ظل بنديكت يتفحص وجه لوسيان من كل الجهات، لا يزال قلقًا.
«نعم، قلتُ لك لا حمى.»
«حسنًا… إذن.»
حاول بنديكت أن يخرج من غرفة العرض ممسكًا بيدها، لكن لوسيان جذبت ذراعه مرة أخرى، رافضة أن تتحرك خطوة واحدة من مكانها.
«أنا أحب هنا.»
«هنا… لا أحد موجود.»
«في الخارج… سأشعر بالحرج.»
«كل شيء يحرجكِ أنتِ.»
هزّ بنديكت كتفيه كأنه لا يفهم، لكنه استسلم لعنادها.
وقف مستقيمًا أمامها، وجهاً لوجه.
«لن تدوسي على قدمي، أليس كذلك؟»
«بعد التفكير… ربما أدوس عليها مرات قليلة.»
ضحكت لوسيان بخفة ووضعت يدها على كتفه.
«إذن سأصرخ بصوت عالٍ.»
ردّ بنديكت بنبرة تغني تقريبًا، وأمسك يدها بقوة أكبر.
مع إيقاع الموسيقى الخافتة التي تصل من القاعة البعيدة، تحركت أقدامهما معًا في الوقت ذاته.
رغم أنها المرة الأولى التي يرقصان فيها معًا، لم يشعرا بأي حرج أو ارتباك. كأنهما فعلا ذلك عشرات المرات من قبل.
صوت أحذيتهما على الأرضية اللامعة، وصوت أطراف الملابس وهي تلامس بعضها، ملأ الغرفة الصغيرة بهمس ناعم.
كانت لوسيان تنظر إلى عنق بنديكت في البداية، لكن بعد أن اعتادت على الحركة قليلاً، رفعت رأسها. تذكرت نصيحة ألفي المتأخرة: «يجب أن تنظري إلى الشريك مباشرة.»
فالتقت أعينهما على الفور.
كان الإيقاع يتسارع في تلك اللحظة، فاقترب بنديكت منها بخطوة سريعة، ثم ابتسم ابتسامة رقيقة.
«آه…»
في تلك الثواني القصيرة، اهتز قلب لوسيان مع جسدها، أو هكذا شعرت.
عاد الصوت «كونغ» في أذنيها مرة أخرى. ثم ارتفعت الحرارة إلى وجهها.
«ماذا أفعل؟»
بدأت لوسيان تشعر بقليل من القلق.
ربما كان بنديكت محقًا… ربما أصيبت فعلاً بزكام مزمن.
* * *
في الحفل، لم ترقص لوسيان مع بنديكت فحسب، بل تذوقت أيضًا أطباقًا أعدها طهاة القصر الملكي بعناية فائقة.
وأحيانًا، عندما يقترب نبلاء فضوليون ليحيوها، كانت ترد عليهم بأدب راقٍ وابتسامة جميلة.
كان بعضهم يحاول بطريقة غير مباشرة معرفة من تكون لوسيان، لكن بنديكت وألجيرون كانا يتجاهلان السؤال بلباقة.
فلم يبقَ أمام النبلاء سوى التخمين.
إذا كانت قادرة على اصطحاب إيما – كبيرة عائلة الدوق التي نادرًا ما تخرج – كمرافقة لها، فلا بد أن تكون من سلالة لا تقل شأنًا.
عندما سمعت لوسيان هذه الهمسات، شعرت بثقل في قلبها…
لكن عندما رأت بنديكت يحتفل بعيد ميلاده بلا تجاعيد في وجهه، تلاشى ذلك الثقل سريعًا.
انتهت الحفلة حين اقتربت الشمس من الأفق، تاركة آثارًا حمراء عميقة على الأرض.
بقيت إيما في المتحف لتشهد ختام الحفل بصفتها مرافقة الدوق.
أراد بنديكت البقاء معها، لكن إيما قالت له: «لا بد أن لديك دروسًا وعملًا ينتظرك اليوم»، فلم يجد بدًا من ركوب العربة والعودة فورًا.
«هيا.»
مدّ يده ليساعد لوسيان على الصعود إلى العربة.
ربما تكون هذه اللحظة الأخيرة من «لعبة البطلة».
فداخل العربة لن يكون هناك أحد سواهما، فلا داعي للتصنع أو التظاهر بأنهما يعتبران بعضهما خاصًا.
«شكرًا يا بنديكت.»
وعيًا منها بأنظار الآخرين لا تزال ملتصقة بهما، تلقت يده بأناقة فائقة.
رفعها بنديكت إلى الداخل، ثم صعد ممسكًا بيدها دون أن يفلتها.
أغلق الخادم الباب نيابة عنهما، وانطلقت العربة.
ابتسم بنديكت لمن كانوا يلوحون له من الخارج، ثم سحب الستارة بقوة ليغلقها.
«فوو.»
اتكأ على المقعد بعمق. ولا يزال ممسكًا بيدها بإحكام، دون سبب واضح.
بدت عليه علامات التعب، فلم تكلمه لوسيان.
مع ابتعاد الحفل تدريجيًا، حلّ صمت دافئ مكان الضجيج الذي كان يرن في أذنيها.
«…شكرًا لكِ يا لوسيان. حقًا.»
فتح بنديكت عينيه قليلاً، ودار برأسه المستند إلى المقعد لينظر إليها.
«لا، بل على العكس.»
اتكأت لوسيان هي الأخرى بنفس الطريقة، ونظرت إليه.
«عيد ميلاد سعيد يا بنديكت.»
في الحقيقة، كانت قد هنأته في قاعة الحفل.
لكن تلك التهنئة جاءت وسط تصفيق الجميع، فغُمرت بضجيج الأصوات. أرادت أن تعيدها الآن، في هذا الهدوء.
بكل صدق.
«…كان اليوم غريبًا بعض الشيء. أقصد… أن أُهنأ بعيد ميلادي.»
أصغت لوسيان بانتباه.
«أن يحتفل القصر الملكي بعيد ميلادي… يجعلني أشعر أحيانًا…»
شدّ قبضته على يدها قليلاً.
«أنهم في الحقيقة يحتفلون باستمرار بركتهم هم، لا بي أنا.»
لم تظن لوسيان أن الأمير اللطيف يحمل مثل هذه الأفكار السوداء تجاه بنديكت.
لكنها لم تشأ أن تنفي ما يشعر به.
«هكذا إذن.»
«نعم،وعندما أفكر في الأمر هكذا، ينتابني شعور غريب أحيانًا.»
أنزل نظره عنها.
«هل وُلدتُ أنا فقط لهذا الغرض؟»
ثم أضاف سريعًا «آسف» وهز رأسه.
«تأمل في الوجود… من يسمعني سيظن أنني في سن المراهقة فعلاً.»
«لا.»
«بل نعم. لو سمع أخي ألفي هذا لقال بالتأكيد: “ها هو المراهقة تتحدث!”»
«لا، ليس هذا ما أقصده.»
ترددت لوسيان لحظة. كان بنديكت لا يزال ينظر إلى ركبتيه، رأسه منخفض.
«أنت لست موجودًا لتمديد بركتهم. على الأقل… بالنسبة لي.»
رفع رأسه ببطء. التقت عيناه البنفسجية و بعينيها الحمراوتان بصدق.
«أنا… منذ زمن طويل، كنت أحلم بأن أملك صندوقي الخاص.»
الصندوق الذي حلمت به لم يكن مثل دار الرعاية التي تضم عشرات الأطفال بلا تمييز.
ولا مثل صندوق فرقة الترحال التي تعيش في العربات الضيقة تحت الندى الليلي.
«مكان يسميه الجميع “البيت”…»
كانت لوسيان تظن أنه لا يحتاج أن يكون فخمًا. يكفي أن يظل يستقبلها دائمًا في مكان واحد.
«أنت أعطيتني ذلك يا بنديكت. بل وخلقت لي دورًا أعيشه داخله.»
«……»
«لقد غيّرت حياتي كلها يا بنديكت،وبطريقة تفوق أحلامي بكثير، أكثر مما أستحق.»
عدّدت لوسيان ما حصلت عليه فجأة، فامتلأ صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا.
«أنتِ أولى بذلك يا لوسيان.»
«لكن أنا…»
«لا تقولي إنكِ لم تفعلي شيئًا.»
حذّرها بصوت منخفض.
«…فهو شيء ثمين بالنسبة لي.»
ابتسمت لوسيان ابتسامة عريضة عند سماع كلامه.
«إذن… نحن نعتز بما أعطيناه لبعضنا البعض.»
يا لها من دفء.
شعرت لوسيان بلحظة تأثر، فشدّت على يده أكثر، حتى التصقت أصابعهما تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 53"