أتمنى ألا يكون موت مؤلما
الفصل الستون
ترجمة : ma0.bel
______________
“……”
“لذلك طلبتُ منك أن ترسلها بعيدًا.”
صحيح، لو أن لوسيان قد انضمت إلى الفرقة المتجولة في ذلك الوقت، لما كانت الآن تتعقب بنديكت سرًا ولما أصيبت بهذا الجرح.
لكن… لو رحلت فعلاً حينها، لما وُجدت تلك الأيام السعيدة التي قضياها معًا في العاصمة الملكية.
ذلك… ذلك كان أمرًا لا يُطاق.
“الذي قرر البقاء هو لوسيان.”
كان جوابًا حقيرًا، يدرك ذلك تمامًا.
لكنه كان صادقًا، ولم يجد تبريرًا أكثر أناقة أو إقناعًا لرفض إعادتها.
ظل جون يحتفظ بابتسامته الهادئة وقال:
“إجابة مريحة جدًا.”
شعر بنديكت بالخجل الشديد لانكشاف ما في صدره، فاضطر إلى إدارة وجهه بعيدًا.
“أنا… أشعر أن هذا إنذار ما.”
ثم أردف جون بصوت خفيض بعد لحظة:
“أقصد إصابات لوسيان المتكررة.”
“ذلك…”
“حتى سوء الحظ يرحم أحيانًا أمثالنا، فيرسل قبل أن يقترب تمامًا صوت سعال تحذيري… لنتمكن من الفرار مسبقًا.”
لمَ تقول «نحن» وأنت تتحدث عن لوسيان؟
كاد بنديكت أن يلفظ الاعتراض الذي دار في ذهنه، لكنه ابتلعه.
لأن الحقيقة مؤلمة: بين جون ولوسيان روابط وخبرات مشتركة أعمق بكثير مما بينه وبينها.
“…أنت أيضًا يتيم؟”
“لا، لكن الفارق ليس كبيرًا. أصبحت وحيدًا منذ نعومة أظافري تقريبًا.”
“ووالداك؟”
“لا أعرفهما. ربتني جدتي العجوز وحدها،وكنت صغيرًا جدًا حتى إن الذكريات عنها شبه معدومة. لكن…”
سحب جون ذراعه التي كانت تسند بنديكت، ورفع يده ليمسح شعره الأسود اللامع بالزيت. اليوم أيضًا كان قد غمره به.
“أتذكر يدها وهي تملّس شعري.”
“……”
“كانت تصبغه دائمًا بهذا السواد… سوادٌ شديد.”
“لذلك ما زلت تفعل؟ بسبب ذكرى جدتك؟”
“لا، السبب هو ما أخبرتك به من قبل. ربما كانت جدتي ترى الشيء نفسه. فتى فقير من عائلة ريفية تافهة… لا يليق به لون مشرق.”
“واسم جون أيضًا؟”
سأل بنديكت أخيرًا السؤال الذي ظل يؤرقه طويلاً.
لا اسم عائلة، ولا اسم شخصي… مجرد اسم شهر صيفي حار يُطلق عليه.
“انضممت إلى الفرقة في ذلك الوقت بالذات.”
“…فصار اسمك جون؟”
“في البداية كانوا ينادونني «الوافد الجديد في يونيو»، لكن الاسم كان طويلاً جدًا.”
“ألم يكن الأبسط أن تقول اسمك الحقيقي منذ البداية؟”
“لا أفهم لماذا وصل الحديث إلى هنا…”
بدت على جون لمحة استياء خفيف، كأنه يشعر بأنه مظلوم.
“لقد وعدت بأن أدفنه إلى الأبد.”
“مع جدتك؟”
“نعم. عندما رحلت، انقطعت آخر خيط رفيع كان يربطني بوالديّ.”
جدة على حافة الموت تطلب من حفيدها أن يواري اسمه الحقيقي معها إلى الأبد… كان هناك قصة ثقيلة، عميقة.
التمسك الشديد بالاسم من صفات النبلاء غالبًا.فربما يكون جون وريث دمٍ لعائلة كبيرة… ابن غير شرعي، أو ابن زوجة شرعية تم نفيها.
انزلقت من عيني بنديكت نظرة فاحصة دون شعور.
هل يختبئ في ملامح جون وجه مألوف؟بالطبع لن يتضح الأمر بهذه السهولة…
「مرحبًا، بيني.」
فجأة… تداخلت الملامح.ارتجف بنديكت رعبًا وتجمد في مكانه.
يا إلهي… فكرة مجنونة تمامًا. كيف يخطر بباله ألجيرون بالذات؟
‘لكن تلك زاوية العين… بالتأكيد…’
لا. مستحيل.
أجبر نفسه على نزع نظرته التي كانت تبحث بجنون عن أي تشابه.
“على أي حال، السيد الدوق مختلف عنا. هو من يملك سلطة القرار.”
دون أن يلاحظ اضطراب بنديكت، واصل جون حديثه بهدوء:
“أتمنى أن ترسل لوسيان بعيدًا قبل أن يصبح الخطر حقيقيًا لا محالة.”
حتى وهو يستمع إلى هذا التحذير الواضح، ظل بنديكت معلقًا بأفكاره السابقة.
حدّق في خد جون الجميل المتناسق،وتساءل في سره: لو خُدش هذا الجلد الناعم… هل سيلتئم في لحظة؟
* * *
تقدم بنديكت ولوسيان مع الفرقة المتجولة لإجراءات الدخول.
أوقف جنود الشمال جميع أعضاء الفرقة أولاً.ثم بدؤوا بفحص كل فرد على حدة، بحثًا عن أي مريض.
لكن ما يُسمى «فحصًا» لم يكن فحصًا حقيقيًا على الإطلاق.
“يا له من ولد ناعم! ألا يستحق تفتيشًا أكثر دقة؟”
الإهانة التي وُجهت لجون كانت من النوع المعتدل نسبيًا.
أما بقية الأعضاء فقد تلقوا كلامًا أقسى وأقذر.
ومع ذلك لم يعترض أحد.بل لم يبدُ عليهم أي انفعال يُذكر.أمر يتكرر يوميًا.
لو غضبوا من كل معاملة كهذه، لما استطاع أحد البقاء في حياة الفرق المتجولة.
“ذلك الوغد…”
لكن بنديكت – الذي لم يعتد مثل هذه المعاملة قط – كان مختلفًا بوضوح.
أمسكت لوسيان بذراعه بسرعة خشية أن ينفجر.
“لا تفعل.”
كان شعورًا جميلاً أن يغضب هذا السيد اللطيف من أجلهم.لكن الغضب هنا سيؤذي الفرقة بأكملها.
“…أعرف.”
أجاب وهو يعض شفتيه بقوة.
تحمل أي إهانة.تلك كانت النصيحة التي سمعها من جون مرات لا تُحصى.
إن لم يتحمل، فلن تعبر الفرقة أسوار المدينة أبدًا.
اقترب الجندي الآن من بنديكت ولوسيان.
“يا للشخصية القوية.”
لم يسمع بنديكت – المولود في قصر – مثل هذا الوصف عن نفسه من قبل.
اعتقد أن الأمر سينتهي بهدوء، لكن—
“يا لها من قطعة ممتعة! يا قائد! من أين اشتريت هذه البيضاء الطرية؟”
امتدت يد الجندي الملطخة بالزيت الأسود نحو رقبة لوسيان بعنف وقح.
كانت عيناه تفيضان برغبة خسيسة واضحة.
تحمل.
تحمل مهما كلف الأمر.
كرر بنديكت في ذهنه تعليمات جون السلوكية.
حتى لو لامست تلك اليد النجسه جسد لوسيان بنية واضحة… يجب ألا يتدخل.
لكنه عندما استفاق، كان قد أمسك بمعصم الجندي الملطخ.
ولم يكتفِ بذلك.
كانت عيناه تحرقان الجندي بنظرة غاضبة.
“هل فقدتما عقليكما أيها الحقيران؟”
فقط عندما صاح الجندي أدرك بنديكت ما فعله للتو.
‘اللعنة… سأُوبخ بشدة لاحقًا.’
لكن سرعان ما لاحظ شيئًا آخر: الجندي قال «أيها الحقيران».
وفي اللحظة ذاتها أحس بوجود شخص آخر يمسك بذراع الجندي إلى جانبه.
“جـ… جون! آه… آه يا إلهي!”
من خلف جون الذي وقف مع بنديكت، كان قائد الفرقة يصرخ بوجه أزرق شاحب.
كان واضحًا أنه لا يعرف كيف يعاتب بنديكت، فهو في حيرة تامة.
“ماذا؟ هل أصبح أحدكما أميرة الفرقة المتجولة؟”
نظر الجندي بامتعاض شديد إلى الشابين بالتناوب.
“سيدي! أرجوك، إنهما ما زالا طفلين… سامحهما من فضلك!”
انحنى القائد وتوسل بسرعة.
“أفلتاه حالا واعتذرا! جون، أسرع!”
لكن لا جون ولا بنديكت حركا يديهما. حتى لوسيان انضمت إلى القائد في محاولة تهدئتهما.
كانا دائمًا يسمعان كلامها، لكن هذه المرة لم يتزحزحا قيد شعرة.
ظل الجندي يرمق لوسيان بنظرات جائعة.إن تركاه، فسيحدث أمر مقزز أمام الجميع، ذلك جليّ.
“أنتم تبحثون عن الموت بجدية، أليس كذلك؟!”
حاول الجندي التملص بعنف، لكن جسده الضعيف المهمل لم يستجب.
“آه! آه! سيدي، هذان ليسا من فرقتنا! انضما إلينا بالخداع قبل قليل…!”
ألقى القائد عذرًا معتادًا.المشكلة أن الجندي لم يكن يستمع أصلاً.
“سأسحبكم جميعًا! سأجعلكم تندمون! مفهوم؟!”
“يا إلهي، تفضل انظر إلى وثيقة الضمان هذه! كتبها الكونت بنفسه!”
“يا رفاق! اسحبوهم الآن! دعوهم يتعفنون في سجن الشمال مدى الحياة!”
اقترب زملاؤه تدريجيًا، لكن جون وبنديكت ظلا يمسكان بذراعه ويحدقان فيه.
“اقبضوا على الجميع! سأبلغ الفارس بنفسي!”
اقتربت مجموعة أخرى من الجنود الذين هرعوا لمعرفة السبب.
وفي تلك اللحظة بالذات، نطق بنديكت بصوت جليدي صلب:
“لا يمس أحدٌ منهم.”
أدرك أن اللحظة قد حانت ليكشف عن هويته.خاتم العائلة المخفي تحت ثيابه حول عنقه كان دليلاً كافيًا… بل أكثر من كافٍ.
ارتعش الجندي لحظة من الرهبة، ثم تشوه وجهه تشوهًا عنيفًا لا يمكن السيطرة عليه.
______________
لاتنسى ذكر الله
شكراً على القراءة
التعليقات لهذا الفصل " 60"