دفع جبيني بيده الأخرى ليبعدني، لكن كلما حاول إبعادي غرستُ أسناني أعمق، واشتد الألم في ذراعه.
لم يحتمل الوجع. كان ريموند قد رأى ما يحدث، فعاد كالبرق وأطبق يديه على عنق الجندي. اختنق الرجل، وسقط أرضًا يزبد من فمه.
لم يبقَ سوى جندي واحد، لكنه ما إن رأى رفاقه يُهزمون حتى فقد شجاعته تمامًا.
ارتجف، ثم اندفع هاربًا نحو الباب الرئيسي وهو يصرخ:
“هنا! هنا! روزالين فون إدفرس هنا!”
لا شك أنه سيستدعي تعزيزات، لكننا لم نلاحقه. كان من الأفضل أن نهرب بدل إضاعة الوقت في مطاردته.
بعد زوال الحراس، لم يبقَ ما يعترض طريقنا. فتحنا الباب الخلفي الصغير في الجدار المحيط بالمستشفى وخرجنا منه. خارج البوابة، كان الناس يدخلون ويخرجون بلا توقف.
تشابكت أيدينا بقوة، واختلطنا بالحشود المرتبكة كأننا لا علاقة لنا بشيء.
بمجرد خروجنا من المستشفى، كدنا ننجح.
لكن لم يكن بوسعي البقاء هنا طويلًا؛ فالأمير سيرسل كتيبة عاجلًا.
وكذلك نقابة المعلومات التابعة للوسين، التي ترغب في قتلي بشدة.
العثور عليّ لن يستغرق وقتًا طويلًا إن بقيت أتجول في المكان.
لذلك اندفعتُ نحو منطقة آمنة.
ولتحقيق ذلك، كان على ريموند أن يحصل على قارب من الميناء كما خططنا في الأصل؛ فالأحياء الأربعة لم تكن بعيدة عن المستشفى الملكي، ولن يستغرق الوصول إليها سيرًا وقتًا طويلًا.
وفجأة، دوّى صهيل حصان في البعيد.
سمعنا أنا وهو صرخات كثيرة، فالتفتنا ننظر من فوق أكتاف الناس المتمتمين من حولنا.
كان هناك نحو اثني عشر فارسًا على بُعد خمسين قدمًا تقريبًا، يبدون مزعجين ومتوترين.
كانوا يشقّون طريقهم وسط الحشود كأسراب السلمون التي تعاكس تيار النهر.
لقد لحق بنا المطاردون أسرع مما توقعت.
“تنحّوا جانبًا! إننا نطارد آثمة!”
“ابتعدوا! روزالين فون إدفرس، الفتاة الشريرة، قد هربت! نرجو من الجميع التعاون!”
أخذ الفرسان يضيّقون المسافة، يتفحصون وجوه الناس واحدًا تلو الآخر كأنهم يصطادون سمكة في النهر.
حاولنا الإفلات من نطاقهم، لكن وسط هذا الزحام لم يكن هناك مجال واسع للمناورة.
وبينما كنت أندفع مسرعة، اصطدمتُ برجل يسير في الجهة المقابلة ولم أره.
“آه!”
“يا إلهي! ما هذا؟ أنتِ…”
“أوه… آسفة.”
“انظري أمامك!”
كان الرجل عابسًا وغاضبًا مني، ووجهه المتّسخ ازداد قتامًا بعبوسه. وفي تلك اللحظة، وصلت إلى مسامعنا أصوات الجنود الذين يطاردوننا من الخلف.
“تعاونوا! الآثمة هربت! روزالين فون إدفرس، الآثمة، هربت! افسحوا الطريق!”
كاد الرجل أن يدير قدمه ليرحل، لكنه رفع حاجبيه حين سمع صراخ الجنود.
حدّق فيّ مليًّا.
كانت روزالين سيئة الصيت إلى درجة أنني خفضتُ رأسي قليلًا خشية أن يتعرف إلى وجهي. لكن هذا التصرف بحد ذاته أثار شكوكه.
“أنتِ، ارفعي وجهك.”
“ماذا؟”
“أريـني وجهك.”
أمسكني بقوة وأدارني نحوه.
مدّ يده نحوي، لكن قبل أن يصل إليّ، أمسك ريموند بمعصمه، قطّب حاجبيه وضغط على ذراعه، فلم يستطع الرجل مقاومة قوة ريموند.
“آه! اتركـ… اتركـني!”
دفعه ريموند إلى الخلف، فصرخ الرجل الذي جُرح كبرياؤه، ثم اندفع نحو الجنود وهو يصيح:
“أيها الجنود! هنا! هنا! الآثمة هنا!”
‘يا له من واشٍ عجوز…’
انتشر صوته بين الجموع، وبدأ الناس من حولي يتهامسون بوضوح.
“روزالين فون إدفرس؟ الشريرة؟”
“ألم يقلوا إنهم أعدموها شنقًا؟ كيف وصلت إلى هنا؟”
“ألم تسمعوا؟ لقد هربت!”
كان هذا المشهد يعيد إلى ذاكرتي اللحظة التي وقفتُ فيها على منصة الإعدام. ذلك الغضب، وذلك الاحتقار، وتلك العداوة العارمة التي يمكن تلخيصها في هاتين الكلمتين، كانت تُصبّ عليّ وحدي بلا رحمة.
اختبرتُ ذلك عبر عشرات المرات من الموت، ومع كل مرة كانت تلك العدائية المألوفة تلامس جلدي، فيرتجف جسدي وترتعد ساقاي.
كنت أنا المذنبة في نظرهم.
كان ثقل صفة “المجرمة” التي انغرست فيّ كالأظافر يضغط عليّ بقوة حتى انكمشتُ على نفسي.
“يا ابنة السوء! لماذا هربتِ؟ عودي إلى حيث تنتمين!”
“عودي! عودي!”
“أمسكوا بتلك اللعينة!”
تصاعدت ردود الأفعال أكثر فأكثر، وكان بعض الرجال مستعدين لينهالوا عليّ ضربًا حتى الموت. أغمضتُ عيني أمام تلك الجموع الرثة التي بدت كمخالب وحش على وشك الانقضاض.
وفي تلك اللحظة، أحاط ريموند بجسدي المرتجف خوفًا بذراعيه، فهدأ عقلي الذي كان قد اضطرب تحت سيل الشتائم والافتراءات، وعاد إليّ وعيي سريعًا.
التعليقات لهذا الفصل " 34"