أصدر أصواتًا غريبة متقطعة للحظة، ثم شدّ تعابير وجهه ونظر إلى الفيكونت سيرتكليف.
«…شكرًا لمساعدتك رفيقتي.»
كان يحاول جاهدًا أن يبدو ناضجًا ومهذبًا، لكنه بدا متكلفًا قليلاً، وأحيانًا محرجًا.
«لا داعي للشكر.»
سيرتكليف الحقيقي الناضج لم يعلّق بكلمة واحدة على تصرف بنديكت المفاجئ هذا، بل انحنى بأدب وانسحب بهدوء. كان حقًا فارسًا نموذجيًا يثير الإعجاب.
ظلت لوسيان تنظر إلى ظهره للحظات.
شعر بالنظرة فالتفت مرة أخرى وألقى تحية بعينيه. ردّت لوسيان بانحناءة سريعة من رأسها.
«……»
عندما عادت بنظرها إلى بنديكت، وجدته يحدّق في سيرتكليف بعينين مليئتين بالشك.
«كان الفيكونت يرشدني إلى الطريق.»
دافعَت لوسيان عنه فورًا.
ربما ظنّ بنديكت أن سيرتكليف اقترب منها لأنها مرتبطة بعائلة الدوق، وأراد أن يقدّم له أخته الصغيرة.
«لم يذكر أخته أبدًا. ربما كان ينوي ذلك لاحقًا، لكن.»
«لماذا تقلق بهذا الشكل… لا، على أي حال، إلى أين كنتِ ذاهبة؟»
«إلى الحديقة.»
تجهّم وجه بنديكت على الفور. ربما أدرك في الحال أنها كانت تنوي العودة.
«اسمعي.»
أمسك بذراعها وتردّد للحظة. لكنه سرعان ما شعر بأن الأنظار بدأت تتجه نحوهما واحدًا تلو الآخر.
«تعالي أولاً.»
أخذها بنديكت إلى غرفة عرض جانبية متصلة بقاعة الحفل.
كان المكان الذي يفترض أن يكون ممتلئًا بالزوار خاليًا تمامًا، لا يوجد فيه سوى لوحة واحدة تحمل ألوانًا خضراء زاهية لفنان ما.
في وسط الغرفة فقط، أفلت يدها.
«هل غضب؟»
نظرت لوسيان إلى ملابسها وقالت في سرها: «حسنًا…»
كانت ملابسها بسيطة جدًا لمن يأتي كرفيقة للدوق إلى مثل هذه الحفلة. يُقال إن النبلاء يولون أهمية كبيرة للملاءمة في اللباس، فهي إذن قد أساءت إلى سمعة عائلة الدوق.
«هل سيقبل اعتذاري؟»
رغم لطف بنديكت، إلا أنه يصبح صلبًا جدًا عندما يتعلق الأمر بشرف العائلة، فلم تكن متأكدة.
رفعت عينيها إليه بثبات.
لكنه فجأة أدار وجهه بعنف. بل وكانت شفتاه منحنيتين قليلاً إلى الأسفل.
«قبل قليل كان يبتسم بروعة.»
حين كان يرقص مع تلك الآنسة.
«ربما كان خطأ أن آتي.»
في يوم ميلاده الذي يجب أن يكون سعيدًا، جعلته يرسم مثل هذه التعابير…
«…أنا اللي غلطت!»
فجأة اعتذر بنديكت.
«ماذا؟»
لم تفهم لوسيان شيئًا، فاكتفت بالنظر إليه مذهولة.
«أنا… أقصد… لم أكن أتوقع أن تأتي! لا، ليس أنني لم أكن أعرف حقًا… رأيتكِ عند الدرج، لكن أنا… أنا…»
كان يتكلم بأسرع ما سمعته منه منذ لقائهما الأول.
بل وكان يلوّح بيديه في الهواء بعصبية. بدا مرتبكًا جدًا، وإن لم تفهم السبب.
«أعرف أن أي كلام سأقوله سيبدو كأنه عذر. لكن… آه، حقًا!»
بعد أن سكب كلامه بسرعة، وضع وجهه بين يديه كأنه انسدّت كلماته.
«أنا آسفة جدًا يا بنديكت.»
«ماذا؟ لماذا أنتِ؟»
«بسبب ملابسي… شعرتَ بالحرج قبل قليل، أليس كذلك؟»
«…؟»
انزلقت عينا بنديكت ببطء من كتفيها إلى حافة تنورتها. بدا وكأنه لم ينتبه إلى ملابسها حتى تلك اللحظة.
«أ… لم تكن تعرف؟»
«لا، ليس…!»
«آسفة. أعرف أنه يجب ارتداء فستان جميل في مثل هذا المكان، لكن كانت هناك ظروف…»
«…جميلة.»
«ماذا؟»
بينما كان يهز رأسه بقوة قائلاً «لا شيء»، سُمع صوت خطوات عند مدخل الغرفة.
التفتا فرأيا الأمير ذا الشعر الذهبي المتألق يقترب مبتسمًا ابتسامة عريضة.
انحنت لوسيان مذعورة على الفور.
«ارفعي رأسكِ، جئت لأعتذر.»
رغم كلماته الودودة، لم تجرؤ لوسيان على رفع رأسها. لم تتخيل أبدًا أنها ستقابل الأمير بهذا الزي البسيط، فشعرت بخجل شديد.
«بل أريد أن أعرف اسم الآنسة أولاً.»
«يا صاحب السمو!»
لحسن الحظ، وقف بنديكت أمامها لحمايتها.
«يا إلهي، يا بيني.»
قال ألجيرون بتعجب مبالغ فيه:
«كنت أعرف، لكن لم أكن أتوقع أن تمنع الآنسة البيضاء أي رجل آخر حتى من مجرد التعارف؟»
«لا تتكلم بهذه الطريقة السخيفة!»
«لكن قبل قليل، ما إن بدأ الفيكونت سيرتكليف يتحدث مع الآنسة البيضاء حتى شحب وجهك تمامًا.»
«لم يحدث ذلك!»
رفعت لوسيان رأسها بحذر. من خلف كتف بنديكت، رأت ألجيرون يبتسم بمرح. بدا سعيدًا جدًا.
ثم التقى نظراهما. انتفضت لوسيان وتراجعت خطوة إلى الخلف، مختبئة خلف ظهر بنديكت دون وعي.
«سررت بلقائكِ. أنا ألجيرون. على الأقل أنا أخ بيني، فلا تتوتري كثيرًا.»
«أنا لوسيان. لكن… بيني؟»
«من فضلكِ لا تسألي شيئًا، لوسيان.»
رغم توسل بنديكت، أجاب ألجيرون بلطف:
«طريقتي الخاصة في مناداة بنديكت بطريقة لطيفة.»
كان في صوته عاطفة عميقة. شعرت لوسيان أن الأمير ليس الشخص الصعب الذي تخيلته.
«جئت لأنني خشيت أن تسيء لوسيان فهم الأمر. وبصراحة، لا أظن أن بيني قادر على الدفاع عن نفسه جيدًا.»
تقدم الأمير بهدوء حتى وقف بجانب لوسيان.
«رقص بنديكت مع الآنسة سانكلير كان بطلبي أنا.»
«صاحب السمو!»
تجاهل ألجيرون اعتراض بنديكت وتابع:
«بفضله شعرت بالراحة. أنا ممتن جدًا لبيني. أما سبب ابتسامته الدافئة أثناء الرقص… لا أعرف بالضبط، لكن…»
رفع ألجيرون إصبعه السبابة ببريق في عينيه.
«ربما كان يفكر في شيء آخر.»
«شيء آخر؟»
«على أي حال، هذا ما حدث. فلا تعذبي بيني كثيرًا، أرجوكِ. هل وعدتِ؟»
كانت لوسيان مرتبكة تمامًا. خرجت مع بنديكت وحدهما، وكانت تتوقع أن يوبخها على ملابسها، لكن الكلام كان غريبًا جدًا.
فكيف يمكن أن تعذّب بنديكت أصلاً؟
ومع ذلك، بما أن الأمير طلب ذلك، أومأت برأسها فقط.
«جميل. إذن سأنسحب الآن.»
ربت ألجيرون على كتف بنديكت الذي كان يحدق فيه بشراسة، ثم غادر.
«…حقًا.»
ما إن اختفى حتى تذمر بنديكت بضيق.
«كنت سأقول ذلك بنفسي.»
«أنك رقصت بسبب طلب الأمير؟»
«أيوه.»
نظر إليها أخيرًا بوضوح وقال:
«بالطبع، حتى لو كان طلب الأمير، فهذا خطأ مني.»
«همم… لا أفهم لماذا تعتذر لي أنا.»
«يجب أن أفعل.»
تنفّس بنديكت بعمق، ثم تكلم بحذر شديد:
«لأن ذلك المكان… هو مكانكِ أنتِ.»
مكاني؟
أرادت لوسيان أن تقول إنه ليس كذلك، لكنها تذكرت فجأة سبب قدومها إلى هنا.
جاءت لتنهي لعبة «البطلة».
وفي تلك اللعبة، كان يجب أن تكون هي من ترقص وجهًا لوجه مع بنديكت. حتماً.
«إذن… بنديكت محق. كان ذلك… مكاني فعلاً.»
عندما فكرت في الأمر، انفلتت منها ضحكة خفيفة عفوية. وفي الوقت نفسه شعرت بالخجل.
«يعني أنك أعطيت مكاني لشخص آخر وابتسمت بسعادة؟»
وبّخته لوسيان مازحة. فأخذ يهز رأسه بسرعة وارتباك.
«لم أبتسم!»
«كذاب، رأيتك بعيني.»
«ذلك…»
تردد بنديكت ثم قال بحذر:
«كنت أتخيلكِ وأنتِ ترقصين وتدوسين على قدمي.»
«ماذا؟»
«وكان ذلك الخيال… لطيفًا جدًا… أقصد، مضحكًا.»
«كيف تتخيل مثل هذا الشيء؟ أنا تدربت بجدية كبيرة!»
«لا أعرف.»
ردّ بنديكت ببرود وكأنه لا يعلم شيئًا، رغم أنه يعرف جيدًا أنها تدربت مع ألفي بجد.
«أنتِ… لم ترقصي معي أبدًا.»
كان صوته خفيفًا، لكن لوسيان شعرت أنه حزين قليلاً.
هو من رقص مع الآخرين، ومع ذلك…
«يبدو أن بنديكت يشعر بالأسف فعلاً.»
في الحقيقة، لوسيان أيضًا كانت تشعر بالأسف.
أثناء تدريبها مع ألفي، كانت تأمل أن تأتي فرصة رائعة يومًا ما.
وبعد أن اقترحت لعبة البطلة مع بنديكت، أصبح ذلك الأمل أكثر تحديدًا.
«في المرة القادمة، سأحافظ على مكاني بالتأكيد.»
أجابت لوسيان كأنها تقسم.
«إذا احتجتني يومًا… سأكون بجانبك في أي وقت. هذا من قلبي.»
في تلك اللحظة، انتشرت على وجه بنديكت ابتسامة رائعة. ابتسامة تبعث الضوء من حوله تلقائيًا.
لم تستطع لوسيان رفع عينيها عن وجهه.
وفجأة، سمعت صوتًا كأن شيئًا ثقيلاً سقط داخل صدرها.
نظرت حولها مذهولة، ثم أدركت: ذلك الصوت كان قلبها وهو يهوي.
شعور مشابه لمن يُقبض عليه متلبسًا بفعل سيء، فاحمرّ وجهها دون سبب.
رغم أنها لم ترتكب أي خطأ على الإطلاق.
لاحظ بنديكت ارتباكها فعبس قليلاً. وفي اللحظة ذاتها، اختفى كل ذلك البريق من وجهه.
«مازلتِ مصابة بالزكام؟ ألستِ مصابة بزكام مزمن؟»
«قال الطبيب إنه ليس زكامًا.»
«أطباء العاصمة لا يعرفون شيئًا.»
«على أي حال، أشعر أنني بخير الآن.»
«مستحيل.»
أمسك بنديكت بيدها على الفور، كأنه على وشك الركض إلى الطبيب.
أمسكت لوسيان يده الأخرى بقوة بيدها الحرة.
«انتظر لحظة يا بنديكت.»
«لا تتأخري، هل تعرفين خطورة الحمى؟ بعدها تصبح دوخة و…»
خشيت أن يطول وعظه، فسحبت يده نحوها وقالت بسرعة:
«أريد أن أرقص.»
«بينما يضعف الوعي… ماذا؟»
«الرقص. معك.»
ابتسمت لوسيان ببراءة.
«لن تتركني أعود هكذا بعد أن وصلت إلى هنا، أليس كذلك؟ صحيح؟»
التعليقات لهذا الفصل " 52"