أنَّ حمَّى بنديكت خفَّت تمامًا بعد ثلاثة أيَّام فقط.
عندما استعاد وعيه، كان أوَّل ما أقلقه هو أرض وينفيلد بالذَّات. فقد طال غيابُه هو وإيما معًا أكثر مما كان متوقَّعًا.
«إذن سأذهب أنا أوَّلًا إلى إقطاعة الدوق. ما إن تتعافَ جسمك حتَّى تتبعني.»
لقد كان شكرًا لإيما التي عرضت الذهاب أوَّلًا إلى الإقطاعة، فشعر بنديكت بامتنانٍ صادق.
«جدَّتي، هل يمكنكِ أن تأخذي لوسيان معكِ أيضًا؟»
«أليس من الأفضل أن نترك الفتاة تتجوَّل في العاصمة الملكيَّة قليلًا بعد؟ كانت تقول إنَّها تخطِّط لاستكشاف أماكن من روايةٍ ما… نسيتُ عنوانها، لكنَّها قالت إنَّها ستنتظر حتَّى تتحسَّن.»
«كيف يمكن لطفلةٍ مصابةٍ بالزُّكام أن تفكِّر فقط في التجوُّل هكذا؟»
«لوسيان ليست مصابةً بالزُّكام.»
«لا، إنَّها بالتأكيد مريضةٌ زكامًا خطيرًا. يجب أن يراها طبيب الإقطاعة قبل أن يصبح مزمنًا. أطبَّاء العاصمة الملكيَّة لا يبدون قادرين على تشخيص المرض بشكلٍ صحيح.»
أمس أيضًا، ارتفعت حرارة لوسيان.
عندما زارها للاطمئنان، أمسك بيدها، فشعر بحرارةٍ لا يمكن إخفاؤها تنتقل إلى كفِّه، فتأكَّد الأمر.
وهكذا، تمكَّن بنديكت من الإفلات من أعين حاميته إيما ومستشارته الخاصَّة لوسيان.
بالطبع، كانا عزيزين عليه.
لكن الآن كان هناك أمرٌ يجب أن ينجزه سرًّا بعيدًا عنهما، فاحتاج إلى ثغرةٍ يتسلَّل منها بهدوء.
في اليوم التالي.
ما إن غادرت إيما مع الفجر حتَّى استيقظ بنديكت باكرًا وحمل الحقيبة التي أعدَّها له ألفي.
«يجب أن تستريح أكثر. دعني أذهب بدلًا منك.»
صرخ ألفي من الخلف بألم، لكن بنديكت لم يفلت يده من مقبض الحقيبة أبدًا.
«لا أعرف ما قد يحدث، لذا من الأفضل أن أذهب بنفسي.»
«لكن الذهاب وحدك إلى الشمال! هل تعرف مدى قسوة ذلك المكان؟»
صحيحٌ أنَّ الشمال مشهورٌ ببرودته القاسية.
لكن الآن كان الربيع. لن يستمرَّ البرد الذي يجمِّد العظام حتَّى هذا الوقت.
علاوةً على ذلك، كان هناك طريقٌ واسعٌ ممدود من العاصمة الملكيَّة إلى هناك. بفضل استخراج المعادن الثمينة بكثرة من جبال الشمال، أعدَّت الملكيَّة منذ زمنٍ طريقًا جيِّدًا لنقل الأحمال الثقيلة بسرعة.
«الطريق إلى هناك ليس صعبًا إلى هذا الحدّ. والأهمّ، بحسب المعلومات التي جاء بها أخي قبل أيَّام، يجب أن أنطلق اليوم لألحق بالموعد.»
منذ أن علم أنَّ شخصًا ما سيُعفى عنه بصفة «المعلِّم» من السجن…
ظلَّ ألفي على اتصالٍ دائمٍ مع الجنود الذين كانوا مرتزقةً سابقًا، يترقَّب أيَّ خبرٍ جديد.
وقبل أيَّام قليلة، حصل على معلومةٍ بأنَّ سجينًا واحدًا من سجن الشمال سيُنقل إلى العاصمة الملكيَّة بأمرٍ من ألجيرون.
أضاف الجنود بحذرٍ أنَّ ذلك السجين ربَّما يُوضع في زنزانة «المعلِّم» الشاغرة.
كان سجن الشمال هو المكان الذي حُبس فيه «بلاكوود» الذي وضع لوسيان في خطرٍ يومًا ما.
هل يمكن أن يكون هو؟
لكن بنديكت هزَّ رأسه.
المعلِّم الذي سيُعفى عنه امرأةٌ في أواخر العشرينيَّات. حتَّى لو كان بلاكوود بارعًا في التنكُّر بزيِّ النساء، فإنَّه لا يبدو أكبر من فتاةٍ في أواخر المراهقة.
لذا من الأصحّ أن نفترض أنَّ امرأةً أخرى في سنٍّ قريبة ستحصل على تلك الرحمة وتخرج من السجن.
واعتقد بنديكت أنَّ السجين القادم من سجن الشمال هو الأقرب احتمالًا ليكون «المعلِّم» الحقيقي.
«ربَّما تكون مخطئًا تمامًا يا سيدي.»
«سجن الجدار الشمالي مكانٌ لمن ارتكبوا جرائم فظيعة. مقارنةً به، فإنَّ وضع المعلِّم يبدو نظيفًا نسبيًّا.»
«فماذا ستفعل إذن؟ من الأفضل أن أذهب أنا.»
«لا، من الأفضل أن تبقى أنت هنا، فأنت القادر على التواصل مع الجنود.»
لم يُطِل بنديكت الكلام.
«وإذا اتصلت جدَّتي بينما أنا غائب، قل لها إنِّي أتعافى جيِّدًا في العاصمة الملكيَّة. مفهوم؟»
«آه حقًّا… إذا ذهبتَ هكذا يا سيدي، فأنا…!»
غطَّى ألفي وجهه بكفَّيه.
شعر بنديكت بلمسةٍ من التأثُّر تجاه ألفي الذي يقلق عليه بهذا الصدق.
«أشعر وكأنِّي أمٌّ ترسل ابنها العزيز في أوَّل مهمَّةٍ له.»
لم يُجب بنديكت. فالفارس الحقيقي لا يسبُّ خادمه.
بدلًا من ذلك، خرج مسرعًا من المنزل البلدي وركب الحصان المعدَّ له.
«سيدي!»
تبعه ألفي وهو يترنَّح، وبدا وكأنَّه على وشك قول هراءٍ آخر بصوتٍ متأوِّه، فانطلق بنديكت بالحصان سريعًا.
التعليقات لهذا الفصل " 56"