نظرتا لها ثم لبعضهما، لقد شعرت الفتاتان بالحيرة حقاً، كانت نيلا تعرف أن هاتين الخادمتين جديدتان فقد أتتا بعد حادثة الاختطاف، ليس هما بل أكثر من ثلثي الخدم تم تغييرهم وإسكات الذين غادروا إما بالتهديد أو الترغيب وبالتأكيد السحر، أما الذين تبقوا هم من كانوا قد خدموا الدوقية الكبرى لأجيال طويلة… الأكثرية العظمى لا تعلم الطبيعة الحقيقية لها وكيف أن لينا لم تدخر جهداً لتشويه سمعتها سواء في الماضي أو الحاضر..
” أممم، بما أن الطفل يعمل بجد، لِمَ لا يتم مكافأته ببعض الحلوى اللذيذة؟!..”
” هل أخبر الطاهي بإعدادها؟!…”
لم تكن مارثا غبية لتظنها كلمات عادية فحاولت حث نيلا على الكلام بطريقة غير مباشرة.
نظرت نيلا لهما بمرح وقالت بوجه بشوش لطيف:
” دامي يحب ما تعده له والدته…”
كانت الخادمتان في حالة من الذهول فالمرأة التي أمامهما الآن لا تشبه سابقتها، مخيفة جداً ولطيفة بحماقة، تحدثت سيلين بقلق وهي تعاين مزاجها..
” هل أعد المطبخ سيدتي؟…”
” لا يحتاج، سنذهب معاً..”
نظرت سيلين لـ مارثا ثم تحركن خلف نيلا بنوع من الرهبة والاحترام…
عندما بدأت نيلا التحرك في القصر وصولاً للطابق الأرضي الذي يوجد فيه المطبخ، كانت نظرات الخدم في كل زاوية تتركز عليها، فخطواتها الثابتة والرشيقة لم تتغير، لكن الشابة التي كانت تنضح بأجواء صارمة وباردة، أصبح يحيط بها هالة مختلفة ومتناقضة، بل كانت للحظة مرعبة وعذبة في آن…
عندما وصلت أخيراً للمطبخ، بحركة سلسة اقتربت سيلين وأحاطت نيلا بمئزر يغطي ملابسها..
نظر الطاهي ومن معه لـ نيلا وهم ممسوسون بها، تتبعوا حركات الخادمتين السلسة اللاتي ينفذن مهامهن حول نيلا، بينما نيلا التي تعلم كل زاوية في المطبخ، بدت غير مهتمة…
” سيد لويز… هل يوجد بعض الفاكهة المجففة؟!”
“…”
لم يستطع الطاهي الكلام للحظة لكن نيلا تحركت بثبات حتى فتحت إحدى الخزائن وابتسمت قائلة:
” أعتقد أنك كنت تضع الخوخ والتين هناك…”
” جميع الفواكه المجففة تخزن هنا…”
تحرك الطاهي بهدوء حتى تستطيع نيلا البحث براحة..
” ها قد وجدتها، سيحب داميان الخوخ أكثر…”
” هل تحتاجين مساعدة… سيدتي؟!…”
رفعت نيلا حاجبها واتسعت ابتسامتها بطريقة باردة…
” شكراً، لا حاجة لي بذلك…”
تجاهلت نيلا الموجودين وبدأت بإعداد عجين البسكويت مع حشوها بمربى البرتقال والكرز وتفتيت الفواكه المجففة لتزداد شهية..
” سيدتي سوف يتأخر السيد الشاب في الدرس اليوم حيث أن السيد وينسون سوف يعطيه درساً في آداب المائدة على الغداء…”
وبعد الانتهاء أخيراً من خبز البسكويت، الذي انتشرت رائحته الشهية عبر المطبخ، تقدمت مارثا وهمست في أذن نيلا بهدوء، عبست نيلا قليلاً، ربما أنها نسيت ولكن وفق جدول داميان كان يوما الأربعاء والجمعة من كل أسبوع يُعقد درس آداب المائدة، وكان يوم الأحد من كل أسبوع هو اليوم الوحيد الذي لا يملك داميان فيه أي دروس…
‘ سأتناول العشاء معه على أي حال ‘
تمتمت بمشاعرها بداخلها ونظرت لـ مارثا و سيلين وقالت بصوت مرح..
” هل الأرشيدوق متواجد اليوم؟!..”
” نعم، لقد كان صاحب السعادة في مكتبه قبل لحظة “
” إذاً لِمَ لا أشارك بعض البسكويت اللذيذ معه؟!…”
لم تكن الصدمة في وجه الخادمتين فقط بل حتى الأشخاص المتواجدين في المطبخ توقفوا عن العمل للحظة والتفتوا لـ نيلا بعيون مفتوحة، لم تبالِ نيلا بالحاضرين وقامت بتعبئة سلة البسكويت بعدد لا بأس به منها ونظرت لـ سيلين..
” احزمي حصة داميان وأرسليها لغرفته..”
” أمرك سيدتي..”
تكلمت الخادمة بينما تقوم بترتيب البسكويت في وعاء خاص، بينما نيلا سبقتها وهي تحمل السلة وخلفها مارثا..
* * *
” لقد عاينا المنطقة الغربية المحيطة بالجبل، تأكدنا من إعادة صيانة الحواجز السحرية… لكن..”
” تكلم..”
” هناك تذبذب غريب في المنطقة..”
” والمعنى؟!”
” الحواجز تضعف بشكل أسرع، سيكون من الخطر ترك المنطقة بدون فرسان للدعم…”
” هل للأمر علاقة بالتغيرات البيئية في الجبل؟!”
” على الأرجح..”
” أرسل وحدتين للدعم وأبقِ مجموعة من السحرة لدعم الحاجز “
” أمرك يا صاحب الجلالة..”
دق دق دق!!!
كان إليون يتفحص الأوراق لتوقيعها عندما طُرق الباب، رمق فيكتور بمعنى هل من شيء ما، فحرك فيكتور رأسه بالنفي..
سمح فيكتور للطارق بالدخول، فكانت إحدى الخادمتين اللتين تم وضعهما لـ نيلا، فقبل أن يسأل، انحنت الخادمة للأرشيدوق..
” جلالة الدوق الأكبر، السيدة نيلا هارفي تطلب إذنك للدخول…”
ضربت أجراس إنذار في رأس فيكتور ونظر للخادمة ثم لسيده الذي كان بلا أي تعبير كالعادة، تنهد وقال مخاطباً إليون..
” هل أسمح لها؟!”
أومأ إليون بإيجاب، فخرج فيكتور مع الخادمة وعاد مع نيلا التي تبتسم بوجه مشرق وتحمل سلة صغيرة، فانحنت له بسلاسة..
” نيلا هارفي تحيي صاحب السعادة…”
” ما الذي أتى بكِ؟!”
أخفضت نيلا شفتيها بعبوس وتنهدت بملل..
” هل تسمح لي أولاً بالجلوس؟!”
بدون أي كلمات قام بالإشارة لها لإحدى الكراسي القريبة من المكتب، جلست نيلا براحة ونظرت لـ فيكتور بابتسامة..
” فيكونت هانز، هل يمكنني طلب معروف صغير منك؟!..”
شعر فيكتور بالدهشة وقبل أن يجيبها نظر لسيده بمعنى هل أنفذ أم لا، فأعطاه إليون الضوء الأخضر، فابتسم وأجاب:
” بالتأكيد أنا في الخدمة..”
” أرغب بكوب شاي لتناوله مع البسكويت، وأرغب بمشاركة صاحب السعادة…”
” أتبع أوامركِ..”
رفع هانز حاجبه بحيرة لكنه أومأ بإيجاب ولأنه لا حاجة للمغادرة توجه لمساحة معينة في المكتب عليها غلاية الشاي والأكواب، نظر لـ نيلا التي تنتظر بصبر فشعر بالحيرة، ظنها ستبدأ الكلام فور إلقاء الأمر، لكنه أدرك أنها تريده موجوداً ليسمع…
وعندما تقدم بأكواب الشاي، مدت نيلا السلة وقالت..
” داميان يحب الخوخ لذا ستجدان معظمها بتلك النكهة..”
كان الكلام موجهاً لـ إليون و فيكتور، تردد فيكتور قليلاً لكنه سحب واحدة، بينما إليون لم يمد يده أبداً رغم نظرته المطولة نحو السلة…
عندما وجدت نيلا أنه لا جدوى من ذلك تركت السلة وتنهدت..
” الحديث طويل.. هل يمكن لجلالتك أن تطلب من الفيكونت الجلوس..”
رمق إليون هانز، فجلس هانز بهدوء أمامها وهو يحثها على الحديث..
” هل وصلت الشائعة؟!”
” حول سعي الآنسة هارفي لمنصب الأرشيدوقة..”
” من أطلق الشائعة؟!”
كانت هالة الأرشيدوق شديدة، نظرت له نيلا بابتسامة مرحة:
” إنها زميلة لطيفة تحبني أكثر مما تتخيل…”
فيكتور الذي يعرف مصدر الشائعة ويفهم مسبقاً علاقة نيلا بـ لينا، رفع حاجبه بدهشة لطريقة وصفها، لكنه كالعادة أبقى مشاعره لنفسه ونظر لسيده ولـ نيلا بشعور من الترقب والحماس الخفيف..
“هل ستستفيدين؟”
” بالتأكيد..”
“…”
نظرت له بابتسامة فخورة لكنه بدا جامداً بلا أي تعابير فعبست بشعور بالتهميش فأخذت نفساً وابتسمت بمكر وهي تضع كوب الشاي المر في فمها بلا أدنى تغيير في ملامحها..
” لنقل إنني أسعى لمنصب الأرشيدوقة..”
“…”
” اممم وخرجت هذه الأخبار إلى خارج حدود هذا القصر..”
نظر فيكتور لـ إليون الذي بدا واضحاً أنه أدرك نواياها، فتحدث فيكتور بدلاً من سيده:
” إعادة تجنيدكِ؟..”
” ليست ورقة قوية، لكنها فعالة لكسب الوقت لصالح الأرشيدوق “
” ما تعنينه، هو إطالة طريقهم..”
ابتسمت نيلا على نطاق واسع وقالت بوجه متحمس رغم رد فعله الجاف..
” بالضبط، جلالتكَ..”
” وما الغاية من تأخيرهم؟ آنسة هارفي “
” إيجاد ما يبحث عنه الجميع..”
نظر لها بهدوء، وضربه الإدراك فتحركت شفتاه بتلقائية:
” ألفريد فون كارسون “
” وكيف تعتقدين أنه حي؟!”
نظرت نيلا لـ فيكتور الذي تكلم بحيرة، فأكلت نيلا قطعة من البسكويت باسترخاء وقالت بعد بلعها بطريقة سلسة..
” إنه حي، لو مات ولي عهد كارسون لانقلبت البلاد..”
“…”
” حالياً مكانه مجهول، لكننا سنعمل بجد لإيجاده قبل أي شخص..”
” هل تعتقدين أن هذا سهل؟!”
” أعلم صعوبة الأمر جلالتك، لكن يجب كسب الوقت، خصوصاً..”
“…”
“…”
“خصوصاً أن إيجاد ولي العهد ليست مشكلة دي والتر الوحيدة..”
” إلى ماذا ترمين بكلامكِ، آنسة نيلا هارفي؟”
” أرغب بالمساعدة باعتباري تابعاً لـ دي والتر، ولأجل داميان “
” تقولين إنكِ قادرة على إنقاذ والتر؟!”
“…”
” برهني نفسكِ سيدتي…”
أشرق تعبير نيلا ونظرت للساعة بابتسامة عذبة بعدها وقفت بطريقة أنيقة وانحنت..
” أستأذن جلالتكم، لقد انتهى الدرس..”
“…”
” ما زال لدينا الكثير من الوقت للتحدث “
‘ هل أنهت الحديث أولاً؟!!، لدى جلالته الكثير من الصبر أمام نيلا هارفي..’
نظر فيكتور لتصرف نيلا لإنهاء الحديث أولاً، ثم نظر لسيده الذي لا تعابير على وجهه سوى نظرة صامتة لـ نيلا..
” يمكنكِ القدوم عندما أكون متفرغاً…”
” إذاً شكراً لجلالتك لتخصيص وقت لسماع ثرثرتي.. “
وقبل أن يقول كلمة أخرى نظرت نيلا لسلة البسكويت وقالت بعيون مثيرة للشفقة:
” يمكن لجلالته أخذ السلة، إلا إذا كنتم لا تحبون الخوخ..”
كانت نظرة لأول مرة يراها إليون، والمدهش أنه لا أثر للتصنع فيها، تردد قليلاً ثم تكلم بدون رفع عينيه..
” يمكنكِ تركها..”
نيلا التي أشرق وجهها بشعور من العاطفة وشعرت أنها ترى داميان في هذا الرجل رغم اختلاف شخصياتهما…
‘ إنهما الأب والابن بعد كل شيء..’
انحنت مرة أخرى وغادرت بهدوء، نظر فيكتور لـ نيلا هارفي وصُعق بنظرتها التي تشبه نظرة طفل لطيف، وهو شيء بعيد عن سيده وعندما غادرت نظر لسيده الذي كان ينظر لسلة البسكويت بتردد قليلاً، ليس أن سيده لا يأكل ولكن كان سيده لا يتبع نظاماً محدداً لأكله، سيأكل في أوقات متباعدة جداً متى ما شعر بالجوع ولم يره أبداً يتناول الحلوى بشكل خاص، لكنه عندما يكون جائعاً يأكل أي شيء حتى لو كان حلواً.
كتمت مارثا و سيلين ضحكتهما خشية أن تغضب منهما فقد بدت لطيفة وطفولية في هذا الوضع أكثر مما توقعا، نظرت نيلا لهما:
” لقد أمسكتكما، تضحكان علي..”
رمتهما بالمخدتين اللتين بجانبها ورغم أنها لم تصبهما عادت لوضعها المكتئب، هل يتلاعب بها الحظ اليوم؟ لقد بدا أن درس آداب الطعام سينتهي منذ أكثر من ساعة لكن الدرس تأخر وقد أرسلت سيلين لتفهم سبب التأخير، فقالت إنه بقي ساعتين، وبعد الدرس مباشرة بالتأكيد سيذهب لدرس السيف مع الكونت كارال بيرسيون..
نظرت الخادمتان لبعضهما ثم تكلمت مارثا بسلاسة محاولة مجاراة مزاج نيلا المكتئب وقالت:
” سيدتي بما أن درس السيد الشاب سيكون في ساحة الفرسان فلِمَ لا تذهبين إلى هناك وتشاهدي تدريبه بنفسكِ..”
” سيحب أن يتناول الحلوى بعد التدريب مباشرة، سيدتي”
أكملت سيلين مشجعة وهي تنقل بصرها بين مارثا و نيلا، فتفاجأت وعادت خطوتين للخلف عندما قفزت نيلا بنشاط وقالت:
” احزما جميع الحلوى التي أعددتها…”
“؟؟!”
“؟؟!”
” طفلي اللطيف يحب المشاركة… اممم اتركا ذلك الوعاء..”
نظرتا للبرطمان متوسط الحجم الذي أشارت له نيلا بفهم، فقد أعدت نيلا كمية كبيرة من البسكويت ورغم إرسال سلة صغيرة للأرشيدوق كان عدد الحلوى المتبقية كبيراً جداً.
” أمركِ سيدتي…”
لقد استغرق إعداد الحلوى في السلة والمشروبات الباردة وقتاً إضافياً، فقد فكرت نيلا أنه من الأفضل عدم مقاطعة الدرس في بدايته…
………………… يتبع …………………
ولا تنسوا الي حابب يشوف صور الشخصيات بتلاقوها بحسابي ع واتباد او بقناة التليجرام تبعي او ع حساب الانستغرام
التعليقات لهذا الفصل " 11"