«هنا، عند الذهاب شمالًا، يجب أن تكون حذرًا جدًّا. هناك لصوص يستخدمون حيلًا لطيفةً متنوّعة لاستهداف حقائب المسافرين. من الأفضل أن تبقى بضعة أيَّام هنا، تبحث عن رفقاء سفر ثم تنطلق.»
«شكرًا على النصيحة. لكن لا بأس، أنا مستعجل.»
حيَّا صاحب الفندق بأدبٍ ثم صعد إلى الغرفة التي خُصِّصت له.
بعد قليل، طلبت لوسيان غرفةً هي الأخرى. كرَّر صاحب الفندق النصيحة نفسها تقريبًا ثم سلَّمها مفتاحًا.
صعدت لوسيان الدرج بخفَّةٍ ونشاط. كانت حياة تتبُّع بنديكت ممتعةً إلى هذا الحدّ!
في الإقطاعة الدوقيَّة، كان بنديكت دائمًا هو من يحميها. فهو يتفوَّق عليها في المكانة والمعرفة وكثير من الجوانب الأخرى.
لكن الآن، بعد الخروج إلى العالم الخارجي هكذا، شعرت أنَّ هناك الكثير مما تستطيع هي فعله له.
«بالمناسبة… متى يجب أن أخبره أنِّي أتبعه؟»
في الأصل، كانت تخطِّط للتتبُّع بهدوء يومًا واحدًا فقط، ثم عندما تبتعد عن العاصمة الملكيَّة مسافةً مناسبة، تظهر فجأة وتنضمّ إليه كرفيقة سفر.
لكن مراقبة بنديكت وهو يتألَّم ويتعثَّر كانت ممتعةً جدًّا، فاستمرَّت ثلاثة أيَّام كاملة هكذا.
الآن اقترب الوصول إلى الشمال، لذا يجب أن تخبره بالحقيقة قبل ذلك، وتسمع منه سبب انطلاقه في هذه الرحلة.
«ربَّما أنضمّ إليه بشكلٍ طبيعي غدًا صباحًا عندما ينطلق؟»
فكرة جيِّدة، بدت لها.
عندما كانت على وشك الدخول إلى غرفتها، التفتت إلى غرفة بنديكت المقابلة ونظرت إليها مليًّا.
سمعت صوتًا يتخبَّط وصوتًا يقول: «لماذا لا تفتح النافذة!»
على الأرجح بسبب إطار النافذة المنحرف في هذا الفندق العتيق. كانت بعض نوافذ الملجأ كذلك.
لم يعتد بنديكت على مثل هذه النوافذ في منزله، فمن الطبيعي أن يجد صعوبة.
«سيدي الضيف! حاول أن تفتح النافذة بهدوء وأنت تهزُّها يمينًا ويسارًا بلطف!»
هرعت لوسيان إلى غرفتها، ثم انفجرت ضاحكة وهي تمسك ببطنها.
«آه يا إلهي، بنديكت… أنت لطيف جدًّا!»
لكن ذلك الشعور باللطف اختفى تمامًا في الفجر التالي.
في الصباح الباكر، استيقظت لوسيان وواجهت صاحب الفندق وهو ينظِّف غرفة بنديكت.
لم يبقَ في الغرفة شيء.
«هل غادر الشخص الذي كان في هذه الغرفة بالفعل؟»
سألت لوسيان مذهولة، فأومأ صاحب الفندق وهو يجمع الأغطية.
«نعم. استيقظ قبل الفجر وقال إنَّه يجب أن ينطلق فورًا. يبدو أنَّ الأمر عاجل جدًّا.»
يا له من مجتهد!
هرعت لوسيان تنزل الدرج ثلاث درجاتٍ دفعةً واحدة، بحثت عن حصانها وركضت نحو ضواحي القرية.
تذكَّرت الآن: بنديكت ليس من النوع الذي ينام طويلًا إلا إذا كان مريضًا.
كأنَّه يحاول استغلال كلّ لحظةٍ من الوقت المتاح له بأقصى جهد.
ربَّما في اليومين الماضيين، كان التوتر من أوَّل رحلةٍ له، أو بقايا الحمَّى التي لم تُشفَ تمامًا، هي ما جعلته يتباطأ قليلًا.
«بالطبع أنا سعيدة أن يعود بنديكت إلى حالته الطبيعيَّة…»
انخفضت لوسيان على ظهر الحصان، ضمَّت جسدها إليه وزادت السرعة.
كان هذا الطريق قليل المارَّة نسبيًّا، ولهذا السبب، كما قال صاحب الفندق، كانت فيه مخاطر كثيرة.
«الآن لم يعد هناك لصوص يهاجمون علنًا…»
لكن لوسيان، من خلال عيشها مع فرقة المتجوِّلين، رأت الكثير من الحيل الماكرة التي يستخدمها البعض لنهب جيوب المسافرين.
كان جون يلقي محاضراتٍ طويلة عن هذا الأمر، يحذِّرها مرارًا.
«لا تردِّي أبدًا إذا تحدَّث إليكِ أحد في الجبل.»
«إذا كان شخصًا بحاجةٍ حقيقيَّة للمساعدة، فجنود الإقطاعة الذين يقومون بدوريَّات منتظمة سيأتون لمساعدته.»
«كان يجب أن أخبر بنديكت بهذا…»
عصرت لوسيان وجهها بالأسى وزادت السرعة أكثر.
في تلك اللحظة.
«الـ… الـمساعدة!»
سمعت صوتًا يستغيث، فشدَّت اللجام مذهولة.
عندما تباطأت السرعة بما يكفي لترى حولها بهدوء، عاد الصوت يتكرَّر.
من أسفل المنحدر الجبلي.
«نعم… هذا بالضبط.»
أحد الأنواع التي حذَّر منها جون.
عندما يستغيث أحدهم من أسفل المنحدر، ينزل الشخص الطيِّب من على حصانه بسرعة.
وفي تلك الأثناء، يخرج رفيقه المختبئ وينهب الحقيبة المعلَّقة بالحصان.
حاولت لوسيان تجاهل الأمر كما علَّمها جون. لكن كان هناك مشكلة صغيرة.
«هل أحد هنا؟ من فضلك ساعدني!»
كان صوت طفل.
عاد تحذير جون يرنّ في أذنيها.
«الأطفال الذين بيعوا للعصابات يُستخدمون كطُعم.»
«بيعوا… أطفال؟»
«أطفال لا يختلفون كثيرًا عنَّا.»
أي أطفال بلا هويَّة واضحة، وبلا كبير يحميهم.
استطاعت لوسيان تخيُّل حياتهم بسهولة. إذا لم يؤدُّوا دورهم كطُعم جيِّدًا، فسيتعرَّضون لمعاملةٍ سيِّئة جدًّا.
«آه…»
أصبح صوت «ساعدني» أكثر ألمًا وإلحاحًا. إذا مرَّت دون أن تفعل شيئًا، هل سيعذِّب الكبار الطفل بطريقةٍ ما؟
لكن هذا لا يعني أنَّها ستترك حقيبتها تُسرق بهذه السهولة.
أوقفت الحصان عند بداية المنحدر ونظرت إلى الأسفل. كان هناك طفل يحمل سلَّة أعشاب، ملقى على الأرض. ربَّما في الثامنة من عمره؟
ما إن رآها الطفل حتَّى أضاء وجهه وصرخ بلهفة:
«أنا… أصبتُ قدمي وأنا أجمع الأعشاب! ساعدني من فضلك!»
لكن السلَّة لم تكن تحتوي على أعشاب طبيَّة على الإطلاق.
نظرت لوسيان إلى السلَّة المملوءة بعشوائيَّة بأيّ أعشابٍ عشوائيَّة، ثم تنهَّدت.
«يا ولدي، هل أكلتَ شيئًا قبل أن تبدأ هذا؟»
«ماذا؟»
بدأ الطفل مرتبكًا جدًّا من السؤال غير المتوقَّع. رمش بعينيه مرَّتين ثم هزَّ رأسه ببطء.
غضبت لوسيان في لحظة. عندما كانت في الثامنة، كانت دائمًا جائعة، ومع ذلك يدفعونه من الفجر دون طعام ليفعل مثل هذا!
نزلت من على الحصان، أخرجت من الحقيبة المعلَّقة خلف السرج فاكهة مجفَّفة ولحمًا مجفَّفًا، وبعد تردُّدٍ قليل، أخرجت عملةً معدنيَّة واحدة ولفَّت الكلَّ في منديل.
«خذ هذا على الأقل.»
مدَّت يدها نحو الطفل أسفل المنحدر.
لو كان بإمكانها أن تقول له «لا تفعل مثل هذه الأشياء بعد الآن»، لكان ذلك رائعًا.
لكن الطفل هذا يحاول فقط البقاء على قيد الحياة في هذا العالم، يتقدَّم خطوةً خطوةً صعبةً باتِّجاه ما يأمره به الكبار. تمامًا كما كانت لوسيان في طفولتها.
التعليقات لهذا الفصل " 57"