«لقد قطعتُ وعدًا أنا أيضًا، كما فعلت أنتِ. طلبت مني أمي أن أصبح خادمًا ممتازًا مثل أبي».
«إن كان هذا هو الوعد، فقد تحقق بالفعل. بِنيديكت… لا، الدوق، سيؤكد لك الشيء نفسه».
«شكرًا لك. دائمًا ما تتحدث بلطفٍ يُشبه النسيم، لوسيان. لكن… لم يكن هذا كل شيء».
لم تسأل لوسيان بصوتٍ عالٍ. اكتفت بأن ثبتت نظرها بعمقٍ في وجهه، كأن عينيها تبحثان عن الكلمات التي لم تُنطق بعد.
«كانت لدى أمي ذكرى ثمينة».
«ذكرى؟»
«قلادة مرصعة بحجرٍ معلق. قالت إن جدتي من طرف أمه أهدتها إياها يوم زفافها».
رفع ألفي إطار صورة صغيرًا من على المكتب وعرضه على لوسيان.
داخل الإطار، امرأة ذات شعرٍ بني ناعم، تمامًا كشعر ألفي. أمه.
كانت ترتدي ثوبًا أبيض نقيًا، وتحمل باقة زهور – لوحة على الأرجح رسمت لتخليد يوم زفافها.
«القلادة موجودة هنا، أليس كذلك؟»
كما قال بالضبط: المرأة في اللوحة كانت ترتدي قلاده بحجر أخضر بيضاوي الشكل، يشبه البيضة تقريبًا، مصممة لتحمل صورة أو خصلة شعر من شخصٍ عزيز.
لا بد أن الرسام عرف مدى أهمية هذه القلادة بالنسبة للعروس؛ فقد رسمها بدقة مذهلة، حية إلى درجةٍ تجعلك تظن أنك إن مددت يدك إلى القماش ستشعر بملمسها البارد.
«عهدت بها أمي إليّ وطلبت مني أن أوصلها إلى جدتي. بالطبع، أقسمتُ أنني سأفعل. لكن بعد ذلك…»
أطرق رأسه أكثر فأكثر، كأنه يحاول إخفاء ملامحه.
لكن ظهر يديه المشدودتين، المرتجفتين على ركبتيه، كشف بوضوحٍ عن الوجع الذي يعتصر وجهه.
«لماذا كنتُ أحملها أصلًا؟»
«ألفي…»
«عندما أُنقذتُ و أفقتُ، لم يكن في يدي شيء. لو أنني وضعتها في جيبي منذ البداية، أو علقتها في عنقي فورًا… لكان الأمر مختلفًا. كنتُ أحمق جدًا».
«لا أحد يمكنه لومك على ذلك».
من الصعب التفكير بوضوح بعد حادثٍ مباشرة.
رغم احتجاج لوسيان، لم يرفع رأسه، وبقي ساكنًا كتمثالٍ من الحزن.
«لكن ذلك كان… آخر طلب من أمي».
«في نهاية حياتها»، همس بهدوء، ثم غرق في صمتٍ ثقيل.
«إذن… طوال هذا الوقت، لم تذهب؟ ولو مرة واحدة؟»
إلى حيث دفن أمه وأبوه.
«…»
رفع ألفي رأسه ببطء.
عندما التقت عيناه بعينيها، كان يرتدي ابتسامته اللطيفة المعتادة، كأنه يرجوها أن تبتسم هي أيضًا.
لكنها لم تستطع.
* * *
«هذا ظلمٌ تام!»
خرجت لوسيان من مكتب الخادم الأول وهي تحمل كومة من الكتب، غاضبة حتى الثورة.
في نظرها، ألفي يحب والديه بصدق، وهما أحباه، ومع ذلك لا يستطيع زيارتهما خوفًا من ردة فعل جدته أو باقي الأقارب؟
وبينما كانت تخطو بخطى غاضبة في الممر، دخل كارتر – رجل الإسطبل – من الباب الخلفي.
ألقى نظرة سريعة حوله، ثم تبادل كلماتٍ قصيرة مع الخادمة جولييت قرب المدخل، قبل أن يغادر سريعًا.
عن ماذا كانا يتحدثان؟
يقولون لا تتدخلي في شؤون الآخرين، لكن الفضول تغلب على لوسيان، فهرعت نحو جولييت.
«يبدو أنكِ تدرّسين بجدٍ من أجل مستقبلكِ الوردي».
نظرت جولييت إلى كومة الكتب في حضن لوسيان بعينين تلمعان فرحًا.
«دائمًا ما تكون نكاتكِ مضحكة، جولييت».
ضحكت لوسيان بخفة، لكن جولييت ردت بجدية:
«لستُ أمزح. يقال في القصر إنكِ ذكية بشكلٍ مذهل».
«ماذا؟! لا يمكن أن ينتشر مثل هذا الكلام!»
شعرت لوسيان بالحاجة الملحة لتصحيح الأمر – خشية أن يسمع أحدٌ يبحث عن تبني طفلة ذكية.
«أظن أنه بسبب درجتي الكاملة في الاختبار… لكن بصراحة، خمنتُ معظم الإجابات! لم أكن أعرف الكثير حقًا!»
هكذا ستبدو طالبةً مهملة، أليس كذلك؟
عدم الجدية في الاختبار – سلوكٌ يكرهه الكبار عادة.
«أوه! أليس هذا أكثر روعة؟»
«…لا، ليس كذلك».
«تخمنين بشكلٍ صحيح في كل مرة؟ كنتُ أعلم – مستقبلي الوردي قد بدأ بالفعل! يجب أن تستمري في السعي من أجلي».
لا داعي لتشجيعي بهذا القدر…
شعرت لوسيان بالامتنان لمحاولة جولييت إسعادها.
«بالمناسبة، ما الذي جاء من أجله السيد كارتر؟»
«آه، طلب مني أن أبلغ الـ’مظلة‘».
«ماذا؟»
«أعني الخادم الأول. قال إنه سيأخذ إجازة بعد الظهر غدًا».
نظرت جولييت إلى باب مكتب ألفي المغلق، وارتسمت على وجهها تعبيرٌ كأنها عضّت حشرة حية – تمامًا كالأمس.
«هل قال السبب؟»
«لا. لكنه قال إن الخادم سيعرف السبب بالفعل».
لم تكن جولييت تعلم أن كارتر وألفي قريبان. ولا عن المأساة التي وقعت في الماضي.
لو كانت تعلم، لما تحدثت عن الأمر بهذه الخفة.
إذن، هذا يعني… غدًا هو –
اليوم الذي رحلت فيه أمه.
* * *
في عمق الليل.
رقدت لوسيان على فراشها، لا تزال غاضبة من رجل الإسطبل، تركل قدميها بضيق.
لكن عندما تذكرت كلمات ألفي، أدركت أنها ليست المشكلة الأكبر.
«من المحتمل أن أمي لن ترغب برؤية شخصٍ مثلي على أي حال».
حتى لو لم يقل كارتر كلامًا قاسيًا، لكان ألفي لن يذهب لزيارتها.
لأنه لا يستطيع أن يغفر لنفسه فقدان شيءٍ ثمينٍ إلى هذه الدرجة.
«ماذا لو… فقط لو… كانت القلادة لا تزال موجودة في مكانٍ ما، واستطعتُ العثور عليها…؟»
لكن كيف؟
لا يمكنها الذهاب إلى مكان الحادث ببساطة.
وحتى لو استطاعت، كيف ستجد شيئًا بعد كل هذه السنوات؟
«…لا أستطيع مساعدته بأي حال».
قال ألفي ذلك بنفسه.
شعرت لوسيان بالعجز، فحركت يديها تحت الغطاء، ثم ضمتهما معًا.
«أرجوك… سمو الدوق».
انسلت الكلمات كدعاءٍ موجهٍ إلى الدوق الراحل.
«أعلم أنني لستُ ممن يحق لهم طلب شيءٍ منك. لكن هذا يتعلق بالخادم. وأنت أيضًا كنت تحب عائلة بيل، أليس كذلك؟»
ضمت يديها أكثر، وتذكرت كل تفصيلٍ في القلادة من اللوحة.
«أرجوك أعدها. تلك القلادة… أرجوك…»
استمر تمنيها اليائس قليلًا.
لكن في النهاية، الدعاء مجرد همسة. مهما كان صادقًا، لن يغير الواقع.
شعرت بالهزيمة أمام عجزها، فغفت لوسيان دون أن تدري…
أن اليدين اللذين ضمتهما بقوة… بدأتا تتوهجان بنورٍ خافت.
* * *
في الفجر التالي.
استيقظ ألفي، اغتسل، وارتدى الملابس التي كان قد كواها بعناية الليلة الماضية.
ثم أضاف معطفًا، ولبس قفازيه، وأخذ قبعته من الخطاف، وخرج.
كان هناك تفقدٌ مجدول للانهيارات الثلجية في قرية مجاورة اليوم.
حدثٌ هام كان الدوق السابق يشرف عليه بنفسه، وبما أن الدوق الجديد بِنيديكت في العاصمة، حلّ ألفي محله.
عندما خرج من الباب الخلفي، تمسك البرد بوجهه كحجرٍ جليدي.
صعد إلى العربة بسرعة، هاربًا من البرد.
ثم، كأنه يفر من شيءٍ ما، أمر السائق بالانطلاق.
* * *
عندما استيقظت لوسيان صباح ذلك اليوم، كان أول ما لاحظته شعورٌ غريب في يدها.
ما هذا؟
ما زالت نصف نائمة، فتحت يديها المضمومتين ببطء.
قلاده. نفس القلادة التي رأتها في اللوحة التي أظهرها لها ألفي.
«هذا… مستحيل!»
صحيح أنها تمنت عودة القلادة.
لكن من الجنون أن تظن أن مجرد أمنية ستجعلها تظهر فجأة من العدم. هذا شيءٌ يحدث في الأحلام فقط…
«آه، فهمت».
أغمضت عينيها مجددًا وبدأت تعد في ذهنها. واحد… اثنان…
أصبح عقلها مشوشًا.
حلمٌ فقط، في النهاية.
شعرت بخيبة أمل خفيفة. حتى لو كان مفاجئًا، لكان رائعًا لو كان حقيقيًا.
لو كان حقيقيًا، لأعادت القلاذة إلى ألفي، وساعدته أخيرًا على زيارة أمه.
بعد قليل، استيقظت لوسيان من قيلولة صباحية خفيفة.
كان حلمًا جميلًا.
رمشت ببطء وفركت سطح الوسادة الناعم.
شعرت وكأنني ساعدت الخادم فعلًا في حل مشكلته.
عاتبت نفسها على هذا الخيال السخيف وتحركت تحت الغطاء.
خشخشة.
صوتٌ غريب. قفز قلب لوسيان تقريبًا خارج صدرها.
مستحيل… لا يمكن…
بيدين مرتجفتين، سحبت الغطاء – وثانيةً، ظهرت القلادة أمام عينيها.
التعليقات لهذا الفصل " 21"
مصيبة!
احسب انها ما عندها قوة؟
هو لو فكرت بمنطقية فموتها بيأثر في لعنة فكيف ما يكون عندها قوة
الحين اي شخص بيشوف قوتها بيناديها بالساحرة (شكل عالمهم مو خيالي)