تحدّثت راينا إلى الخادمات بصوتٍ جادّ.
“يقولون في الأمثال القديمة: إنّ صاحب اللسان الخفيف ، حتّى لو سقط في الماء ، فإنّ فمه وحده يطفو.”
…هل كان هناك مثل كهذا؟
و بينما بدت الحيرة على وجوه الخادمات ، أشارت راينا إلى حوض الاستحمام.
تغيّر لون وجوه الخادمات.
أيعقل….؟
“سأُغرقكنّ في الحوض واحدةً تلو الأخرى ، و أبحث عمّن يطفو فمها أوّلًا.”
“ماذا؟”
ذُهلت الخادمات.
كانت طريقة عبثيّة لا تُصدّق.
فذلك مجرّد تشبيه في الأصل ، أليس من المستحيل تطبيقه حرفيا؟
“و لضمان موضوعيّة النتيجة ، سأجعلكنّ يغمى عليكنّ أوّلًا قبل إدخالكنّ إلى الحوض.”
و أومأت راينا لمايا بعينيها.
“فارستي تجيد مثل هذه الأمور. ستُغمي عليكنّ بلا ألم ، و بكلّ راحة.”
أُصيبت الخادمات بالذهول.
كانت راينا تتفوّه بكلام غير معقول بكل وقاحة.
لم يكن ذلك سوى تعذيبٍ بالماء للخادمات.
بل إنّ الإغراق و هنّ فاقدات الوعي قد يعرّض حياتهنّ للخطر.
“مَنٔ التي سنبدأ بها؟”
ابتسمت راينا ابتسامةً بإشراق ، فأدركت الخادمات بغريزتهنّ.
هذه المرأة ليست في كامل عقلها!
و بينما كانت راينا تفكّر ، أشارت بإصبعها إلى إحدى الخادمات ، فتوجّهت مايا نحوها بلا تردّد.
أمسكت مايا برأس الخادمة و جذبته جانبًا.
ثمّ رفعت حافّة يدها نحو عنقها.
“لا تتحرّكي. إن أخطأتُ الضربة ، ستموتين.”
شحبت ملامح الخادمة عند سماع الصوت القاتم.
“سـ ، سأتكلّم!”
صرخت الخادمة الخائفة على عجل.
“تلك…تلك الفتاة هي مَنٔ نشرت الكلام أوّلًا!”
و أشارت الخادمة بيدها إلى خادمةٍ كانت تقف في الصفّ الأخير.
ارتبكت الخادمة المُشار إليها.
“مـ… ماذا؟ أنا فقط تكلّمت ، أمّا التي نشرته فعلًا فهي تلك!”
ما إن بدأ الاتّهام ، حتّى أخذت الخادمات يشِرن إلى بعضهنّ البعض.
” ألسنة خفيفة ، و لا وفاء أيضًا.”
عند كلام راينا ، ساد الصمت للحظة.
“يبدو أنّكنّ لا تعرفن حتّى واجب الخادمة ، لذا سأعلّمكنّ بنفسي.”
“…….”
“هناك أمران فقط ، التزمن بهما حتمًا.”
شدّدت راينا على كلامها.
الأوّل : ألّا تُنقل أيّ أمور حدثت داخل القصر إلى خارجه من دون إذن.
و الثاني : معاملة كاليكس باحترامٍ كما تُعاملن لوسيوس.
“إن عجزتنّ عن الالتزام بهذين الأمرين البسيطين.”
جالت راينا بنظرها بين الخادمات.
“حينها ، سأعاقبكنّ حقًّا. عقابًا لا ينتهي بماء حوض الاستحمام فقط.”
* * *
في اليوم التالي، جاء كاليكس لزيارة راينا.
“كلامكِ كان صحيحًا يا راينا!”
“بماذا؟”
“فعلتُ كما قلتِ ، تصرّفتُ كما أريد.”
عندما استيقظ كاليكس صباحًا ، تعمّد أن يبقى مستلقيًا.
في العادة ، كان ينهض فورًا.
لكنّه تحمّل و انتظر هذه المرّة.
“جاءت الخادمة و قالت إنّه وقت الاستيقاظ ، فقلتُ إنّني أريد النوم أكثر.”
و ذلك لأنّ راينا أخبرته أن يجرّب فعل ما يريد.
لم يجرؤ على فعل شيءٍ كبير ، فاختار أبسط أمرٍ ممكن.
و هو النوم متأخّرًا.
“فقالت لي : تفضّل بالنوم أكثر ، ثمّ خرجت!”
ابتسم كاليكس ابتسامةً عريضة.
مدّت راينا يدها و ربّتت على رأسه.
يبدو أنّ تهديد الخادمات أتى ثماره.
ابتسمت راينا بخفّة.
“أرأيت؟ كلامي صحيح. يمكنكَ أن تفعل ما تريد كما تشاء.”
في الحقيقة ، كان بإمكانه دائمًا التصرّف كما يشاء مع خدم القصر.
لكن حتّى هذا الأمر كان يتطلّب شجاعةً من كاليكس.
“إن واصلتُ المحاولة.”
قال كاليكس و هو يحرّك أصابعه بتردّد.
“هل سأتمكّن يومًا من قول ما أريده حتّى للشخص الذي أخشاه حقًّا؟”
من دون أن أتلعثم كالأحمق.
“بالطبع.”
عندما أكّدت راينا ذلك ، ازداد حماس كاليكس.
“كاليكس ، عليّ اليوم أن أذهب لتوديع أخي.”
كان قد تقرّر أن تودّع راينا جوناثان مع الكونت و الكونتيسة قبل ذهابه إلى الأكاديميّة البحريّة.
لم تكن راينا ترغب في مواجهة جوناثان ، لكنّه بعد اليوم لن يغادر الأكاديميّة البحريّة لعدّة أشهر على أيّ حال.
“لذا…….”
نباح!
فتحت راينا عينيها على اتّساع و نظرت إلى قدميها.
كان هناك جرو.
حملت راينا الجرْو و ناولته لكاليكس.
“سأعود سريعًا ، العب مع الجرْو حتّى ذلك الحين.”
“نعم!”
أجاب كاليكس بحماسة ، ثمّ نظر إلى الجرْو و أمال رأسه متحيّرًا.
“أكان خفيفًا هكذا من قبل؟”
ارتسمت على الجرْو ملامح الارتباك.
كان روحًا اضطرّ إلى الحفاظ على هيئة جرو طوال اليوم بجانب كاليكس ، فقلّل حجمه قليلًا.
لم يتوقّع أن يلاحظ كاليكس ذلك فورًا.
“يبدو أنحف اليوم.”
تمتم بأنّه يجب أن يطعمه كثيرًا ، فأصدر الجرو صوتا خائفا.
فهمت راينا ردّ فعله.
فالروح يعيش حرفيًّا على قطرات الندى.
و لا يأكل طعام البشر أصلًا ، فكيف له أن يرغب في طعام الكلاب؟
لكنّه ، من أجل كاليكس ، سيضطرّ إلى أكل طعام الكلاب بجدّ.
ربّتت راينا على رأس الجرْو كأنّها تواسيه.
* * *
عندما وصلت راينا إلى مكان الموعد الذي كان من المفترض أن تجتمع فيه عائلة كرولوت ، أدركت أنّ هناك خطبًا ما.
“أين أمّي و أبي؟”
“مشغولان.”
لفّ جوناثان ذراعه حول كتف راينا و جذبها نحوه.
“راينا.، لقد مرّت فترة طويلة منذ أن قضينا وقتًا هادئًا نحن الاثنان معًا”
ابتسم جوناثان ابتسامةً جانبيّة و هو ينظر إليها.
كان واضحًا أنّ غياب الكونت كرولوت و الكونتيسة من تدبير جوناثان.
و ربّما كان الكلام من البداية مجرّد حيلة لاستدراج راينا.
تنهدت راينا بخفّة.
“سأعود الآن.”
حاولت راينا إبعاد ذراع جوناثان ، لكنّه شدّ قبضته بقوّة.
“إن لم يعجبكِ المكان ، يمكنكِ العودة.”
“…….”
“حقًّا. تعالي معي و تحقّقي بنفسك ، و إن لم يعجبكِ الأمر فعودي. عندها لن أمسك بكِ.”
قطع جوناثان وعدًا بذلك.
” و ما هذا الشيء أصلًا؟”
“حفلة.”
حفلة؟
“سبب تصرّفكِ الغريب هذه الأيّام أنّكِ تشعرين بالملل ، أليس كذلك؟”
لذا أراد جوناثان أن يمنح راينا بعض المتعة.
“بصراحة ، طريقتكِ كانت ساذجة جدًّا. و لهذا التصقت بكِ تلك الشائعات .”
شعر جوناثان بالأسف.
فمن دون مساعدته، لا بدّ أنّ راينا أخطأت.
و كان يعتقد أنّ الشخص الوحيد القادر على قيادتها حقًّا هو نفسه.
“لا أهتمّ بالحفلات.”
عندما بدا على وجه راينا الفتور ، سارع جوناثان إلى الإضافة.
“ليست حفلة عاديّة.”
اقتادها نحو العربة و همس.
“إنّها حفلة يستمتع فيها أبناء العائلات النبيلة بالانحراف.”
“……انحراف؟”
“أمور غير قانونيّة لا يمكن فعلها علنًا أمام الناس.”
خطرت فكرة ما في ذهن راينا فجأة.
‘ربّما يكون لهذا علاقة بالقربان الثاني.’
قيل إنّ مَنٔ يعيشون في الأماكن التي لا يأتيها الربيع هم ضحايا نبلاء فاسدين.
و إن كان النبلاء المجتمعون في تلكَ الحفلة كما قال إيليا ، فلن يتردّدوا في استغلال الآخرين.
“ما شكل هذه الحفلة؟”
عندما أبدت راينا اهتمامًا ، أشرق وجه جوناثان.
“إنّها قريبة جدًّا. تعالي و تحقّقي بنفسكِ.”
نظرت راينا إلى جوناثان بتأمّل.
مهما كان جوناثان أحمقًا ناقص الأخلاق ، فلن يعرّض حياة راينا للخطر.
كلّ ما يريده هو اختبارها بمزحة سخيفة.
تردّدت راينا قليلا ، ثمّ أومأت برأسها.
المكان الذي أدخلها إليه جوناثان كان مطعمًا عاديًّا.
غير أنّه بدا مغلقًا ، فلا زبائن فيه ، و الداخل معتم.
‘كيف تُقام حفلة في مكانٍ كهذا؟’
و بينما كانت راينا تشعر بالريبة ، تحدّث جوناثان مع صاحب المطعم.
قادهم الرجل إلى المطبخ.
فتح بابًا جانبيًّا متّصلًا بالمطبخ و أشار برأسه إلى الداخل.
و بينما نظرت راينا إلى الدرج المؤدّي إلى القبو ، ابتلعت ريقها.
‘هل أعود الآن؟’
كان ذلك ما كانت تفكّر فيه.
“جوناثان!”
صاح شخص و هو يصعد الدرج ، و قد حيّاه بسعادة.
“هاه ، ظننتكَ ستدفن عظامكَ في الأكاديميّة. هل أخذت إجازة؟”
“مرّ وقت طويل”
تفحّصت راينا الرجل الذي خاطب جوناثان.
كان حسن الشكل ، و لا تفوح منه رائحة كحول.
“مؤسف. كنتُ أودّ أن لعب الورق معكَ.”
“سأقضي اليوم مع أختي.”
أشار جوناثان إلى راينا بعينيه ، فانحنى الرجل بأدب و هو ينظر إليها.
“إذًا هذه هي أخت جوناثان. تشرّفت بلقائكِ.”
ردّت راينا التحيّة على غير استعداد.
“سأغادر إذًا. أتمنّى لك وقتًا ممتعًا. و لكِ أيضًا ، آنسة.”
و بعد أن قام بتحية راينا بنظرة ، مرّ بجانبهما.
“هل رأيتِ؟ لا داعي لكلّ هذا القلق.”
أومأت راينا برأسها و تبعت جوناثان إلى أسفل الدرج.
و عندما دخلت القبو ، لم تُخفِ دهشتها.
لم يكن يشبه قبو مطعم متداع على الإطلاق ، فقد كان المكان واسعًا.
و كانت الطاولات و الكراسي كلّها من أثاث فاخر ، و تبعث المصابيح المتلألئة ضوءًا ناعمًا يخلق جوًّا مميّزًا.
و أكثر ما أدهشها أنّ جميع مَنٔ في المكان بدوا في غاية الارتياح.
التعليقات لهذا الفصل " 55"