رغم أننا تمكّنا من الفرار من السجن، ثم من المستشفى الذي بدا وكأنه قفص أبدي، فإن اليأس كان لا يزال يطاردني.
لكن السبب في أنني لم أفقد الأمل بعد هو أن ريموند كان إلى جانبي.
هززتُ رأسي برفق استجابة لصوته الدافئ الحازم.
ومع ذلك، وبرغم ثقته الواضحة، لم يكن من السهل تجاوز هذه الأزمة.
كان الجنود يقتربون، والحشد الذي أحاط بنا لم يُبدِ أي نية لفتح الطريق. شعرتُ كأن رأسي يتلقى ضربة مباغتة.
تقدّمت فرقة الفرسان نحونا بسرعة مثيرة للقلق.
“استسلمي بهدوء قبل أن تُؤذي نفسك. إن سلّمتِ نفسك، سأحفظ لكِ حياتك.”
كأنه اعتاد ترديد هذه العبارة في كل مرة أهرب فيها. كدت أضحك رغم خطورة الموقف، لكنني لن أسمح لهم بالإمساك بنا.
لا بي… ولا بريموند.
قبض ريموند على خنجره واستعد لمواجهتهم. كان اندفاعه أقرب إلى التهور، كأنه قرر مواجهة أقواهم، الفارس المتقدم.
رفع الفارس في المقدمة رمحه بازدراء واضح، ولوّح به في الهواء ثم طعن به بقوة عبر الريح.
لكن ريموند استدار في اللحظة المناسبة، تفادى الرمح من غير أن ينظر إليه حتى، ثم أمسك به وسحبه بعنف، قبل أن يتمكن الجندي من تعديل هجومه.
“ماذا؟!”
فقد الجندي توازنه، وتعلّق بسُرج حصانه بارتباك، ثم سقط أرضًا حين عجز عن مقاومة قوة السحب.
اندفع ريموند نحوه وركله في فكه بقوة، فتدفق الدم من فمه كنافورة وفقد وعيه.
“وغد.”
أما الجنود الآخرون الذين كانوا يراقبون، فرفعوا رماحهم وتقدموا نحوه.
وفي حركة خاطفة كأنها خدعة بهلوانية، كان ريموند قد اعتلى ظهر الحصان الذي فقد صاحبه في لحظة.
مددتُ يدي نحوه دون تفكير.
“اصعد!”
أمسك بيدي ورفعني إلى ظهر الحصان خلفه. أحطتُ خصره بذراعيّ بقوة.
“هيا!”
شدّ اللجام بقوة.
تفرّق الحشد الذي كان يسد الطريق وقفز جانبًا في فوضى.
حثّ ريموند حصانه، وانطلق بنا عبر الشارع الممزق كأننا نشق بحرًا من اللون الأحمر.
“هناك! أمسكوه!”
لم يكن الفرسان يتوقعون منا هذه المناورة. وحين حاولوا ملاحقتنا، كان الوقت قد تأخر؛ فبينما كان أحدهم يحاول التقدم، كانت الجموع تعترض طريقه، فتعثروا وسط الحشد وفقدوا أثرنا.
***
على ضفاف البحيرة الممتدة بمحاذاة الإقليم، كانت هناك ثلاثة موانئ: تولّي، وأربيلبو، وشيراتون.
أقربها إلى المستشفى الملكي كان ميناء أربيلبو، لكن ريموند اتجه في اتجاه مختلف.
استدار نحو ميناء تولّي.
كان تولّي أكبر الموانئ الثلاثة، واختاره لأن كثيرًا من أصحاب السفن في الموانئ الأخرى كانوا يديرون سفنًا تُستخدم في نقل المتسللين سرًا. ومن بين هؤلاء، كان عدد كبير من القباطنة مستعدين لإنزال ركابهم في أي ساحل يختارونه مقابل السعر المناسب.
أما في الموانئ الأخرى، فقد أصبح الوضع الآن فوضويًا، وكان هذا الطريق هو المخرج الأخير عبر البحر الأصفر.
ترجلنا عن الحصان؛ فمع أننا كنا نستطيع ركوبه إلى الضفة الأخرى، إلا أن عبور البحيرة يتطلب قاربًا أكبر حجمًا.
ومثل هذه السفن كانت تخضع غالبًا لتفتيش صارم في السفن التجارية، ولا يمكنها المخاطرة بشيء لافت للنظر في ظل مطاردة أمير دولة كاملة.
“آنستي، انتظري هنا.”
بخلاف الزحام الصاخب في المدينة، لم يكن في الميناء كثير من الناس.
كانت أجواء تولّي باردة كأن ماءً مثلجًا قد سُكب فوقها. والناس الذين يتجولون في الشوارع بدوا أكثر حذرًا مما ينبغي.
في مثل هذا الجو، لو تعرّف أحدهم إلى وجه روزالين، فقد يخرج الوضع عن السيطرة.
ولو صادف وجود صياد جوائز قريب، فقد يكون ثمن ذلك حياتي.
لذلك… كان ريموند هو من تركني هناك.
جلستُ في الساحة القريبة من الميناء، أراقب الرجال المارّين واحدًا تلو الآخر، وأنتظر عودة ريموند بعد أن نزل ليؤمّن القارب بمفرده.
وبينما أنا على تلك الحال، اقتربت مجموعة من خمسة أو ستة رجال يرتدون الزي نفسه؛ ياَقَاتُهم مرفوعة حتى تغطي أفواههم، وثيابهم سوداء قاتمة تميّزهم بوضوح.
أدركتُ فورًا أنه زيّ يرمز إلى جماعة بعينها، فسارعتُ إلى الاختباء خلف موضع قريب.
كانوا من نخبة نقابات المعلومات التابعة لعائلة بيدرو، وأفضل عناصر الديلترا، ولا شك أنهم يتحركون بأمر من لوسين بحثًا عني.
لحسن الحظ، لم يلحظوا مكاني. مرّوا قرب الشجرة التي اختبأتُ خلفها، يتفحصون المكان بعيون حادة كعيون مفترس يتربص بفريسته.
وحين ابتعدوا تمامًا عن مرمى بصري، أطلقتُ زفرة ارتياح عميقة… لكنني فجأة شعرتُ بيد تلامس كتفي.
كان أحدهم قد لمسني.
“آنستي.”
“آه!”
“لماذا هذا الفزع؟”
“هاه… يا إلهي، لم تُصدر أي صوت.”
“أعتذر. كنتِ تختبئين خلف الشجرة.”
“آه… لا شيء. لكن، هل وجدتَ القارب؟”
“نعم. سيُبحر بعد عشر دقائق.”
“عشر دقائق؟ ألا يمكننا المغادرة الآن؟”
“على الأرجح لديه حمولة يجب شحنها، لذلك لا يستطيع الاستثناء.”
“ألا يمكنك أن تدفع له مبلغًا إضافيًا؟”
“إن دفعتِ أكثر من السعر الجيد، فسيغادر فورًا.”
ساورني شعور سيئ، وأردتُ مغادرة هذا المكان في أقرب وقت. لكن لم يكن بوسعنا أن نتصرف بتهور أو نستأجر مهرّبين بطريقة عشوائية، لذا لم يكن أمامنا سوى الانتظار عشر دقائق أخرى، وقلقي يتصاعد كالدخان في صدري.
لحسن الحظ، لم يأتِ أحد للبحث عني أثناء الانتظار. وحين بدا أن القارب قد انتهى من تحميل أمتعته، نزلتُ مع ريموند إلى الرصيف.
وضعتُ القبعة عريضة الحافة منخفضة على جبيني حتى لا يتعرف أحد إلى وجهي، ولمحتُ القارب السريع الذي سنركبه راسيًا عند طرف الميناء.
التعليقات لهذا الفصل " 35"