بعد أن وجد جوناثان طاولةً فارغة و جلس ، قال لراينا إنّه سيجلب لها شرابًا.
و بينما كانت تنتظره ، ألقت نظرة حولها.
كانت كلّ طاولة منشغلة بلعبة أوراق ، و الجميع يتحدّثون بهدوءٍ و ودّ.
‘ما هذا؟’
قال إنّها حفلة انحراف لأبناء النبلاء ، لكنّها بدت أنظف ممّا توقّعت بكثير.
بل إنّ الأجواء غير الرسميّة و المريحة جعلت راينا تشعر بأنّها قد ترغب في حضور مثل هذه التجمّعات الاجتماعيّة.
في تلك اللحظة___
“يبدو أنّكِ وجه غير مألوف في هذا المكان. هل هذه زيارتكِ الأولى؟”
تحدّث رجل إلى راينا.
“هل تودّين كوبًا من الشاي؟”
و في اللّحظة التي مدّ فيها الرجل كأسًا زجاجيًّا بلا مقبض نحو راينا ، تدخلت يد جوناثان و أمسكت بيد الرجل.
ثمّ أخذ جوناثان الكأس ، و نظر إلى الرجل مبتسمًا ابتسامةً جانبيّة.
“اخرس.”
و رمى جوناثان الكأس نحو الرجل.
اتّسعت عينا راينا بدهشة.
يبدو أنّه لم يقصد إصابته من الأساس ، إذ انحرف الكأس و ارتطم بالحائط.
كلااك!
عند صوت تكسّر الزجاج ، أطبق الجميع أفواههم و نظروا نحو راينا.
و بعد صمتٍ قصير ، انفجروا بالضحك في آنٍ واحد.
كما لو أنّهم شاهدوا مشهدًا مضحكًا للغاية.
حتّى الرجل الذي قيل له “اخرس” لم يغضب أو يخف ، بل ضحك هو الآخر.
‘ما هذا؟’
شعرت راينا بالارتباك.
جلس جوناثان إلى جانبها بشكلٍ مفاجئ.
“لا ينبغي أن تأكلي أو تشربي ما يقدّمه لكِ الآخرون بلا تفكير.”
ابتسم جوناثان لها.
“اشربي فقط ما أقدّمه أنا فقط.”
هناك شيء غير طبيعيّ.
شعرت راينا بالخطر بغريزتها.
لم يكن هناك أيّ شخصٍ ثملٍ فاقد للوعي.
الجميع يرتدون ملابس أنيقة ، و نظراتهم صافية.
و مع ذلك ، تسلّل إليها شعور قوي بالقشعريرة.
“ما ذلك الشاي الذي قدّمه قبل قليل؟”
لماذا منعني من شربه؟
“إنّه شاي يحتوي على مادّةٍ مسكّنة.”
قطّبت راينا حاجبيها.
هل كلّ مَنٔ هنا مرضى؟
نظرت راينا إلى أباريق الشاي الموضوعة واحدًا على كلّ طاولة.
“بالطبع أنتِ لا تعرفين.”
قال جوناثان و هو يشرح بعد أن رأى تعبيرها.
“هو في الأصل مسكّن يشربه المرضى ، لكن عندما تتناولينه تشعرين بالراحة و يزول التوتّر.”
“إذًا ، هل يشربه أشخاص ليسوا بمرضى فقط من أجل هذا التأثير؟”
عندها أدركت راينا أخيرًا ما الذي كان غريبًا.
كانت تعابير الجميع هادئةً أكثر من اللازم.
و حين تذكّرت الرجل الذي ضحك حتّى بعد تحطّم الكأس ، خمنت أنّ لهذا الشاي تأثيرًا يتجاوز مجرّد إرخاء الجسد.
“النبلاء يحبّونه كثيرًا.”
و عندما ساءت ملامح راينا ، هزّ جوناثان كتفيه.
“و هو موصوف بشكلٍ قانونيّ. هذا دواء صنعه كهنة المعبد الأعظم.”
“……الكهنة؟”
أطلق جوناثان ضحكةً خفيفة.
“قوّة البركة لديهم ضعفت ، لهذا يحاولون فعل أيّ شيء. عليهم أن يأكلوا و يعيشوا بطريقةٍ ما.”
و أخبرها أنّ المعبد الأعظم أصبح في الآونة الأخيرة منشغلًا بصناعة مثل هذه الأدوية المتنوّعة.
“إذًا لماذا منعتني من شربه؟”
“لأنّه يسبّب الإدمان.”
اتّسعت عينا راينا.
“الحصول على الوصفة قانونيّ. لكن إذا واصلتِ شرب هذا الشاي ، تصبحين معتمدةً عليه ثمّ مدمنة. و منذ تلكَ اللحظة يبدأ اللجوء إلى الطرق غير القانونيّة.”
“…….”
“هذا المكان يقدّم الشاي للناس عبر طرق غير قانونيّة.”
عجزت راينا عن الكلام للحظة.
كانوا يبدون طبيعيّين ، لكنّهم في الحقيقة وكر مدمنين.
“لذلك ، لا تلمسيه حتّى.”
“…و ماذا عنكَ أنتَ يا أخي؟”
بما أنّ جوناثان يعرف هذا الشاي و يعرف هذا المكان ، شعرت راينا أنّه قد يكون مدمنًا عليه.
“هل تظنّين أنّكِ لا تعرفينني إلى هذا الحدّ؟”
ابتسم جوناثان و هو يقطّب حاجبيه.
“لا أرغب في الابتسام بغباء طوال اليوم مثلهم. يقولون إنّ الجسد يصير خاملًا بسبب تأثيره. أنا أستمتع أكثر عندما تصبح الحواسّ حادّة.”
“إذًا لماذا جئتَ إلى هنا؟”
مدّ جوناثان يده فوق الطاولة و أخذ رزمة أوراق اللعب.
“لألعب الورق معكِ.”
لوّح بالرزمة أمامها مبتسمًا.
كانت عيناه مائلتين قليلًا ، و زاوية فمه مرفوعة بشكلٍ جميل ، فبدا للحظة كصبيٍّ مشاكس.
أخرج جوناثان الأوراق و بسطها على الطاولة.
ومع ظهور الرسومات واحدةً تلو الأخرى ، عقدت راينا حاجبيها.
“ما هذا؟”
“بطاقات الأمنيات. الخاسر يحقّق أمنية الفائز.”
“ما هو مكتوب هنا هو الأمنيات؟”
عندما أومأ جوناثان ، التقطت راينا بطاقةً واحدة. و بينما كانت تتفحّصها ، بدأ يشرح القواعد.
قبل أن ينهي الشرح ، قالت راينا.
“لن ألعب.”
و أعادت البطاقة إلى الطاولة.
“لماذا؟”
“أي أمنيات هذه؟ هذا مجرّد إجرام.”
كانت المحتويات المكتوبة عبثيّة.
حرق ، سرقة ، اعتداء… جرائم صريحة.
‘هل يفعلون هذا للتسلية؟’
عندها فهمت راينا مجدّدًا سبب إدخال جوناثان إلى الأكاديميّة البحريّة قسرًا.
لأنّه لا يتردّد في ارتكاب مثل هذه الأفعال.
‘و لا توجد هنا أيّ إشارة تتعلّق بالقربان الثاني.’
و حين همّت راينا بالوقوف ، أمسك جوناثان بذراعها.
“إلى أين؟”
“سأذهب ، فهذا غير ممتع.”
أشار جوناثان بعينيه إلى البطاقات.
“إذا لمستِ البطاقات ، فعليكِ الإكمال حتّى النهاية.”
و أضاف أنّ هذا ما يجعل اللعبة ممتعة.
نظرت راينا إلى جوناثان الذي يصرّ بعناد ، و سألته بصوتٍ جادّ.
“لماذا تفعل هذا معي؟”
“و أنتِ ، لماذا تفعلين ذلك؟”
مال جوناثان بجسده مقتربًا منها.
“لماذا بدأتِ فجأةً تفعلين أشياء لم تكوني تفعلينها من قبل؟”
نظر إليها بوجهٍ متجمّد.
كانت تلكَ المرّة الأولى التي ترى فيها راينا جوناثان دون ابتسامة على وجهه.
“هل وقعتِ في الحبّ حقًّا؟ هل الأطفال حقًّا يثيرون شفقتكِ؟”
“…….”
“تعرفين كم تعبتُ في تشكيلكِ كما أنتِ الآن. لماذا تحاولين تدمير نفسكِ بيدكِ؟”
في نظر جوناثان ، كانت راينا مثاليّة.
تسخر من كلّ شيء ، لكن إذا غضبت ، تفقد السيطرة تمامًا.
و كان يظنّ أنّ تلك العصبيّة الهشّة تجعلها أكثر جاذبيّة.
منذ طفولته ، صنعها على هذا النحو.
رغم أنّ جسدها كان ضعيفًا و لم تكن قادرة على مغادرة القصر ، إلا أن جوناثان حرص على أن تكون راينا سعيدة داخله بما فيه الكفاية.
و إن أطاعت ما يأمرها به ، فستبقى دائمًا مثاليّة و سعيدة.
“راينا. عودي كما كنتِ في السابق. كنتِ مثاليّة حينها.”
قال جوناثان ذلك بنبرةٍ لطيفة و ابتسامةٍ مائلة.
في المقابل ، تصلّب وجه راينا ببرود.
“جوناثان كرولوت.”
“…….”
“هل أنا دميتكَ؟”
تجمّدت زاوية فم جوناثان.
“هل عليّ أن أطيع كلّ ما تأمرني به فقط كي أُسعدكَ؟”
“…….”
“أنا أعامل مجنونًا قذرًا كأنّه أخي ، و أنتَ لا تدرك حتّى قيمة ذلك.”
عندما خرجت الشتائم من فم راينا ، اتّسعت عينا جوناثان.
“إن أردتَ تدمير حياتكَ ، فدمّر حياتك وحدك. لا تحاول تدمير حياتي أيضًا.”
“…….”
“ماذا؟ هل تخاف أن تـ XـX وحدك؟”
“…….”
“لذلك تجرّني معك؟ أيّها الـ XX ، الـ XX الذي XX الـ XX فـ XXX…….”
و بينما كانت راينا تقذف الشتائم كالرصاص ، تراخت قبضة جوناثان.
استغلّت الفرصة و لوَت ذراعها و سحبتها.
ثمّ وقفت فجأةً و نظرت إليه.
حدّقت فيه بنظرةٍ قاتلة ، ثمّ رفعت زاوية فمها بابتسامة.
“لا تظهر أمامي مجدّدًا.”
مرّت راينا بجانبه بخطواتٍ سريعة.
نظر جوناثان إلى ظهرها بوجهٍ مذهول.
“راينا ، انتظري!”
و سرعان ما لحق بها.
“راينا!”
واصلت راينا المشي متجاهلةً إيّاه.
“هذه المرّة الأولى التي أراكِ فيها تغضبين هكذا.”
قال و هو يسير إلى جانبها بعد أن لحق بها.
“نظرتكِ تغيّرت تمامًا. لم تبدُ و كأنّكِ تغيّرتِ ، بل كأنّكِ استُبدلتِ بشخصٍ آخر.”
“…….”
“و بالمناسبة ، من أين تعلّمتِ تلك الشتائم؟ هذه أوّل مرّة في حياتي أشعر بأنّ دمي يبرد من كثرة الشتائم.”
“…….”
“اغضبي مرّةً أخرى.”
توقّفت راينا فجأة.
و عندما رمقته بنظرةٍ صامتة ، تراجع نصف خطوة.
“حسنًا. سأتوقّف عن معاملتكِ كلعبة.”
ابتسم بعينيه. ثمّ أخرج ساعة الجيب و تفحّص الوقت ، و أخفَض طرف حاجبه.
“عليّ أن أعود الآن.”
كان قد تحدّث عن لعبة الورق ، لكنّه في الحقيقة لم يكن ينوي احتجاز راينا طويلًا.
أراد فقط إخافتها قليلًا ، لكن ردّة فعلها كانت ممتعةً أكثر ممّا توقّع ، فأصبح في مزاجٍ جيّد.
“راينا. أرسلي لي رسائل كثيرًا إلى الأكاديميّة البحريّة. أصبحتُ فضوليًّا لأعرف كيف تعيشين.”
“أخي.”
“نعم؟”
“لديّ أمنية.”
“ما هي؟”
أضاءت عينا جوناثان ، كأنّه مستعدّ لتحقيق أيّ شيء.
‘كيف يعجبه الأمر أكثر بعد أن شتمته؟’
لماذا لا يتواجد حولي سوى رجالٍ غريبي الأطوار؟
“أتمنّى أن تغرز وتدك في الأكاديميّة البحريّة.”
“…….”
“اعتنِ بنفسكَ في طريق العودة.”
توجّهت راينا إلى العربة التي جاءت بها فصاح جوناثان خلفها.
“إنه وعد! يجب أن ترسلي الرسائل!”
“…….”
“سأغرز الوتد فعلًا!”
وضعت راينا يدها على جبينها النابض بالألم و صعدت إلى العربة.
التعليقات لهذا الفصل " 56"