كان هانز ينظر للرجل الذي يمشي أمامه بشعور مختلط من الحيرة والترقب، ما إن خطوا أول خطوة للممر الخاص بقاعة الطعام حتى لاحظا الحشد من الخدم أمام القاعة، نظر إليون نحو فيكتور الذي أومأ له بفهم وأشار لخادم كان قريباً من الحشد، ما إن رأى الخادم الشاب فيكتور والأرشيدوق حتى هرول إليهما منحنياً، ثم تكلم بصوت هادئ ومنضبط يشرح ما يحدث باختصار..
“يمكنك الذهاب..”
تحرك الخادم مغادراً المكان، بينما نظر فيكتور لـ إليون الذي سكن للحظة ثم اتجه بخطوات هادئة وواسعة باتجاه القاعة، ما إن وصل للباب المزدحم حتى تحرك الخدم بقلق، انتشر السكون في الغرفة، بينما كلمات داميان المعترضة والعميقة تصدح في الغرفة..
“لكنني أريد مشاركة الطعام مع والدتي..”
“لمَ لم يبدأ العشاء بعد؟!”
كانت كلماته كالمنبه الذي جعل الجميع في حالة استعداد مهيب، انحنى من في قاعة الطعام لزخمه الشديد، بينما نظر داميان لـ إليون بعيون حزينة؛ ما جعل إليون يصمت للحظة ثم جلس بهدوء في مكان لم يستطع أن يعتبره مكانه، ما إن جلس حتى أدرك الخدم المتجمدون منذ برهة ما عليهم عمله، فوضعت أدوات المائدة أمام إليون الذي ينظر لـ داميان بهدوء، وبدون كلمات أدرك داميان أن عليه الجلوس أيضاً، فقبض بشدة على حافة قميصه وجلس محاولاً كبح دموعه..
“آنسة هارفي.. لا يجب عليكِ الجلوس هنا”
نظر داميان بعيون مؤلمة لـ إليون ثم نظر لأمه، التي ابتسمت بتشجيع، عندما صمت الأرشيدوق قليلاً ثم نظر لـ نيلا بصمت وقال:
“من واجبكِ مراقبة آداب الطفل بشكل جيد..”
“…”
“لذا عليكِ الجلوس في المقعد المقابل له من الآن فصاعداً..”
تلاشت ابتسامة الانتصار على وجه لينا وبعض الخدم، بينما شعر الأغلب بالصدمة والترقب، رمش هانز بمحاولة للاستيعاب، لكنه رأى نيلا تبتسم في وجهه بامتنان وتجلس في الكرسي المقابل لـ داميان الذي تبدلت ملامحه الحزينة في لحظة..
وبعد دقائق عمّ الصمت في القاعة ما عدا من صوت أدوات الطعام، نظر داميان لـ إليون بمحاولة لشكره، لكنه لاحظ أن قطعة اللحم التي أمامه لم تُمس تقريباً، عبس قليلاً وبتلقائية..
“لمَ لا يأكل صاحب الجلالة؟!”
“…”
وقبل أن يفتح إليون فمه بكلمة قال داميان بإحباط وهو ينظر لوالدته..
“إذا لم تأكل جيداً سوف تمرض…”
نظر إليون للطفل الجاد جداً وكأن السماء ستسقط لأنه لا يأكل، فهدأ قليلاً ثم ابتلع بعض قطع من اللحم وهو يمسح فمه، تكلم بهدوء وهو يقف مغادراً القاعة..
“عندما تنهي عشاءك، تعال للمكتب..”
فتح داميان عيونه بنظرات مشرقة ذاب معها قلب فيكتور الذي يشاهد من الخلف، فنظر لسيده الذي نظر لـ داميان بهدوء وغادر القاعة..
* * *
“هل ستذهب حالاً؟!..”
“بالتأكيد..”
كان يكتم حماسه بينما نيلا تعدل ياقة قميصه، غمزت له وقرصت أنفه.
“ألن تخبر والدتكَ عن السر؟”
“في وقت لاحق..”
ترك نيلا مهرولاً خارج القاعة ولكنه قبل عبور الباب تراجع خطوة وقال بتذكر:
“أمي..”
“هل قررت إخباري؟”
“لا، لكن هل من الممكن استعارة خادمتكِ؟”
نظرت نيلا بتشكيك للحظة ثم ابتسمت كالعادة..
“يمكنك ذلك، سيلين اذهبي خلف داميان”
انحنت الخادمة بطاعة وتبعت داميان الذي غادر قاعة الطعام وخلفه الخادمة، فنظر لها بمرح..
“سيلين، يجب أن يبقى الأمر سراً عن أمي، اتفقنا؟”
“أنا رهن إشارتك سيدي الشاب..”
“جيد..”
أكمل طريقه بحماس حتى وصل لباب المكتب..
طق طق طق!!!
عندما سمع صوتاً يسمح له بالدخول التفت للخادمة وقال بابتسامة رزينة:
“انتظريني هنا، سأعود بسرعة..”
أحنت الخادمة رأسها بطاعة بينما دخل داميان المكتب بخليط من القلق والترقب.
تشييييك!!!
أغلق داميان الباب بشعور أن المكتب عالم منعزل عن هذا القصر، عالم سوف يبتلعه، كان هادئاً جداً ومبهراً جداً، لكن الرجل الذي يتوسط المكتب الكبير كان مهيباً بشكل لا يمكن وصفه..
‘هل ينتمي إلى هذا العالم؟!!’
كان صمت داميان غريباً، فرفع إليون نظره ليرى الصبي يتأمل ما حوله بهدوء، فأراد معرفة رغبة الطفل من باب التخلص من الإزعاج كما يعتقد، وبدون أن يرفع رأسه من المستند الذي أمامه قال:
“ما الذي تريده؟”
استعاد داميان رباطة جأشه وانحنى بسرعة مقدماً تحيته ثم تلكأ في الكلام قليلاً وبالكاد قال:
“أريد الخروج لمهرجان نهاية الربيع مع أمي غداً..”
“مستحيل”
كان رفض إليون قاطعاً بدون لحظة تردد، لكن داميان كان أكثر عناداً مما يتصوره، فرفع رأسه بنظرات ثابتة رغم ارتعاش يديه خلف ظهره وسأل:
“لماذا؟”
“هكذا..”
“لن أقبل..”
كان عناد داميان مثيراً للاهتمام، فرفع إليون رأسه ونظر للطفل بهدوء ثم قال:
“وكيف ستقنعني؟”
نظر داميان بتفاجؤ للحظة ثم استغرق في التفكير واضعاً يده الصغيرة تحت ذقنه، ثم نظر لوالده وقال:
“لقد أنهيت جميع دروسي مبكراً..”
“…”
“آه.. أنا…”
“…”
نظر لـ إليون الذي ينتظره بهدوء وأدرك الطريقة فقال بثقة:
“أقسم أننا لن نهرب، فيمكنك إحضار القدر الذي تريد من الفرسان للحراسة، سأتبع كل كلمات الأرشيدوق بالحرف..”
سكت داميان بعد أن انفجرت الكلمات من فمه ونظر بعيون فضولية لرد فعل والده الذي سكت قليلاً وقال ببرود:
“حسناً، قم بعمل خطة لخروجك وأرسلها لـ هانز..”
اتسعت ابتسامة الطفل وبحماس تقدم للمقعد وأمسك بيد إليون الكبيرة بين يديه الصغيرتين وقال بامتنان حقيقي:
“شكراً لك كثيراً…”
لقد تعمد إطالة الحروف وترك يد إليون مغادراً ونظر لوالده بحماس:
“سأكتب الجدول في الحال”
تشاااك!!!
ما إن سمع إليون صوت إغلاق الباب أخيراً حتى عاد عقله للعمل، نظر ليده الباردة، لقد كان دفء يدي الطفل غريباً، لقد شعر بدغدغة في قلبه، فنظر للباب المغلق..
‘لماذا؟… لماذا يشبهه هكذا؟’
* * *
كان يمشي بخطوات ثابتة وأنيقة في الممر الفاخر، فنظر الرجل بغيظ للمستندات الكثيرة وتمتم بإحباط:
‘لمَ لا ينتهي العمل يوماً؟.. سأموت قبل أن ينتهـ..’
“أخ..”
شعر بضربة شديدة وبالكاد أنقذ المستندات باستثناء بعض الوريقات الساقطة، فقبل أن يلعن حظه رأى أيادي صغيرة تناوله الأوراق، أشرق تعبيره وبابتسامة لطيفة رزينة شكره:
“شكراً للسيد الشاب..”
“لا مشكلة سيد هانز، أنا من تسبب بذلك”
قبض هانز على قلبه في خياله ‘سيدي في غاية اللطافة’
“أعتذر عن فضولي، لكن..”
“؟!”
“هل عاد سيدي الصغير من المكتب الآن؟”
“أجل، وقد وافق جلالته على طلبي..”
“حقاً، أمر رائع..”
“سأكتب جدول الغد وأعطيه للسيد هانز بعد ساعة، هل يمكنك المرور إلى غرفتي؟..”
“حسناً، سأكون في خدمتك”
“حسناً سأعود لغرفتي”
رغم ملامح هانز الرزينة إلا أن أذنيه تشعران بالحكة ترقباً لسماع الأخبار، كان داميان يخطط للإسراع فتحرك للأمام بضع خطوات، لكنه عاد ونظر لـ فيكتور وبعيون بريئة قال:
“سيد هانز لدي سؤال..”
“تفضل، سأحاول الإجابة على ما تريد في حدود قدرتي..”
لقد تحمس هانز عكس وجهه الهادئ وأجاب بدون تردد..
“سيد هانز، أيهما أهم في الاحترام: السن أم المكانة؟!”
“المكانة سيدي، سترى عجائز ينحنون أحياناً لطفل..”
هز داميان رأسه بقناعة ثم قال:
“أمي تقول عليّ أن أحترم من هم أكبر مني بغض النظر عن مكانتهم”
شعر هانز بأن للطفل ضغينة، فقال لتهدئة الوضع وربما من باب إدراكه لمقاصد نيلا هارفي:
“أعتقد أن السيدة لا تعلم أن هناك أشخاصاً عليك عدم التغاضي عن تصرفاتهم، فيجب على السادة تأديبهم..”
“فكرة جيدة..”
“…”
“آه، أين السيدة أماندا؟ لم أرها منذ الصباح..”
“لقد ذهبت لزيارة ابنتها في الريف، لقد أنجبت تاينا طفلاً جميلاً..”
“خبر جميل، هل ستزورها أيضاً؟”
كانت ابتسامة لطيفة وفضولاً بريئاً، فصمت فيكتور قليلاً ثم هز رأسه نافياً..
“أنا مشغول جداً، سيكون من الصعب الذهاب..”
كان داميان سيتكلم لكنه رأى أن تعبير فيكتور كان متعباً، فأجاب بأسف:
“مؤسف..”
“…”
“عليّ الذهاب.. وداعاً”
شعر فيكتور أن هذه لم تكن الكلمات التي أراد داميان قولها، ولكنه قبل أن يسأله تراجع الطفل بحيوية باتجاه المطبخ..
* * *
“لمَ السيد الشاب هنا؟”
“أليس واضحاً”
“انظروا إليها..”
كان الخدم قد شكلوا حاجزاً أمام باب المطبخ، بينما كانوا يتهامسون بصوت واضح، عندما كان الطفل اللطيف يجلس على الكرسي وأمامه شابة شقراء تجلس على الأرض في وضع مذل..
“أنا حتى لا أتذكر اسمكِ..”
“سيدي الشاب.. أنا لم أقصد..”
“عليكِ عدم مقاطعتي”
ارتجفت أطراف لينا، لم يصرخ لكنه تكلم بنبرة ثابتة وبنظرة تحمل الكثير من الكراهية، انكمشت لينا قليلاً بينما هو تنفس بهدوء:
“لا يهمني من تكونين، لكن إن حاولتِ أنتِ أو أي أحد في هذا المكان الاقتراب من والدتي أو إزعاجها..”
“…”
نظر لـ لينا ثم للخدم المحيطين به وقال بحزم يليق بـ آل دي والتر:
“سأتصرف بطريقة أمي..”
كانت النبرة مخيفة رغم جهلهم بتصرف نيلا عند هذه الأمور، فعندما انحنى الخدم بخوف قائلين:
“أمرك يا صاحب السمو..”
“إذاً اتفقنا…”
“…”
“اممم، لا أريد لوالدتي أن تعلم بمحادثتنا القصيرة..”
كان تغيير تعابيره من غضب لمرح أكثر إثارة للرعب، فقد ارتجفت بعض العيون التي تدرك لمن ينتمي هذا الطبع..
نظرت لينا بحقد لظهر الطفل، كيف تُذل هكذا ولأجل من..
‘نيلا هارفي تلك الساقطة، أنتِ ساحرة.’
* * *
كانت مارثا تساعد نيلا في تجفيف شعرها، التفتت نيلا لـ مارثا وسألت بفضول..
“ما الذي تعتقدين أن داميان يخفيه؟”
وضعت مارثا المنشفة وقالت بهدوء وهي تحمل المشط..
“يبدو أنها ليست المرة الأولى التي يقوم السيد الشاب بمحاولة إخفاء الأسرار عليكِ”
“ليست المرة الأولى لكنني أجد الإجابة بسرعة..”
ابتسمت مارثا وهي تمشط شعر نيلا وقالت بإدراك…
“سيدة هارفي لديكِ شعر ناعم حقاً”
“هل تحاولين تشتيتي عن الأمر؟”
“…”
“لا بأس، لو تركتُ للتفكير سيكون الأمر أسوأ..”
كانت مارثا تنظر في عيون نيلا التي كانت نصف مغلقة، كيف لها أن تشعر بالألفة مع سيدة قوية ومتغطرسة مثلها في أقل من يوم..
“مارثا، كم عمركِ؟”
ارتبكت مارثا وكادت تشد شعر نيلا، لكنها تراجعت وقالت بابتسامة:
“بلغتُ الثالثة والعشرين هذا الشهر..”
“جيد، أنتِ أصغر مني.. ربما إذا خدمتِ طفلي اللطيف جيداً سأساعدكِ في إيجاد زوج جيد..”
كان هذا أمراً متعارفاً لدى العائلات النبيلة، فلو كانت قريبة من سيدة القصر يمكنها الزواج بشكل جيد وعدم القلق على مستقبلها، تنهدت مارثا وابتسمت بعيون حزينة..
“لا أفكر في الزواج، سأخدم سيدي ما تبقى من حياتي..”
نظرت نيلا لـ مارثا من المرآة بتعبير هادئ ثم قالت..
“أحب ولاءكِ مارثا، لكني أحب الطموحين..”
رفعت مارثا حاجبها بعدم فهم، لكن نيلا التفتت لها بابتسامة مرحة:
“إذا ارتبط طموحكِ بالولاء، هنا سوف أحتاجكِ أكثر”
توقفت مارثا عن التنفس للحظة، لا تفهم… الآن لم تعد تفهم الشخص الذي أمامها فقالت بصوت مهزوز:
“لن أخون دي والتر، أبداً..”
كانت تقف متجمدة تقريباً فوقفت نيلا أمامها ورغم قامتها الأقصر وضعت عينها في عيني مارثا وبابتسامة عذبة قالت:
“هذا ما أريده..”
مدت نيلا يدها وأشارت لـ مارثا التي فهمت ذلك ووضعت يدها وهي تنظر في عيون نيلا..
“إذا كان لأجل سيدي فأنا معكِ سيدتي..”
“جيد”
طرق طرق طرق!!!
نظرت نيلا للباب ثم لـ مارثا وقالت:
“اممم.. ليظل اتفاقنا سرياً..”
“أمركِ سيدتي..”
تقدمت مارثا وفتحت الباب لـ سيلين التي انحنت أمام نيلا..
“هل أنهيتِ مهمتكِ؟”
“بالتأكيد، ولقد أعدتُ السيد الشاب لغرفته..”
أومأت نيلا بفهم ونظرت بهدوء لـ سيلين التي بدا جلياً أنها ارتبكت من نظراتها..
“هل أخبركِ داميان بإبقاء الأمر سراً؟”
تذكرت سيلين محادثتها مع سيدها الشاب وترددت:
[“سيلين لا تخبري أمي”]
[“السيدة ستكون قلقة”]
[“أعلم، لكنها ستغضب..”]
[“سيدي الشاب…”]
[“لا تخبريها، أرجوكِ.. “]
لقد كانت العيون البريئة سلاحاً فعلاً فلم تستطع الرفض، فترددت سيلين لكنها أومأت بنعم وأخفضت رأسها في خوف، نظرت نيلا لـ سيلين لثوانٍ ثم قالت:
“حسناً، بما أنه سر لا تتكلمي..”
فتحت مارثا عينيها في مفاجأة ونظرت لـ نيلا، بينما سيلين رفعت رأسها بعدم تصديق فحركت نيلا كتفيها بعجز..
“عليّ إعطاء طفلي بعض الخصوصية.. أليس كذلك؟”
أومأت الفتاتان بنعم، يبدو أن سيدتهما استسلمت..
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
نفس اليوزر @sara_luffy11
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 13"