وحين أدركت أن المركيز، الذي اعتاد أن ينام إلى جوارها دائمًا، لم يكن بجانبها، نهضت زوجة المركيز من السرير وخرجت إلى الممر. لم يكن لديهم ما يكفي من المال لتوظيف خدم كثر، لذلك كان الممر في عمق الفجر ساكنًا تمامًا.
ولعلّ هذا ما جعلها تنجذب، كالمسحورة، إلى الضجيج الذي سمعته من مكان غير بعيد.
وهكذا وصلت إلى القبو، وعندها فقط استعادت وعيها فجأة.
كان المركيز قد قال إن فئرانًا تظهر في القبو، لذا لا ينبغي الدخول إليه. تذكرت ذلك واستدارت لتعود.
“…ليس هذا صحيحًا!”
لولا أنها سمعت صوت المركيز.
توقفت في مكانها، وترددت قليلًا، ثم قررت أن تعود إلى غرفتها. لكن حين أدركت أن الصوت الآخر الخافت كان لامرأة، تبدد عنها النعاس كما لو سُكب عليها ماء بارد.
ظنت لوهلة أن امرأة أخرى قد دخلت حياة زوجها، فلم تستطع الانصراف. وفي النهاية، هدّأت قلبها الخافق واقتربت، فرأت من خلال شق الباب المفتوح قليلًا هيئة المركيز.
“لماذا تقول إن الأمر خطئي؟!”
“إن لم يكن خطأك، فخطأ من إذًا؟”
“تبًا! في ذلك الوقت كنت فقط… ثملًا… لقد كان مجرد خطأ. من كان يتوقع أن ينتج طفل عن خطأ واحد؟”
كان الطرف الآخر امرأة شابة.
“أمتأكد أنك لم تكن على علاقة قريبة بتلك المرأة؟ ألم تسمع منها شيئًا؟”
“أنتِ تعلمين أن جهلي هو ما أبقاني حيًا حتى الآن. كل ما فعلته هو أنني تظاهرت بخطبتها مقابل وعدٍ بمئة قطعة ذهبية كل شهر.”
عندها فقط أدركت زوجة المركيز أن “المرأة” التي يتحدث عنها هي والدة بيلوني الحقيقية.
“والطفلة؟ أليست فيها أمور غريبة؟”
“لا شيء على الإطلاق. تشبه أمها في المظهر فقط، أما ذلك الإحساس الكئيب الغريب فلا وجود له.”
“هذا غير ممكن. إن كانت ابنتها فلا بد أنها ورثت تلك القوة…”
من سياق الحديث بدا أن المركيز لا يرتكب خيانة زوجية. لكن صوت المرأة كان مألوفًا على نحوٍ غريب.
اقتربت زوجة المركيز من الباب أكثر دون وعي.
“…لدي سؤال.”
“ما هو؟”
“حقًا… لم يحدث شيء، أليس كذلك؟ هل تعلم كم صُدمت حين ظهرت امرأة بعد ستة أشهر وقالت إنها حامل بطفلي؟ وفوق ذلك، في ذلك الوقت تقريبًا… انتشرت شائعة فجأة عن مرض الدوق الأكبر…”
“هراء!!”
قطع صراخ حاد كلمات المركيز بعنف.
“هل تدرك أصلًا ما الذي تقوله الآن؟!”
“يجب أن أحافظ على حياتي أنا أيضًا!”
“…حسنًا. تذكّر هذا فقط. إن أردت البقاء حيًا، فتجنب قدر الإمكان مواجهة الدوق الأكبر راينهارت.”
“لكنّه مجرد طفل في التاسعة…”
“إن أردت أن تموت سريعًا، فتجاهل كلامي.”
ثم تمتمت المرأة باستياء:
“لو أن تلك المرأة أدّت مهمتها كما ينبغي، لما حدث كل هذا. لو لم تُخطئ في اختيار الهدف فقط…”
لم تفهم المعنى تمامًا، لكن الأمر بدا خطيرًا على نحوٍ مريب. وفي تلك اللحظة تراجعت زوجة المركيز خطوة فاصطدمت بشيء ما.
“من هناك؟!”
عند الصرخة الحادة، هربت زوجة المركيز من القبو دون أن تلتفت خلفها، وصعدت إلى غرفتها.
دفنت جسدها في السرير وأغمضت عينيها بإحكام. كانت كلمات الحديث قد تلاشت من ذهنها، وكل ما تمنته ألا يدرك أحد أنها هي من تنصّتت.
وبعد فترة، انفتح باب الغرفة فحبست أنفاسها.
اقترب شخص ما وظل يحدق بها طويلًا، ثم تمدد إلى جوارها. أدركت أنه المركيز، فتظاهرت بالاستيقاظ وتمتمت بنعاس وهي تتقلب:
“عزيزي… أين كنت…؟”
“لا شيء. شعرت بالعطش. نامي.”
حين فهمت أنه لم يشكّ بها، تنفست الصعداء وغفت ببطء. وربما بسبب الرعب الذي شعرت به آنذاك، لم تستعد تلك الحادثة في ذهنها ولو مرة واحدة.
حتى بعد مرور ستة عشر عامًا، إلى أن سألتها بيلوني عن والدتها الحقيقية.
ساد الصمت في الغرفة بعد أن غادرت زوجة المركيز.
اجتاحهم هدوء ثقيل، كأن كلًّا منهم غارق في أفكاره. رفعت بيلوني رأسها بعدما كانت تحدق إلى الأسفل شاردة الذهن.
فالتقت عيناها بعيني شانور الذي كان يراقبها.
ولم تدرك أنه يمسك يدها إلا حين انحنت عيناه بابتسامة لطيفة.
“آه…”
أرخت بيلوني قبضتها التي كانت تشد بها ثوبها حتى تجعد. ومع انحلال قبضتها، ذاب التوتر أيضًا، واستعادت هدوءها سريعًا.
“…شانور.”
“نعم.”
“حين ذهبنا سابقًا إلى قصر المركيز، تذكر؟ نظرة المركيز إليك آنذاك… كانت ممزوجة بالخوف والذنب.”
استعاد شانور تلك اللحظة.
في الحقيقة، بسبب اندفاع أرييل، كان منشغلًا بالقلق على بيلوني، فلم يعر المركيز اهتمامًا يُذكر. حتى ملامحه لم تبقَ في ذاكرته، لذا اكتفى بالنظر إلى بيلوني بهدوء.
“أظن أن ذلك دليل على أن للمركيز علاقة بلعنتك. لا بد أنه متورط.”
من البديهي أن المركيز لا يملك الجرأة ولا العداء الكافي ليلعن شانور بنفسه، لذا فالأرجح أنه متورط فحسب.
بعد سماع كلام زوجته، يبدو أن هذا الاحتمال وارد بالفعل.
ظل وجه شانور هادئًا كما هو.
وبينما كانت تراقبه، جمعت بيلوني شجاعتها.
“و… أظن أن لي علاقة بالأمر أيضًا.”
بسبب التوتر تجمّع عرق بارد في راحتيها، فسحبت بيلوني يديها من قبضته وشبكت أصابعها معًا.
كان الإحساس اللزج مزعجًا، لكنها شعرت أنها إن لم تفعل ذلك فستختنق من شدة التوتر.
“أنتِ أيضًا؟ لا تقولي إنكِ أصبتِ باللعنة؟”
أمسك شانور وجهها على عجل وأخذ يتفحّصه من كل جانب. اتسعت عينا بيلوني لحظة، ثم هزّت رأسها نفيًا.
“لا، ليس هذا ما أقصده. أعني أنني على الأرجح مرتبطة بلعنتك.”
“طبعًا. أليست اللعنة تقول إن عليّ أن أهب عفّتي لكِ وحدك؟”
تجمّدت بيلوني مكانها.
‘أهكذا إذًا؟’
حين فكرت بالأمر، كان كلام شانور صحيحًا. فبحسب اللعنة، يجب أن تُمنح عفّته لبيلوني وحدها. ولو لم يكن بينهما ارتباط أو مصلحة ما، لما كان من المنطقي أن تُفك اللعنة بهذه الطريقة.
كانت بيلوني قد بنت استنتاجها على عدة دلائل، أما شانور فكان يفكر بهذا منذ زمن بعيد.
“إذن لستِ ملعونة؟ حقًا؟”
أخذ شانور يمرر نظره بدقة على كل جزء ظاهر من بشرتها. لم يرَ أي تغيّر، لكنه لم يفحص ما تحت الثياب، لذا لم يشعر بالاطمئنان التام.
“لم أُصب باللعنة. أنا متأكدة.”
لم يُبعد يده إلا بعد أن قالتها بحزم.
“هذا مطمئن.”
تنهد شانور براحة، بينما شعرت بيلوني بشيء من الارتباك.
“ألا… يزعجك الأمر؟”
“ماذا تقصدين…؟”
كان على وشك أن يسألها عمّا تعنيه، لكنه أعاد شريط الحديث في ذهنه. وفهم سؤالها على أنه: هل يزعجه أن يهب عفّته لها؟
‘هل أقول الحقيقة؟ ماذا لو صدمت من صراحتي؟’
لم يعرف أي إجابة ستجعلها لا تنزعج. ظل يحرك شفتيه، ينتقي كلماته بعناية شديدة في ذهنه.
“قل الحقيقة.”
ابتلعت بيلوني ريقها حين طال صمته.
لو كانت هي من تعاني لعنة مروعة، واكتشفت أن الشخص بجانبها مرتبط بها، فمن الطبيعي أن تشعر بالخيانة. كانت مستعدة لتفهّم غضبه حتى لو أفرغه عليها.
“حقًا تريدين الحقيقة؟”
“نعم. الحقيقة فقط.”
رغم ذلك، ظل مترددًا، فخفق قلبها بسرعة.
كانت قادرة على تحمّل غضبه، لكنها لم تكن واثقة من قدرتها على عدم التأثر بكلماته. وفي اللحظة التي سحبت فيها نفسًا مرتجفًا—
“…أنا أنتظر.”
“…ماذا؟”
“أنتظر اليوم الذي أهب فيه عفّتي لكِ.”
ما الذي يقوله؟
كادت الكلمات تنفلت من فمها، لكنها ابتلعتها وأعادت جملته ببطء في ذهنها.
لماذا أجاب بأنه ينتظر ذلك اليوم؟ هي كانت تسأله فقط إن كان الأمر يزعجه أم لا…
وهنا فقط أدركت كيف فهم سؤالها، فاحمرّ وجهها فجأة حتى كأنه انفجر حمرة.
“بيلوني؟”
“لا، لستُ… أقصد… أنا… ليس هذا ما…”
شعرت بأن الدنيا تدور بها، فدفنت وجهها في كفّيها على عجل. كانت يداها ترتجفان، وحرارة جسدها تتصاعد بشدة.
“هل أزعجك كلامي؟ آسف. لم أقصد الأمر بتلك الطريقة. لا، ليس أنني كنت أكذب… أعني أنكِ طلبتِ الحقيقة، لذلك…”
راح شانور يتململ وهو ينظر إلى رأسها المنخفض، متمنيًا لو يستطيع خياطة فمه الذي كان صريحًا أكثر من اللازم.
لكن وهو يراقب ردّ فعلها، لاحظ أمرًا غريبًا.
“…لحظة، ألم يكن هذا ما كنتِ تسألين عنه؟”
رأسها، الذي لم يكن يُرى منه سوى قمة الشعر، هزّ بخفة صعودًا وهبوطًا.