غرقت راينا في التّفكير و هي تنظر إلى التقرير الذي جلبته لها مايا.
‘لا أفهم شيئًا ممّا كُتب هنا إطلاقًا.’
كانت راينا قد طلبت من مايا الحصول على دفاتر الحسابات المتعلّقة بالأعمال التي يديرها الكونت كرولوت و زوجته.
لكن مهما أمعنت راينا النظر فيها ، و هي جاهلة تمامًا بهذا المجال ، لم يظهر لها شيء ذو معنى.
‘و خاصة ما كان متشابكًا مع عائلة الكونت ميلاي.’
ربّما لأسباب أمنيّة ، لم يكن اسم الطرف المتعامل مذكورًا أصلًا.
و في اللّحظة التي أمسكت فيها راينا شعرها بكلتا يديها___.
طَرق. طَرق.
تفاجأت راينا بالزائر غير المتوقّع.
“السيّد إيليا؟”
لماذا جاء إيليا للبحث عنّي؟
المكان الذي كانت فيه هو المكتب الذي خصّصه لها لوسيوس حديثًا ، لذلك لم يكن من الممكن أن يكون إيليا قد أخطأ الغرفة.
“سموّ الدّوق الأكبر غير موجود في القصر حاليًّا.”
كان لوسيوس قد غادر القصر بحجّة وجود أمر عليه إنجازه.
كان راينا و لوسيوس يخطّطان لدعوة الدوقات الأربعة إلى حفل خيري. و لهذا تولّى لوسيوس الأمر بنفسه.
“أعلم ذلك.”
دخل إيليا إلى المكتب و تقدّم نحو المكتب حيث تجلس راينا.
“يصعب عليّ رؤية الآنسة راينا إن لم يكن لوسيوس غائبًا.”
“و لماذا؟”
“يبدو أنّ لوسيوس لا يعجبه الأمر.”
و حين لم تفهم راينا قصده أكثر ، هزّ إيليا كتفيه.
“الزوج الأساسي يراقب السري.”
“…….”
نظرت راينا إلى إيليا بنظرة باردة.
ابتسم إيليا ابتسامة محرجة و سحب كرسيًّا و جلس أمام مكتبها.
“هل تسمحين لي بالبقاء قليلًا؟”
“ألم تأتِ لأجل غاية ما؟”
“جئت فقط لأراك.”
ضيّقت راينا عينيها و نظرت إليه.
“السيّد إيليا.”
“…….”
“سأقولها لكَ مرّةً أخرى ، ليس لديّ نيّة لضربك.”
ارتفع حاجبا إيليا ثمّ انفجر ضاحكًا.
“اطمئنّي ، لن أطلب أمرًا كهذا.”
“إذًا أتيت فعلًا فقط لرؤية وجهي؟”
سألت راينا و قد راودها الفضول.
“لا أعرف كيف أشرح الأمر.”
توقّف إيليا لحظة ثم قال.
“حين أفكّر بالآنسة راينا ، يخفق قلبي بعنف.”
اتّسعت عينا راينا دهشة.
و ما هذا الآن؟
“أليس قلب الإنسان يضطرب حين يشعر بالخوف من الموت؟”
“…….”
“منذ أن ضربتِني ، أصبح الألم المنقوش فيّ يعود كلّما تذكّرت الآنسة راينا.”
“و بعبارة أبسط.”
شحذت راينا نظرتها.
“أليس معنى هذا أنّك تخاف منّي لمجرّد التفكير بي؟”
إذا كان الأمر كذلك ، أفلا يجب ألّا تأتي لرؤيتي أصلًا؟
“بالنسبة لي ، كان ذلك الإحساس شيئًا أشتاق إليه بشدّة.”
“…….”
“أليس غريبًا؟ مجرّد وجود الآنسة راينا يمنحني السكينة.”
كان إحساسًا ظنّ أنّه لن يختبره أبدًا.
و الآن ، بوجود رايناز، أصبح قادرًا على الشعور به متى شاء.
و مجرّد التفكير في ذلك جعله يشعر بالكمال.
بدت محاولاته الماضية اليائسة لملء الفراغ الذي خلا منه كلّ شيء ، بعيدة و غائمة.
“أظنّني أفهم الآن لماذا يحرص لوسيوس على إبقاء الآنسة راينا قريبة منه.”
نظرت راينا إلى إيليا بهدوء.
‘بعد لوسيوس ، أصبحتُ هذه المرّة تميمة إيليا.’
و مع ذلك ، لم تشعر بالنفور.
لم يكن لديها قلب يقسو على شخص يجد العزاء في مجرّد وجودها.
“حسنًا ، انظر إليّ كما تشاء و اشعر بالرعب إلى أن تكتفي.”
ثمّ عادت راينا إلى التعمّق في الأوراق.
و حين ظلّت عابسة الجبين غير قادرة على تجاوز الصفحة نفسها ، فتح إيليا فمه.
“ما الذي يسبّب لكِ كلّ هذا الصداع؟”
تردّدت راينا في الإجابة.
لم يكن لديها اعتراض على أن يساعدها إيليا في تطهير الروح.
لكن هذا الأمر كان متشابكًا مع عائلة الكونت كرولوت.
لم تكن واثقة إن كان من الصواب أن تكشف له كلّ ما يتعلّق بعائلتها.
لم يكن ليقوم بفضح فساد عائلة كرولوت و إدخال راينا السجن ، لكنّ ذلك كان مجالًا شخصيًّا جدًّا لا يُعرض بسهولة على الآخرين.
‘ربّما لو سألتُ بشكلٍ عام فسيكون الأمر على ما يرام.’
بعد أن حسمت أمرها ، ناولت راينا إيليا الأوراق.
“برأيكَ ، هل ترى في هذه المستندات شيئًا لافتًا؟”
أخذ إيليا الأوراق و بدأ يقرأها بتمهّل. و سرعان ما اتّسعت عيناه قليلًا.
“سيجني الكونت و الكونتيسة مبلغًا كبيرًا.”
“مبلغًا كبيرًا؟”
وضع إيليا الأوراق أمام راينا و أشار بإصبعه إلى موضع معيّن.
“هذا الضمان الذي يملكه الكونت و الكونتيسة.”
كان يشير إلى قطعة أرض ليست واسعة المساحة.
“إن انتقلت ملكيّة هذه الأرض بالكامل إلى الكونت و الكونتيسة ، فسيدرّ ذلك مالًا وفيرًا. كانت قيمتها زهيدة في الماضي ، لكنّها ارتفعت مؤخرًا عشرات الأضعاف.”
اتّسعت عينا راينا.
“و لِمَ هذا؟”
“ألم يُكتشف منجم جديد في الشرق مؤخرًا؟”
تذكّرت راينا ما سمعته حين توجّهت إلى الشرق مع لوسيوس.
“من المتوقع أن تكون أرباح ذلك المنجم هائلة ، و هذه الأرض المذكورة في المستندات تقع على حافّة منطقة التعدين.”
“…….”
“لا أعلم مَنٔ الذي نقل ملكيّة الأرض إلى الكونت و الكونتيسة، لكن لاستعادتها سيُطلب مبلغ ضخم ، لذا سيتخلّون عنها.”
تفحّصت راينا موقع الأرض.
كانت تقع بين الجنوب و الشرق.
‘إنّها قريبة من إقليم عائلة الكونت ميلاي.’
إذًا قد يكون مالك الأرض الأصلي هو عائلة ميلاي.
* * *
حضر الكونت كرولوت و الكونتيسة إلى مائدة العشاء مع مارتن.
لم يكن مارتن يعرف كم كان الزوجان ينتظران هذا اللقاء.
كان واضحًا أنّ مارتن هو الطرف الذي يفترض أن يشعر بالحاجة إليهما.
و لهذا تمّ إنجاز خطوبة راينا و لوسيوس على عجل.
‘لكن بعد ذلك ، أصبح موقفه فاترًا على نحو غريب.’
أكان ينوي عدم إطعام السمكة بعد أن أمسك بها؟
إن كان كذلك ، فلم يكن الكونت ينوي الوقوف مكتوف اليدين.
راينا لم تصبح دوقة كبرى بعد.
و لو أنّ مارتن انتزع ما يريده من الزوجين عند مرحلة الخطوبة فقط ، فقد يغيّر رأيه لاحقًا.
تبادل الزوجان النظرات و شدّدا عزيمتهما.
ثمّ ظهر مارتن.
كان قد تأخّر عن الموعد ، و مع ذلك لم يقدّم حتّى اعتذارًا شكليًّا.
“كيف كانت أحوالكم في الآونة الأخيرة؟”
أثار أسلوب مارتن المتراخي غصّة في صدر الكونت.
“بفضل اهتمامكَ ، كنّا بخير، لكنّ قلقنا لم يزُل تمامًا.”
رفع مارتن طرف فمه بابتسامة مائلة.
“أكره التطرّق إلى العمل فور الجلوس. فلنبدأ بالطعام.”
انعقد لسان الكونت.
أخذ مارتن يتناول طعامه على مهل.
أما الزوجان ، فكانا يأكلان بالكاد.
و ربّما كان مارتن يتعمّد ذلك.
كما لو أنّه يلوذ بالصمت لانتزاع إجابة من الطرف الآخر ، أو كأنّه ينتظر أن يستعجلا و يقدّما ما لديهما أوّلًا.
تحلّى الزوجان بالصبر حتّى نهاية الوجبة.
و لم يفتح مارتن فمه إلّا بعد تقديم الشاي كتحلية.
“ما الذي يجعل قلب الكونت قلقًا إلى هذا الحدّ؟”
“الأمر يتعلّق بابنتنا.”
رفع مارتن أحد حاجبيه.
“و ما هو؟”
“رغمَ إقامة حفل الخطوبة فقط ، لم يُذكر شيء عن الزفاف.”
“الشرط الذي وضعناه لكَ هو أن تصبح راينا دوقة كبرى.”
أضافت زوجة الكونت من جانبه.
“لا داعي لكلّ هذا التسرّع. يبدو أنّ الاثنين يتفاهمان جيّدًا.”
“يتفاهمان جيّدًا؟”
“سمعت أنّهما يعتزمان إقامة حفل خيري معًا.”
اتّسعت عينا الزوجين.
“لوسيوس ليس من النوع الذي يُقبل على مثل هذه الأمور المرهِقة. يبدو أنّه منسجم للغاية مع الآنسة راينا.”
كان مارتن يعلم أنّ لوسيوس لا يقيم الحفل من أجل راينا ، بل لهدف آخر ، لكنّه لم يخبر الزوجين بذلك.
“ثمّ إنّ…..”
قال مارتن بعد أن ارتشف رشفة من الشاي.
“قلتُ إنّني أحتاج تلكَ الأرض ، لكنّني لم أقل إنّني أحتاجها فورًا.”
“لكنّ سعرها بلغ ذروته ، و لن يرتفع أكثر.”
ضحك مارتن بخفّة.
“لا أريد الأرض من أجل المال.”
“إذًا…….”
“إنّني أترصّد أفضل توقيت.”
أمسك مارتن بملعقة الشاي.
ثم نقر بها مكعّبات السكّر المتراكمة في الطبق ، فانهارت دفعة واحدة.
“هكذا.”
نظر مارتن إلى الزوجين.
“حين تسقط بضربة واحدة.”
“…….”
“حين لا يبقى منفذ للهرب.”
شدّ مارتن زاوية فمه مبتسمًا.
“حينها سأمتلكها. عندها فقط ستصبح لي بشكل مأكد.”
ظلّ الزوجان على ملامحهما الحائرة.
لم يكن مارتن ينوي أن يجعلهما يفهمان.
“و قد أطلب منكما المساعدة في هذا الشأن.”
“مساعدتنا؟”
“إلى أيّ حدّ تستطيعان الذهاب من أجل جعل ابنتكما دوقة كبرى؟”
التعليقات لهذا الفصل " 59"