كانت كارول ، في الأصل ، شديدة الفضول حيال كاليكس.
فقد سمعت خبر ظهور شقيق لوسيوس ، الذي ربّته عائلة دوق إنغرسول و كأنّها تُخفيه ، للمرّة الأولى في حفل الخطوبة.
كانت كارول قد ظنّت ، من النظرة الأولى ، أنّه طفل كثير الخجل ، لكنّها ارتبكت حين رأت الجرو الذي كان كاليكس يحمله.
كان الجرو الأبيض الناصع مغطّى بالغبار ، و قد بدا كخرقةٍ بالية.
بل و كان يمدّ لسانه و يرخي جسده إلى حدّ جعل الشكّ يراودها حول كونه ما زال حيًّا.
عندما لاحظت راينا نظرتها ، سارعت و أخذت الجرو من بين ذراعي كاليكس.
“إنّه ينام و كأنّه ميت عندما يغفو.”
قالت راينا ذلك كحديثٍ مع نفسها و هي تربّت على الجرو.
“أنا كارول من عائلة الماركيز كامبر.”
مدّت كارول يدها إلى كاليكس.
تردّد كاليكس قليلًا قبل أن يمدّ يده.
“أنا من عائلة الدوق إنغرسول…ا ، اسمي كا ، كاليكس.”
نظرَت كارول إليه بابتسامةٍ دافئة و هي تسمع صوته المشدود من شدّة التوتّر.
“سعيدة بلقائك ، يا كاليكس.”
“أ ، أنا أيضًا سعيد بلقائك.”
رغم تلعثمه قليلًا ، تمكّن كاليكس من التعريف بنفسه و بعائلته على نحوٍ جيّد.
راقبت راينا ذلك بعينين مليئتين بالفخر.
‘كاليكس يتحسّن تدريجيًّا.’
لم يظهر على لوسيوس أيّ تغيّر في ملامحه ، لكنّه لم يستطع أن يشيح بنظره عن كاليكس.
“آه.”
نادَت كارول إحدى الخادمات و كأنّ فكرةً جيّدة خطرت لها.
طلبت منها إحضار حقيبتها ، ثمّ أخرجت منها شيئًا ما.
“لديّ تذاكر لمسرحيّة أطفال تُعرض حاليًّا.”
“مسرحيّة أطفال؟”
“إنّها تُعرض في جميع أنحاء البلاد في الوقت نفسه ، لذا ستتمكّنون من مشاهدتها بهذه التذاكر حتّى في مسارح الشمال.”
تلقّت راينا التذاكر بوجهٍ مذهول.
‘كيف لم أفكّر في هذا من قبل؟’
كان بإمكانها إخراج كاليكس من القصر و منحه تجارب جديدة.
لكنّها كانت منشغلة على الدوام ، فلم يخطر هذا الأمر ببالها قطّ.
“شكرًا جزيلًا.”
قالت راينا ذلك لكارول بصدق.
“يسرّني أنّكِ سعيدة.”
ابتسمت كارول ابتسامةً لطيفة.
“أودّ أن أصبح أقرب إلى الآنسة راينا في المستقبل.”
“و أنا كذلك.”
شعرت راينا بدفءٍ في صدرها.
كانت تقول إنّها لا تهتمّ بالمجتمع الأرستقراطيّ ، لكنّها فرحت لكونها كوّنت صديقةً من جيلها.
* * *
و بما أنّها حصلت على التذاكر ، اقترحت راينا على لوسيوس أن يخرجا مع كاليكس.
حدّق لوسيوس في وجه راينا مليًّا.
كانت ملامحها مشرقة بالتوقّع ، و قد تلوّن خدّاها بحمرةٍ خفيفة.
“حسنًا.”
و هكذا خرج الثلاثة إلى وسط المدينة و توجّهوا إلى المسرح.
لم يستطع كاليكس أن يُبقي عينيه ساكنتين ، سواء داخل العربة أو بعد وصولهم إلى المدينة.
فقد انشغل تمامًا بالمناظر الجديدة و الغريبة عليه.
تباطأت خطواته و هو يتأمّل المتاجر من حوله ، ممّا اضطرّ راينا إلى مناداته مرارًا.
كانت المسرحيّة قصّةً خياليّة مُجسّدة بمسرح الدمى.
و في بعض المشاهد ، كان العرض يدعو الجمهور إلى المشاركة ، فتعلو أصوات الأطفال الذين حضروا مع عائلاتهم في كلّ مرّة.
كان كاليكس يتحرّك في مكانه ، لكنّه أبقى فمه مغلقًا بإحكام.
“كاليكس ، عليكَ أن تشجّع معهم.”
كان الأطفال يوجّهون كلمات التشجيع إلى البطل الذي يقاتل الشرير.
و كانت القصّة تقول إنّ قوّة البطل تزداد كلّما علت أصوات التشجيع.
“قو ، قوّتك!”
احمرّ وجه كاليكس ، لكنه تمكّن بالكاد من إخراج كلمة واحدة.
و ما إن نطق بها ، حتّى لم تعد الكلمة الثانية صعبة.
ظلّ كاليكس يصرخ طوال العرض ، لدرجة أنّ صوته بُحّ عند خروجه من المسرح.
و بما أنّه لم يكن معتادًا على الكلام أصلًا ، كان الأمر أشدّ عليه.
“كاليكس ، هل يؤلمكَ حلقك؟”
سألت راينا وهي ترى كاليكس يلمس عنقه مرارًا ، لكنه هزّ رأسه سريعًا.
كان يخشى أنّه إن قال إنّ حلقه يؤلمه ، فلن يُسمح له بمشاهدة مثل هذه المسرحيّات مجدّدًا.
تردّدت راينا قليلًا ، ثمّ سألت لوسيوس:
“هل يوجد مكان يبيع مشروبات باردة أو مثلّجات؟”
أومأ لوسيوس برأسه و قادهما إلى أحد محلات الحلويّات.
تفاجأت راينا عندما رأت قائمة الأصناف.
كانت أنواع الشربات أكثر تنوّعًا ممّا توقّعت.
“شراب الثلج الأبديّ في الشمال؟”
عندما أبدت راينا اهتمامها ، قال لوسيوس:
“في الشمال ، هناك جبال مغطّاة بالثلوج الأبديّة. بالطبع ، لا أظنّ أنّهم يستخدمون الجليد الحقيقيّ من هناك.”
“هل توجد جبال ثلجيّة؟”
لم ترَ راينا جبلًا ثلجيًّا قطّ رغم عيشها في الإمبراطوريّة.
عندما شاهد لوسيوس عينيها تلمعان بفضول ، قال:
“يمكن الوصول إليها إذا ابتعدنا قليلًا عن قصر إنغرسول.”
ثمّ أضاف بعد لحظة:
“إن رغبتِ ، يمكنني اصطحابكِ إليها يومًا ما.”
بالنّسبة إلى لوسيوس ، لم تكن تلك الجبال شيئًا جديدًا ، لكنّه لم يتوقّع أن تُبدي راينا هذا القدر من الاهتمام.
ابتهجت راينا و قالت لكاليكس:
“كاليكس ، لنذهب يومًا ما لرؤية الثلج الأبديّ.”
“ما هو الثلج الأبديّ؟”
“إنّه ثلج لا يذوب أبدًا.”
اتّسعت عينا كاليكس دهشةً.
طلب لوسيوس الشاي ، بينما طلب كل من راينا و كاليكس شراب الثلج الأبديّ.
ما إن تذوّقته راينا حتّى فتحت عينيها على اتّساعهما.
و حين نظرت إلى كاليكس ، وجدته ينظر إليها بالتعبير نفسه.
“لذيذ.”
“حلو جدًّا.”
تحدثا في الوقت نفسه ثم انفجرا ضحكًا.
رفع لوسيوس فنجان الشاي إلى فمه.
اختفت ابتسامته الخفيفة خلف حافة الفنجان.
شعر كاليكس أنّ حلقه الذي كان يؤلمه بدأ يهدأ مع برودة الشراب.
و مع ذلك ، ظلّ ينظر إلى قائمة الأصناف.
كان فضوليًّا لمعرفة مذاق بقيّة الأنواع.
بعد أن لاحظت راينا ذلك ، سألت لوسيوس
“هل يمكننا صنع مثل هذا الشراب في القصر؟”
“يمكنكِ طلب ذلك من رئيس الطهاة.”
نظرت راينا فورًا إلى كاليكس.
“كاليكس ، إن كان هناك ما ترغب به ، تذكّره ، و لنطلب من الطاهي أن يصنعه عندما نعود.”
أومأ كاليكس برأسه بقوّة.
ثمّ بدأت ابتسامته العريضة تخفّ ، و شعر بوخزٍ في أرنبة أنفه.
‘لا يجب أن أبكي.’
فلو فعلتُ ذلك ، سيفسد هذا الجوّ الجميل.
طأطأ كاليكس رأسه و شدّ عينيه ثمّ رفع رأسه فجأة.
تساءل إن كان كلّ من راينا و لوسيوس يشعران بالسعادة مثله.
كانت سعادة راينا واضحة بلا حاجةٍ للسؤال.
كانت هذه المرّة الأولى التي يرى فيها كاليكس راينا تستمتع ببراءةٍ كهذه.
ارتسمت الابتسامة مجدّدًا على شفتيه و هو ينظر إليها ، ثمّ التفت إلى لوسيوس.
كان لوسيوس ينظر إلى راينا.
أسند ذقنه إلى يده ، و أخذ يراقبها بينما كانت تأكل كأنّه يتأمّل لوحة فنية.
لم يكن لوسيوس يبتسم ، و كان وجهه خاليًا من التعبير. مع ذلك ، لم يكن يبدو حادًّا كعادته.
كانت عيناه الذهبيّتان تلمعان بهدوءٍ مريح.
حدّق كاليكس في هذا المشهد بلا وعي ، إلى أن التقت عيناه بعينيّ لوسيوس الذي شعر بنظرته.
أطرق كاليكس رأسه على الفور.
و أخذ يعبث بالشراب بملعقته بلا سبب.
كان قلبه يخفق بعنف.
‘هل أخي…’
هل يحـبّ راينا؟
لماذا ينظر إليها بتلك النظرة؟
ثمّ إنّهما مخطوبان أصلًا.
و عندما يتمّ المرء الخطوبة ، يتزوّج ، ثمّ يصبح زوجًا ، ثمّ عائلة.
‘هل يريد أخي أن يصبح عائلة مع راينا؟’
بدأ قلب كاليكس ينبض أسرع.
‘إن كان قد قام بخطبتها لأنّه يحبّها…’
فلعلّ رغبته في مساعدته كانت صادقة أيضًا.
فمَن يحبّ شخصًا ، يرغب في تلبية ما يتمناه ذلك الشخص.
لم يكن كاليكس يفهم هذه المشاعر جيّدًا بعد ، لكنّ الحبّ الذي قرأ عنه في القصص كان كذلك.
هزّ كاليكس رأسه بقوّة.
‘لا داعي لأن أتوقّع شيئًا.’
حاول تهدئة قلبه ، لكنّ خفقانه لم يهدأ بسهولة.
* * *
توجّه مارتن إلى فيلا تقع في ضواحي العاصمة.
و بينما كان ينتظر الشخص الذي سيقابله ، جاء أحد المقربين إليه.
أبلغه تابعه بما يجري في قصر إنغرسول.
“هل درّبت تلك المرأة الخادمات؟”
“قيل إنّها شدّدت عليهنّ أن يُحكمن إغلاق أفواههنّ.”
تردّد التابع المقرب قليلًا قبل أن يضيف:
“و يُقال إنّها بارعة في التهديد على نحوٍ غير عاديّ.”
ضحك مارتن بخفّة.
“ممّن تعلّمت ذلك برأيك؟ لا بدّ أنّها تعلّمته من والديها.”
“كما أنّها أمرت بتغيير طريقة التعامل مع كاليكس لتصبح أكثر لياقة.”
“أكثر لياقة؟”
غرق مارتن في التفكير لحظة.
“يبدو أنها تعبث بالقصر و تقوم بأمورٍ لا داعي لها.”
“ماذا سنفعل؟”
لوّح مارتن بيده.
“اتركها. فلن يدوم الأمر طويلًا على أيّ حال.”
أومأ التابع برأسه ، ثمّ أضاف أنّ راينا و لوسيوس يُبديان اهتمامًا بحفلٍ خيريّ.
تجعّد جبين مارتن.
“حفل خيريّ؟”
مرّر يده على ذقنه المكسوّة باللحية ببطء.
“هل أصبح لوسيوس واقعًا تحت تأثير تلك المرأة؟”
ثمّ أطلق ضحكةً ساخرة.
إذ أدرك أنّه قال أمرًا مضحكًا حتّى بالنّسبة إليه.
“سيأتي ذلك الرجل قريبًا ، اذهب الآن.”
انحنى التابع المقرّب و انسحب تنفيذًا لأمره.
و بعد قليل ، دخل رجلٌ إلى الفيلا و قد غطّى رأسه بقبّعةٍ عميقة.
“هل انتظرتَ طويلًا؟”
“وصلتُ للتوّ.”
أجاب مارتن ببرود و أشار إلى المقعد المقابل.
جلس الرجل و هو يخلع القبّعة عن رأسه.
“جوديل.”
كان الرجل كاهن المعبد الأعظم ، جوديل سيفكا.
“لديّ أخبار سارّة. لقد وجدنا أخيرًا ما كنّا نبحث عنه.”
ابتسم مارتن ابتسامةً عريضة.
التعليقات لهذا الفصل " 58"