عندما عادت راينا إلى قصر إنغرسول ، كان لوسيوس و إيليا بانتظارها.
‘يبدو أنّ عليّ التعامل مع هذين الشخصين أيضًا.’
شعرت راينا بدوّارٍ من الإرهاق لمجرّد رؤيتها للرجلين ، لكنّها تماسكت و اعتدلت ملامحها.
جلست معهما على الأريكة و احتست الشاي.
“هل قمتِ بتوديع السيد الشابّ كرولوت بسلام؟”
أومأت راينا برأسها ردًّا على سؤال إيليا.
“لكن ، لماذا كنتَ بانتظاري يا إيليا؟”
“من أجل تغيير الشائعات عنكما.”
شعر إيليا بالمسؤوليّة لأنّ سمعة راينا ساءت أكثر ممّا كانت عليه.
“أنا أعرف آنسة تُعَـدّ زهرة المجتمع.”
سأل إيليا إن كان من الجيّد دعوة تلكَ الآنسة إلى القصر.
“إن تـمّ الأمر من خلالها ، فستنتشر الشائعات في المجتمع بسرعة.”
بل و أضاف إيليا أنّ لتلك الآنسة نقطة مشتركة مع راينا.
“فهي أيضًا تعمل في مجال الأعمال الخيريّة.”
اتّسعت عينا راينا دهشةً.
“و بما أنّ الآنسة راينا تُدير دار أيتام ، فسيكون الحديث بينكما سلسًا.”
“هل تقصد أنّه من الأفضل أن أُقيم علاقة ودّية معها؟”
أومأ إيليا برأسه.
“لن تندمي إن قمتِ تكوين معرفة معها.”
نظرت راينا إلى لوسيوس.
كانت تتساءل عمّا يفكّر به ، لكنّه كان يحدّق في فنجان الشاي بوجهٍ غارقٍ في التفكير.
“يا صاحب السموّ؟”
رفع لوسيوس نظره ببطء و حدّق في راينا.
“بما أنّ الحديث عن الشابّ كرولوت قد ذُكر ، فسأقول هذا.”
لم يكن قد أشار إلى الأمر إلّا إشارةً عابرة قبل قليل.
‘هل كان صامتًا طوال الوقت لأنّه كان يفكّر في جوناثان؟’
رفعت راينا فنجانها إلى فمها و هي تنظر إلى لوسيوس.
“هناك عبارة لا تفارق ذهني منذُ أيّام.”
كان ذلكَ في اللحظة التي ارتشفت فيها رشفةً من الشاي___
“لماذا أنا الزوج الأساسي؟”
“بففت!”
لم تستطع راينا ابتلاع الشاي في الوقت المناسب ، فنفثته.
اختنقت به و سعلت بعنف.
أخرج إيليا منديلًا و قدّمه لها.
ضغطت راينا المنديل على فمها و أغمضت عينيها بإحكام.
كان هذا اليوم طويلًا أكثر من اللازم.
* * *
تولّى إيليا حلّ تساؤل لوسيوس بشأن التصريح الإشكاليّ الذي أطلقه جوناثان.
كان من حسن الحظّ أنّه شرح سوء الفهم الذي وقع فيه جوناثان بشرحٍ أنيقٍ و مختصر.
لو اضطُرّت راينا إلى شرح هذا أيضًا ، لربّما أغمي عليها من شدّة الإرهاق.
“الآنسة التي تحدّثتُ عنها ستزور القصر اليوم.”
قال إيليا إنّه يجب اغتنام الفرصة دون تأجيل ، لذا حدّد موعدًا معها فورًا.
و بينما كانت راينا تنتظر الآنسة مع لوسيوس ، أوصته بجدّيّة.
“حتّى إن لم تكن مرتاحًا ، عليكَ أن تمثّل أمامها و كأنّنا مخطوبان.”
“و كيف أفعل ذلك؟”
“ماذا؟”
“أعني أن تُعلّميني كيف يجب أن أتصّرف معكِ أمام الآخرين.”
تفاجأت راينا قليلًا.
كانت تظنّه يكره هذه الأمور ، لكنّه أطاعها بسهولةٍ غير متوقّعة.
“ربّما تشابك الأذرع يكفي؟”
كما أنّ ترتيب ملابسه ، كما فعلت مع إيليا ، قد يكون مناسبًا.
“و كيف سنظهر أننا واقعان في الحبّ؟”
” ما الذي ستقولينه أنتِ؟”
هزّت راينا كتفيها.
“الأمر سهل بالنّسبة إليّ. سأقول إنّ صاحب السموّ كان حبّي الأوّل.”
حين لم يقل لوسيوس شيئًا ، سألت راينا:
“هل تحقّقتَ من الأمر؟”
“…….”
كما توقّعت.
لا بدّ أنّه استقصى المعلومات من خدم قصر كرولوت.
‘لا بدّ أنّ رأس لوسيوس قد آلمه كثيرًا.’
كان في ذروة شكّه براينا آنذاك.
كان يظنّ أنّها اختلقت عذرًا سخيفًا ، لكنّ المفاجأة أنّ الشهود أكّدوا بالإجماع أنّ لوسيوس كان فعلًا حبّ راينا الأوّل.
قالت راينا و هي تنظر إلى وجه لوسيوس المتصلّب:
“لا تقلق أبدًا.”
“ماذا تقصدين؟”
“ذلك مجرّد أمرٍ من الماضي ، و لم يعد في قلبي أيّ مشاعر تجاه صاحب السموّ.”
مع أنّها لم تحمل تلك المشاعر أصلًا.
“لن أتوسّل إليكَ لتتزوّجني حقًّا.”
“هذا مطمئنّ.”
وفي تلك اللحظة ، أعلن أحد خدم القصر وصول الآنسة.
“ذراعكَ ، ذراعك!”
قالت راينا على عجل.
قطّب لوسيوس حاجبيه قليلًا ، ثمّ مـدّ ذراعه لها.
تشابكت راينا بذراع لوسيوس و خرجا لاستقبال الآنسة.
“شكرًا لاستضافتي في قصر إنغرسول.”
ابتسمت الآنسة ذات الشعر الأحمر المجعّد و الملامح المستديرة و هي تنظر إلى راينا و لوسيوس.
“أنا كارول من عائلة الماركيز كامبر.”
انحنت كارول بأدب.
بعد تبادل التحيّات ، اصطحبها راينا و لوسيوس إلى غرفة الاستقبال.
جلس الثلاثة على الأريكة و احتسوا الشاي مع بعض الحلويّات.
“رغم تأخّري ، أبارك لكما خطوبتكما.”
أبدت كارول أسفها لعدم تمكّنها من حضور حفل الخطوبة بسبب ظروفٍ خاصّة.
‘لا بدّ أنّها سمعت الشائعات عنّي.’
لكنّ كارول عاملت راينا بلطف ، و كأنّها لم تسمع شيئًا من ذلك.
‘تبدو شخصًا جيّدًا.’
و بينما كانت راينا تُنهي تقييمها لها في داخلها ، قالت كارول:
“سمعتُ أنّ الآنسة راينا ترغب في استشارتي بشأن أمرٍ ما.”
عندما سمعت راينا أنّ كارول تعمل في مجال الأعمال الخيريّة ، قرّرت أن تُجري معها تحقيقًا عن القربان الثاني أيضًا.
فمَن يعمل في الأعمال الخيريّة لا بدّ أن يعرف الكثير من ذوي الظروف الصعبة.
و ربّما أمكنها من خلال ذلك الحصول على خيطٍ ما.
“لكن قبل ذلك ، أودّ أن أقدّم لكِ شكري.”
و فوق ذلك ، كانت هناك معرفة سابقة بين كارول و راينا.
“لقد تبرّعتِ لدار أيتام الحديقة الخضراء ، شكرًا جزيلًا لكِ.”
كانت من بين أعمال كارول الخيريّة إنقاذ الأطفال و التبرّع لدور الأيتام.
“يسعدني إن كنتُ قد قدّمتُ مساعدة و لو بسيطة. إنّ إدارتكِ لدار أيتام بنفسكِ أمرٌ مثير للإعجاب.”
واصلت راينا الحديث مع كارول في أجواءٍ ودّيّة.
و كان ذلك لأنّ كارول بارعة في جعل مَنٔ أمامها يشعر بالارتياح.
“كنتُ أفكّر في إقامة حفلٍ خيريّ ، و أردتُ استشارتكِ.”
“حفل خيريّ؟”
تلألأت عينا كارول.
“فكرة رائعة.”
ثمّ نظرت إلى لوسيوس.
“هل ستنظّمانه معًا؟”
“نعم.”
“هذا غير متوقّع.”
بدت على كارول ملامح الارتباك بعد أن قالت ذلك دون تفكير.
“لأنّ عائلة دوق إنغرسول لم تُقم حفلًا خيريًّا من قبل.”
فبينما كانت العائلات الدوقيّة الأخرى تفعل ذلك باستمرار ، لم يحدث الأمر مع عائلة إنغرسول.
و يبدو أنّ السّبب أنّ لوسيوس ، سيد الأسرة ، كان كثير الغياب عن القصر ، و لم تكن هناك سيّدة قصر تُدير الأمر بدلًا عنه.
“هل كانت الفكرة من اقتراح الآنسة راينا؟”
أومأت راينا برأسها و نظرت إلى لوسيوس بطرف عينها.
‘الآن.’
بهذا التفكير ، مدّت راينا يدها نحو لوسيوس.
نظر لوسيوس بهدوء إلى يد راينا و هي تقترب من ياقة سترته.
“عندما علم صاحب السموّ بأنّني أُدير دار أيتام ، أبدى اهتمامًا هو الآخر.”
قالت ذلك و هي تُرتّب ملابسه بشكلٍ طبيعيّ.
و عندما شدّت ربطة عنقه ، أمسك لوسيوس بيدها.
‘ما هذا؟’
اتّسعت عينا راينا و هي تنظر إليه.
سحب لوسيوس يدها و أدخلها بين طيّات ياقة سترته.
ثمّ شدّها قليلًا و أرخى ربطة العنق التي كانت مشدودة بإحكام.
بعدها فقط ترك يدها.
“…….”
راقبت كارول الجوّ الغريب الذي يسري بينهما بنظرةٍ مليئةٍ بالاهتمام.
توقّفت راينا عن التحديق بذهول في لوسيوس و أطلقت سعالًا مصطنعًا.
“و لهذا قرّرنا أن نقوم به معًا.”
“فهمت.”
ابتسمت كارول و نظرت إلى لوسيوس.
“يبدو أنّ الآنسة راينا قد استحوذت على قلب صاحب السموّ بشتّى الطرق.”
كان تعليقًا مازحًا بعض الشيء ، لكنّ لوسيوس أجاب بجدّيّة.
ثمّ قال و هو يتفحّص ردّة الفعل:
“هذا صحيح.”
ابتلعت راينا ريقها.
كيف يمكنه أن يقول أن ذلك صحيح بتلك الملامح الباردة؟
لكنّ كارول ظلّت تنتظر بفضولٍ أن يُكمل حديثه.
“تفوح من الآنسة راينا رائحة مميّزة لا توجد لدى الآخرين.”
“رائحة؟”
“رائحة تُشعرني بالطمأنينة.”
نظر لوسيوس إلى راينا.
“و عندما أشمّ تلك الرائحة.”
استنشق لوسيوس أنفاسه بهدوء ثمّ تابع:
“أفكّر أنّني أريد أن أنام إلى جوارها طوال حياتي.”
اتّسعت عينا راينا على مصراعيهما.
غطّت كارول فمها بيدها.
و سمعت راينا همسة “يا إلهي” تخرج من فمها.
اشتعل وجه راينا حرارةً.
‘لم يكن عليه أن يفعل كلّ هذا.’
كان يكفي أن يبدوا كشخصين مخطوبين فحسب ، و لم تكن هناك حاجة للحديث و كأنّهما توأم روح.
و بسبب نبرته الجامدة الخالية من أيّ خجل ، بدا كلامه صادقًا و غير متكلّف.
“يبدو أنّكما تنظران إلى بعضكما بمودّةٍ عميقة حقًّا.”
بدت كارول و كأنّها صدّقت تمامًا أنّهما في علاقة خطوبة حقيقيّة ، كما أرادا.
“أستطيع أن…”
و في تلك اللحظة ، عاد كاليكس إلى القصر بعد أن كان يتنزه مع الجرو في الحديقة.
كان الجرو في حضنه ، بوجهٍ شاحب.
اتّسعت عينا كاليكس عندما رأى أن هناك ضيفًا.
بدا متردّدًا بين أن يخرج مجدّدًا أو يبقى ، رأته راينا و قامت بمناداته .
“سأعرّفكِ بشقيق الدّوق إنغرسول.”
“أ ، أنا؟”
شعر كاليكس بالارتباك.
التعليقات لهذا الفصل " 57"