ابتسم داميان بخجل ورد بأدب على كلمات كارال.. الذي نظر بتقييم لسيده الشاب الذي يبدو أكثر نبلاً من الأطفال النبلاء الذين تربوا تحت إشراف صارم منذ نعومة أظفارهم..
‘يبدو أنها اجتهدت جداً في تربية السيد الصغير..’
“سيدي الشاب، كما اتفقنا، إذا أنهيت الحركات المطلوبة اليوم يمكننا ترك الغد للراحة..”
“شكراً لك سيد بيرسيون.”
ربت بيرسيون بتلقائية على رأس الطفل اللطيف والمليء بالحياة، ثم انحنى له اعتذاراً..
“أعتذر، لقد أخذتني الحماسة وتجاوزت حدودي..”
اعتدل داميان في وقوفه وقال برأس مرفوع وابتسامة ثابتة..
“السيد بيرسيون معلمي، إنه شرف لي أن تثني على جهودي المتواضعة..”
التفت داميان وكارال اللذان كانا يمسكان بسيوف خشبية لمصدر الصوت، فرأى كارال سيدة جميلة بشعر نيلي داكن وعيون بلون الفضة الفاتحة، كانت ترتدي قميصاً أبيض بأكمام طويلة وتنورة كبيرة زرقاء داكنة، كانت ملابسها بتصميم بسيط لكنه فاخر. أشرق وجه داميان وبلا تردد ركض باتجاه نيلا وبعيون تتلألأ حماساً:
“أمي، هل أتيتِ لمشاهدتي وأنا أتدرب؟!”
ابتسمت نيلا وربتت على خدي الطفل بطريقة حنونة مليئة بالفخر:
“طفلي الرائع يبلي حسناً بالتأكيد..”
“…”
“لذا أتيت لمكافئته..”
“حقاً؟!”
شعر بالخجل من إطراء والدته وعانقها بسعادة. تقدمت الخادمتان، كانت مارثا تحمل سلتين كبيرتين من البسكويت بينما سيلين تحمل جالوناً كبيراً. نظر كارال والفرسان المتواجدون للأمر بحيرة، بينما داميان -الذي كان هذا الأمر مألوفاً له- قال بحماس:
“أمي..”
“نعم، لقد صنعت الكثير والكثير من البسكويت وقمت بإعداد عصير البرتقال الطازج..”
“رائع!!”
نظر داميان بعيون متلألئة لكارال وقال بسعادة:
“سيد بيرسيون.. هل يمكنني مشاركة البسكويت مع الجميع؟”
شعر كارال بالحيرة والتردد، فقد كانت تقاليد الفرسان عدم تناول أي شيء من يد أي أحد سوى سيدهم، ونيلا هارفي شخص مشبوه نوعاً ما، ولكن سيده يطلب منه أيضاً تناول ما صنعته نيلا هارفي..
“سنأكله بكل سرور، سموك..”
تقدمت سيلين ومارثا وأعدتا الأكواب بجانب السلة، تقدم داميان مشجعاً الفرسان وقال بمرح:
“تعد أمي ألذ حلوى على الإطلاق..”
كان من الفرسان المتواجدين أشخاص رافقوا داميان في الرحلة، فقد أدركوا العلاقة بينهما. تقدم كارال أولاً وأخذ قطعة وكوباً من العصير وتناول منها، والفرسان المترددون تقدموا بامتنان وقد أظهروا إعجابهم بالحلوى المقدمة، بل تكلم أحدهم بتلقائية:
“شكراً للسيدة، الحلوى لذيذة جداً..”
“إنها ملك داميان وهو من أحب مشاركتكم بها، لذا أنا لم أفعل أي شيء..”
كانت ابتسامة نيلا حلوة وعذبة ما جعل الفارس يحمر خجلاً، بل البعض كان لا يستطيع إزاحة نظره عنها. تحمس داميان وهو يرى تقبل الجميع لوالدته، لقد سمع العديد من الثرثرات هنا وهناك، وقد أزعجته كلماتهم ونظرتهم السيئة لها، فكر في داخله بفخر:
‘أمي هي أفضل شخص في العالم..’
* * *
“سأبدل ملابسي وأعود لتناول العشاء معاً..”
“حسناً..”
ابتسم داميان وهو يغادر غرفة نيلا وهو ينظر ليده بشعور من الحرج..
‘هل سيوافق؟’
بدل الذهاب لغرفته انحرف باتجاه السلالم المؤدية للطابق الأول، وقد كان يعيد الكلمات في رأسه مراراً وتكراراً، مسح يده عدة مرات وهو يشعر بقلبه ينبض بسرعة..
“سيدي الشاب!!”
بدا هانز متفاجئاً عندما رأى داميان أمام مكتب الأرشيدوق، وقبل أن يقول كلمة أخرى تكلم داميان بثبات رغم قلبه المرتعش:
“هل جلالة الأرشيدوق موجود؟”
‘الأرشيدوق؟.. متى سيناديه بالأب؟!’
تجاهل هانز رسمية داميان مع والده وابتسم بطريقة ودودة للطفل:
“جلالته في الداخل، هل تريد الحديث معه؟”
“إذا سمح بذلك..”
“سوف أقوم بسؤاله..”
تكلم هانز بطريقته الودودة والعملية كالعادة ودخل للمكتب، قبض داميان يديه عدة مرات لكبح ارتعاش أطرافه..
‘هل يجب أن أعتذر عن ذلك اليوم؟ أيضاً يجب أن أشكره..’
“جلالته يسمح للسيد الشاب بالدخول..”
قطع هانز أفكار داميان، الذي تفاجأ وتردد للحظات قبل الدخول، أخذ نفساً عميقاً ودخل للمكتب..
ما إن فتح المكتب حتى دهش من عظمته؛ عندما وصل أول مرة كان في وضع لا يسمح له برؤية مدى زخم هذا المكان، والذي ازداد زخماً بوجود الرجل الذي أمامه، لا وجود لأي تعابير في وجهه.
“أحيي جلالة الأرشيدوق..”
عندما ارتفع من انحنائه لم يرَ أي ردة فعل، فبلع ريقه للمرة الثالثة وشعر أن لسانه ثقيل، فالرجل الذي أمامه حتى لم يسأله..
“أولاً أنا آسف عن ذلك اليوم..”
“لم أمت.. لذا لا يهم..”
نظر داميان بتمعن ولاحظ أثراً باهتاً للندبة، فرفع صدره واستجمع شجاعته مقترباً من المكتب ومد يده أمام إليون مباشرة:
“شكراً لك..”
نظر إليون ليد الطفل التي تحتوي على منديل وبداخله قطعتان من البسكويت، فكر للحظة..
‘هل هذه لعبة؟..’
لكن عندما لم يتحرك إليون وبدا أن داميان كان أكثر إصراراً مما يبدو، بل إنه ظل يمد يده، قرر إليون أخذها وقال وهو يشير للسلة التي لم تمس بعد:
“ما الفائدة من إعطائي ما هو لي بالفعل؟”
هنا شعر داميان أن الذي أمامه لا يملك أي فهم، فما علمته أمه مختلف..
“أنت مخطئ..”
“…”
رفع إليون حاجبه ولم يبدِ أي رد فعل استنكاري ما جعل داميان يتحدث بثقة:
“ما أُعطي لي فهو ملكي ويحق لي التصرف به.. هكذا تقول أمي..”
“إذاً؟”
“البسكويت هو ملكي ومن حقي أن أعطيه لمن أريد، ولقد أردت إعطاءه للأرشيدوق لشكره للسماح لي برؤية أمي..”
“…”
وبابتسامة مشرقة تذيب القلب قال:
“أرجو أن تستمتع به..”
أومأ إليون بإيجاب لكن نظرات داميان لا تدل على شخص سيعطي فقط، بل يريد نتيجة..
‘هل يريد أن آكله؟’
ولأنه لا يهوى الجدال مع طفل أخذ قضمة كبيرة من البسكويت الذي ذاب بسلاسة في لسانه، وانتشرت نكهة الخوخ والعسل وأنعشت براعم التذوق لدى إليون. بالكاد بلع القضمة ونظر لداميان الذي سأل بحماس:
“هل هو لذيذ؟!”
“إنه جيد.”
إليون الذي كبح ارتجاف يده ظن أنها نهاية الحديث، لكنه رأى داميان يحرك قدميه بشعور واضح بالتردد، فقال إليون:
“هناك أمر ما؟”
“هل يمكنني طلب أمر ما؟”
“إذاً الحلوى كانت رشوة؟”
“لا لا..”
حرك داميان يديه ورأسه نافياً وقضم شفتيه وهو ينظر لعدة اتجاهات بتردد، عندما لاحظ أن الساعة اقتربت من السابعة نظر لإليون وقال بسرعة:
“سوف أتأخر على العشاء..”
“..؟”
“هل يمكنني مناقشة الأمر معك بعد العشاء؟..”
لأول مرة منذ أن أصبح إليون أرشيدوقاً، يقوم أحدهم بالتقرير عنه بل يطلب منه ذلك بلا تردد. لم ينتظر داميان جوابه بل غادر مسرعاً من المكتب. عندما رآه هانز يخرج بسرعة، دخل للمكتب ورأى سيده، وإن بدا بلا مشاعر، لكن من الواضح أثر الدهشة عليه..
“متى يبدأ العشاء؟”
بالكاد استوعب هانز السؤال، فلأكثر من عشر سنوات لم يسأل الرجل الذي أمامه عن موعد الطعام قط، فاستعاد رابطة جأشه بسرعة وقال:
“في الساعة السابعة تماماً..”
“بقي ربع ساعة إذاً..”
أمال هانز رأسه يحاول فهم الأمر لكنه أعاد ملامحه الجدية وكأن شيئاً لم يكن، عندما لاحظ قطعة الحلوى المأكولة أمام سيده..
‘ماذا حدث قبل أن أدخل؟!..’
* * * تحركت نيلا باتجاه غرفة داميان حتى ينزلا سوياً وهي تشعر ببعض الحماس، فلقد افتقدت لتناولهما الطعام معاً، وقبل أن تصل لباب غرفته، كان ينتظرها فعلاً بابتسامة سعيدة وملابس جميلة. انتشر الدفء في قلب نيلا واقتربت من صغيرها بنية احتضانه، لكنها لاحظت رطوبة شعره، فنظرت للخادمة المرافقة لداميان حتى ارتجفت أوصالها..
“ما هو اسمكِ؟”
كان صوتاً بارداً رغم الابتسامة اللطيفة الظاهرة، فبالكاد نطقت الخادمة كلماتها:
“فلورا،… اسمي فلورا سيدتي.”
انحنت الخادمة بعد تعريف نفسها بقلق، لكن نيلا أشارت لسيلين التي فهمت مقصدها على الفور ودخلت غرفة داميان، بينما نيلا قالت بهدوء:
“شعر داميان رطب، قد يصاب بنزلة برد..”
نظر داميان بعيون بريئة لوالدته، بينما الخادمة تكلمت بنبرة مهزوزة:
“إن السيد الشاب يرفض مساعدة الخدم..”
“ولكن، ألم يكن من المفترض التأكد من استعداد سيدكِ بالكامل؟”
“لقد كنت مستعجلاً لرؤية أمي..”
شعر داميان بالأزمة فقال بعبوس ونبرة محببة. تنهدت نيلا وأخذت المنشفة من يد سيلين وبسلاسة جففت شعر داميان والخادمة منحنية الرأس، ورأت المنشفة أمامها وسمعت صوتاً حازماً:
“لا أريد تكرار الأمر..”
“أمركِ سيدتي..”
نظرت لظهر نيلا وهي تمسك بيد سيدها الشاب وتنفست الصعداء، لقد شعرت أنها أمام الأرشيدوق للحظة..
* * * كانت غرفة الطعام الواسعة فاخرة جداً، داميان الذي لم يظن أنه سيهتم بدخولها، أصر اليوم على تناول الطعام مع والدته فيها..
“هل أخبرت السيدة أماندا أنك ستأكل اليوم هنا؟..”
“بالتأكيد..”
كان هناك لمعان في عيون الطفل، قرصت خده ودخلت القاعة وهي تساعده على الجلوس في كرسيه بشكل صحيح، فقالت بإعجاب:
“رغم أن السيدة أماندا اضطرت للخروج اليوم لظرف طارئ، إلا أنها أعدت كل شيء.”
“أجل.. أجل.”
قامت نيلا بسحب الكرسي المجاور لداميان للجلوس..
“لمَ تجلسين على طاولة دي والتر؟”
كان صوتاً أنثوياً ونبرة وقحة، كانت نيلا تعرف صاحبة الصوت فنظرت لها ببرود:
“آنسة فرانز، ما الذي ترمين إليه؟”
كانت لينا تقف وخلفها الخدم المسؤولون عن العشاء، فتقدمت خادمتان ووضعتا أدوات المائدة أمام داميان، الذي نظر للينا وقال بانزعاج طفولي:
“أرجو المعذرة سيدي الشاب، لكن وفق آداب عائلة دي والتر لا يُجهَّز مقعد على المائدة إلا لأفراد العائلة المباشرين أو الضيوف من النبلاء الرسميين.”
وبنظرات متعالية لنيلا قالت:
“الآنسة هارفي… مجرد مربية وليست مسجلة ضمن أفراد العائلة، ولذلك ظننت أنه من الأنسب أن تتناول طعامها في جناحها الخاص.”
“…”
“…”
“لم أقصد الإساءة بالطبع، فهذا هو التقليد المتبع منذ سنوات طويلة في هذه الدوقية.”
كاد داميان أن يقف في غضب لكن نيلا ربتت على كتفه، فنظر لها بعيون حزينة، لم يحب ولن يحب أن يقوم أحدهم بإذلال والدته..
“أعتقد أن الآنسة فرانز على حق..”
حل الصمت فجأة، فرفعت لينا رأسها بفخر بينما نيلا نظرت لها ثم لداميان:
“أنا لست سوى المربية الخاصة بالسيد الشاب، لذا سأبقى واقفة فقط حتى أتأكد أنه يتناول طعامه جيداً.”
“لكنني أريد مشاركة الطعام مع أمي..”
وقف داميان وقد كانت نبرة الانزعاج واضحة، بينما ابتسمت نيلا محاولة عدم الخوض في نقاشات لا داعي لها الآن، لكن صوتاً هادئاً حطم الأجواء أكثر، بل تجمدت القاعة بأكملها:
“لمَ لم يبدأ العشاء بعد؟!”
………………… يتبع …………………
ملاحظة الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي
التعليقات لهذا الفصل " 12"