهارة على الأرض.
“اغربي عن وجهي.”
“ولكنَّ سيدتي قالت… كيااا! سـ- سيدي!”
فزعت الخادمةُ من تصرّف سيدها وهو يطأُ الزجاج المكسور بقدميه الحافيتين دون مبالاة.
انغرست شظايا الزجاج المدببة في قدمه، وبدأت الدماءُ تظهر.
لكنّه لم يبدِ أيّ علامةِ ألم، بل اكتفى بالنظر إلى الخادمة بجمود.
“يبدو أنكِ تستخفين بي.”
“لا، الأمر ليس كذلك. أنا فقط كنتُ أنفذُ الأوامر. لقد أمرتني سيدتي بأن أصبّ الشاي لك وأتحدث عن الزواج…!”
“لا تنطقي بتلك الكلمة اللعينة أمامي.”
“سـ- سيدي.”
قرب رايان وجهه من الخادمة، ثم التقط شظيةً من بقايا الإبريق المكسور على الأرض.
كانت الشظيةُ ذات الطرف الحاد مثاليةً لخدش أو قطع شيء ما.
“لا، لا تفعل! أرجوك لا تفعل ذلك!”
أدركت الخادمةُ نيته وجثت على ركبتيها تتوسل.
“الموتُ الآن أو الموتُ لاحقًا، النتيجةُ واحدة، أليس كذلك؟”
“لا، لا يمكن! سيدي! يا رئيسة الخادمات!”
“لماذا؟ ألم تكوني أنتِ أيضًا تتمنين موتي؟”
“لا، أبدًا! حقًا ليس الأمر كذلك!”
في تلك اللحظة، لاحظ كبيرُ الخدم و الفرسان بالخارج الضجيج واقتربوا.
“سيدي الشاب! اهدأ من فضلك!”
“…”
راقبهم رايان بعينين جافتين، ثم قبض يده بقوة على الشظية.
غرست الشظيةُ بعمق في كفّه، فانهمرت الدماءُ كأنها ماء.
رائحةٌ زفرة ولونٌ قانٍ.
وعلى عكس الخادمة التي كانت ترتجفُ كفأرٍ مبلل، اقترب كبيرُ الخدم منه ببطء وكأن هذا الأمر مألوفٌ له.
“سيدي، علينا معالجة الجرح فورًا!”
“كفى، خذوا هذه الخادمة من هنا.”
ألقى رايان الشظية على الأرض، بينما لم تستطع الخادمةُ التي فقدت القوة في ساقيها الوقوف، فتراجعت للخلف وهي تستندُ بيديها.
وعندما ساعدها المرتزقةُ على النهوض، بدأت تبكي وتفرغُ ما في قلبها قائلة: “لا أستطيعُ فعل هذا بعد الآن، حقًا لا أستطيع.”
أومأ كبيرُ الخدم بعينيه لإخراج الخادمة بسرعة، ثم أمر باستدعاء الطبيب.
في تلك الأثناء، استلقى رايان على السرير بشكلٍ طبيعي ونظر من النافذة بتعبيرٍ فارغ.
“سيأتي الطبيبُ قريبًا.”
“تلك الخادمةُ ستستقيل. كم أصبح عددهنَّ الآن؟”
“…”
“سيكون من الصعب العثورُ على خادمة جديدة بعد الآن. يا كبير الخدم.”
رغم لهجة رايان الساخرة، انحنى كبيرُ الخدم برأسه.
“هناك الكثيرُ من الخادمات اللواتي يرغبن في الانضمام لعائلة سولتير، يا سيدي.”
“هذا أمرٌ مؤسفٌ حقًا.”
“قريبًا ستصلُ عروستك يا سيدي.”
عروستك.
تلك الكلمةُ جعلت ملامح رايان تتشنجُ وتتحطم.
“إنها آنسةٌ فاضلة. من عائلة وينتريت التي تحملُ رتبة كونت. تمتلكُ شعرًا ذهبيًا جميلًا…”
“اخرس.”
تردد كبيرُ الخدم للحظة أمام نظرات رايان الحادة، لكنه عاود الحديث.
“أنا متأكدٌ أنها ستعجبك.”
“بما أن الخادمات لم ينفعن، قررتم إحضار تلك الآنسة النبيلة لتبقوها بجانبي.”
“هذا من أجل عائلة سولتير، يا سيدي.”
“بشكلٍ أدق، من أجل دوقة سولتير.”
صرّ رايان على أسنانه.
والدةُ رايان، التي أنجبت الابن الأكبر والثاني، فارقت الحياة مبكرًا بنفس المرض الذي يعاني منه.
وبعدها دخلت السيدة سولتير الحالية، كانت امرأةً شابة أنجبت الابن الثالث.
كانت شابةً ومثقفة، لكنها كانت جشعةً أيضًا.
هي من دفعت الابن الأكبر نحو التدين حتى صار قسًا.
حاولت الدوقة الجديدة دفع رايان أيضًا في طريق الكهنوت، لكن لسوء حظها، كانت اهتماماته تنصبُّ على العلوم العسكرية والسياسة.
إلا أن الحظَّ كان بجانب تلك المرأة؛ ففي العام الذي بلغ فيه رايان السابعة عشرة، أصيب بنفس المرض المزمن الذي قتل والدته.
وبذلك، صار الابنُ الثالث هو الوريث الطبيعي لدوقية سولتير، وفقد رايان كل شيء.
والآن ماذا؟
زوجة؟ زواج؟
“كان الأجدرُ بك أن تجد لي عروسًا شبح لتُدفن معي عندما أموت.”
“سيدي الشاب!”
بينما كان رايان ينظرُ من النافذة، لمح قمة رأس امرأةٍ شقراء تدخلُ لتوّها إلى الجناح الملحق.
أهذه هي؟ تلك المرأةُ الحمقاء التي بِيعت بزواجِ مصلحة.
“شهرٌ واحد.”
“عفوًا؟”
“تلك الزوجة المستقبلية ستهربُ من هذا القصر في غضون شهر.”
* * *
“يبدو أن حادثًا بسيطًا قد وقع.”
قالت رئيسةُ الخادمات بصوتٍ خاوٍ وهي تنظرُ إلى شظايا الزجاج على الأرض.
حادثٌ، هكذا قالت.
كانت آناستا تعلمُ أن رايان هو من حطم الزجاج بنفسه، فقد سبق لها أن حطمت نوافذ زجاجية عدة مرات.
وفوق كل شيء، تلك النظرةُ التي رماها بها وهو جالسٌ على حافة النافذة يراقبها.
“غرفتكِ هنا.”
بينما كانت تفكرُ في رايان، قادتها رئيسةُ الخادمات إلى الغرفة المجاورة ذات الباب الكبير.
أدركت آناستا بغريزتها أن الغرفة المجاورة هي غرفةُ رايان.
“لقد رتبنا الداخل جيدًا. إذا احتجتِ لأي شيء آخر، فأخبرينا.”
“إنها غرفةٌ رائعة.”
قالت ذلك وهي تتأملُ الغرفة التي كانت أوسع بكثير وأكثر تجهيزًا من غرفتها في منزل الكونت.
“ولكن، ما هذا الباب؟”
اكتشفت بابًا واحدًا على الحائط.
يبدو وكأنه يؤدي إلى الغرفة المجاورة…
“أحيانًا يقفلُ السيد الشاب باب غرفته. في مثل تلك الحالات، يمكن الدخولُ عبر هذا الباب.”
سلمت رئيسةُ الخادمات مفتاحًا لآناستا.
“هل تقصدين الدخولُ عنوةً؟”
“ليس في العادة. لكن عندما يرفضُ سيدي تناول الدواء أو الطعام، نستخدمُ هذا الباب.”
أدركت آناستا فورًا أن هذه ستكون مهمتها.
“ارتاحي جيدًا اليوم. سأطلعكِ على مهامكِ غدًا.”
-طرق.
أُغلق الباب.
رغم أنها بيئةٌ غريبة، إلا أن آناستا لم ترتجف خوفًا.
فقد سمعت الكثير من الشائعات حول ابن سولتير الثاني قبل مجيئها.
وفوق ذلك، هي قد تعاملت مع والدين لا يشبهان الوالدين في شيء لمدة عشرين عامًا.
لقد رأت من الدموع ما يكفي ليجعلها تشعرُ بالاشمئزاز.
الغضب، الرغبة، التبذير، الجشع، والغطرسة… ألم تختبر بالفعل أسوأ ما في البشر؟
لذا، كان هذا المكانُ بالنسبة لـ آناستا أشبه بالجنة.
جنةٌ هادئةٌ جدًا.
خلعت معطفها واستلقت على السرير.
‘إنه ناعم.’
كان مكانًا أفضل بكثير من الأرضية الباردة التي كانت تنامُ عليها عادةً.
وربما لهذا السبب، غطت في نومٍ عميق بمجرد استلقائها.
وبينما كانت غارقةً في نومٍ مريح لدرجة أنها لم تحلم بأي شيء، أمسك أحدهم يدها بقوة.
‘مرةً أخرى؟’
كانت هذه عادةُ والدتها المخمورة التي تدخلُ غرفة آناستا لتفعل ذلك.
كانت توقظها عمدًا لتفرغ غضبها فيها.
كان عليها دائمًا أن تستمع، وتتحمل تلك الإهانات والشتائم.
فتحت آناستا عينيها بهدوء، لكنها تجمدت عندما رأت مشهدًا مختلفًا عن المعتاد.
لم يكن هذا منزل الكونت.
والشخصُ الذي يعلوها لم يكن والدتها العجوز، بل كان رجلًا وسيمًا لدرجة تحبسُ الأنفاس.
“أنتِ.”
“…”
“لماذا أتيتِ إلى الغرفة المجاورة لغرفتي؟”
حدق بها الرجلُ وهو يقطبُ حاجبيه.
كان تعبيرُ وجهه يفيضُ بالغضب.
بدلًا من الشعور بالذعر المفاجئ، قامت آناستا بتحليل الموقف.
الرجلُ الذي أمامها هو “ريان سولتير”.
والبابُ المؤدي للغرفة المجاورة كان مفتوحًا.
‘لم يكن مقفلًا إذًا.’
أو ربما فتحه رايان.
“مرحبًا، أيتها الآنسةُ المُباعة.”
قال رايان ذلك بلهجةٍ ساخرة متعمدة.
“لا أظنُّ أن هذا هو الوقتُ المناسب لتشغلي عقلكِ بالترهات.”
“لم يكن اختيارُ الغرفة بيدي، يا سيدي.”
خرج الصوتُ من بين شفتيها.
توقف رايان للحظة لمفاجأته بنبرة صوتها التي كانت أهدأ وأكثر حدة مما توقع.
صمت ونظر إلى آناستا المستلقية تحته.
كان من الطبيعي أن تُذعر وهي مستيقظةٌ للتو، لكنها لم تكن هادئةً فحسب، بل كانت رصينةً أيضًا.
وهذا ما أثار حنق رايان.
“اطلبي تغيير الغرفة.”
“ليس لديَّ حقُ الاختيار، يا سيدي.”
“ليس لديكِ حق الاختيار؟ أنا رجلٌ، وأنتِ امرأة. هل ترغبين حقًا في أن يُفعل بكِ مثل هذا؟”
وبينما كان يتحدث، مرر رايان يده بخفة فوق بطنها من فوق ثيابها.
تسببت تلك اللمسة الغريبة والمريبة في تقطيب آناستا لحاجبيها قليلًا.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 2"