كانت راينا قد عثرت على اسم عائلة الكونت ميلاي، و هي عائلة بطلة الرواية الأصليّة، ضمن المراسلات التي جلبتها مايا، فأمرت مايا بإجراء تحقيقٍ إضافيّ.
لكنّ مايا لم تتمكّن من العثور على أيّ معلوماتٍ أخرى.
‘حتى محتوى الرسالة لم يكن مهمّا.’
كانت مجرّد رسالةٍ شكليّة قصيرة تسأل عن الأحوال.
‘هل هي مجرّد صدفة؟’
كان من الممكن أن تكون عائلة ميلاي واحدةً من بين العائلات العديدة التي على تواصلٍ مع الكونت كرولوت و زوجته.
راود راينا شعور بأنّها ربّما بالغت في التركيز على عائلة ميلاي خلال مسار شكّها بمارتن.
“سأواصل البحث. و سأراقب تحرّكات الكونت و الكونتيسة أيضًا.”
أومأت راينا برأسها و نظرت إلى مايا.
“أنتِ تتعبين كثيرًا بسببي يا مايا. أنا ممتنّة لكِ دائمًا.”
هزّت مايا رأسها نافيةً.
“بصراحة، الأشهر الأخيرة هذه ممتعة أكثر بكثير من الأشهر التي عملتُ فيها كخادمة.”
“لهذا أقول لكِ. ما رأيكِ أن تتركي عمل الخادمة و تصبحي فارستي الرسميّة؟”
اتّسعت عينا مايا دهشةً.
“لقد أخبرتكِ ، أليس كذلك؟ عندما يحين الوقت سأساعدكِ على فعل ما تريدين.”
عند تلكَ الكلمات ، لمعت الدهشة في عينيّ مايا و هي تسترجع اللّحظة التي التقت فيها راينا لأوّل مرّة.
كان ذلكَ حين سقطت عائلتها ، و أصبحت مايا ، الابنة الكبرى، سيّدة الأسرة.
كان والدا مايا شخصين طيّبين ، لكنّهما لقيا حتفهما بعد أن لُفِّق لهما اتّهامٌ مُشين.
لم يتركا لمايا سوى ديونٍ طائلة ، و اضطرّت ، فوق ذلك ، إلى الافتراق عن إخوتها الصغار و العيش دون أن تعرف مكانهم.
و بما أنّ مايا كانت ماهرة في استعمال السكين ، فقد عملت في ملحمة.
و في أحد الأيّام ، بينما كانت تنظّف لحم الخنازير أو الدجاج كعادتها ، سمعت حديثًا يدور خلف النافذة.
“آنستي. ماذا سيحدث لو أخبرتُ السيّد و السيّدة بهذا الأمر؟”
تبع ذلك صوت امرأةٍ تسأل بخفوت ،
“ألا يمكنكِ تجاوزه؟ إنّها طفلة مسكينة لديها عائلة كبيرة تعيلها. لقد كسرت طبقًا كانت أمّي تعتزّ به عن طريق الخطأ فحسب ، و قد قلتُ إنّني أنا مَنٔ كسره ، لذلك لم تغضب أمّي.”
وصلها صوت امرأةٍ تتوسّل بلطف.
بدت إحداهما آنسةً من عائلة نبيلة و الأخرى خادمة ، لكن لماذا تتحادثان في الزقاق المجاور للملحمة؟
و بوجهٍ لا مبالٍ ، واصلت مايا ترتيب بقايا الذبح.
“آنستي ، لا أعرف سبب هذا كلّه ، لكن إن كنتِ تنوين التصرّف كقدّيسة ، فأنا مستعدّة لمساعدتكِ.”
كانت الخادمة تناديها بـ”آنسة” باحترام ، لكن كلامها كان وقحًا إلى حدٍّ كبير.
“تمثيل دور القدّيسة؟ أنا فقط أشفق عليها فحسب….”
عندما تكلّمت الآنسه بصوتٍ خافتٍ مهزوم ، لم تجد الخادمة إلّا أن تتمادى.
“الجميع هذه الأيّام يظنّونكِ غريبة. السيّد و السيّدة كذلك. إذا استمرّ الحال هكذا فسيُدخِلونكِ مستشفى إصلاح العقل.”
بعد أن أطلقت تهديدها الصريح ، أخذت مايا كيس القمامة و خرجت.
كانت الخادمة منشغلة بتهديد الآنسة ، فلم تنتبه إلى دخول مايا الزقاق ، و واصلت كلامها.
“هل تعلمين كم أنه مكان مرعب؟ يقومون فيه بربط أجساد الناس كما لو كانوا ماشية ، و لا يسمحون لهم بالحركة كما يشاؤون.”
كانت مايا تعلم ، دون أن ترى ، أنّ وجه الآنسة قد شحب.
“لهذا أقول إنّني سأساعدكِ. في النهاية ، لا أحد يعلم سواي أنا ، فإذا منحتِني مقابل صمتي ما يكفي من المال….”
و في اللحظة التي لفّت فيها الخادمة سبّابتها و إبهامها لتري الآنسة ،
بام!
“آآآه!”
صرخت الخادمة بعد أن أصابها كيس القمامة الذي قذفته مايا.
و حين سقط الكيس على الأرض و انفتح ، و انسكب محتواه ، فقفزت الخادمة .
“ما ، ما هذا؟ مقرف!”
أخذت الخادمة تنفض جسدها بيديها بعصبيّة ، خشية أن يكون شيءٌ قد علق بها.
“أعتذر. هذا مكان رمي القمامة ، و لم أكن أعلم أنّ هناك مَنٔ يقف هنا.”
قالت مايا ذلك بصوتٍ لا يحمل أدنى ندم ، فالتفتت الخادمة فجأة.
تلاقت عينا مايا و الخادمة ، و اتّسعتا دهشةً.
“مايا نورتن؟”
أشارت الخادمة إلى مايا بإصبعها.
و يا للمصادفة ، كانت تلك الفتاة قد خدمت مايا قبل سقوط عائلتها.
نظرت الخادمة إلى مظهر مايا البائس ، و رفعت شفتيها بسخرية.
“لا ، صحيح. الآن أنتِ مجرّد ‘مايا’. فلن تقدري بعد اليوم على استخدام اسم عائلة الفرسان المشرّفة تلك.”
سخرت الخادمة من مايا التي سقطت عائلتها و أصبحت تعمل في ملحمة.
‘يا لسوء الحظ.’
ندمت مايا على خروجها.
لم تستطع بطبعها الطيّب ، أن تتجاهل آنسةً تتعرّض للابتزاز من خادمة.
ذكّرها ذلك بوالديها ، فقد استُغلّ طيب قلبهما حتّى الموت.
‘……و مَنٔ أكون أنا حتّى أتدخّل.’
كما قالت الخادمة ، لم تعد مايا فردًا من عائلة فرسان مشرّفة ، بل مجرّد عاملة تنظّف اللحم في ملحمة.
كانت مايا على وشكِ أن تستدير و ترحل.
“من عائلة فرسان؟”
تألّقت عينا الآنسه الطيّبة الساذجة ، راينا ، و هي تنظر إلى مايا.
و قد اختفى تمامًا مظهرها المنهزم ، فتجاوزت الخادمة و اقتربت من مايا.
تفحّصت راينا جسد مايا من أعلى إلى أسفل ، ثمّ فتحت فمها ببطء.
“هل تجيدين القتال؟”
“…….”
“الفرسان يخدمون سيّدهم و يحمونه ، أليسوا أناسًا رائعين؟ و أنتِ كذلك مثلهم ، أليس كذلك؟”
“…….”
“هل ترغبين في العمل كخادمتي الشخصيّة؟”
“آنستي! ما الذي تقولينه؟”
سألت الخادمة بصوتٍ مذعور عند سماع كلام راينا.
حينها ، عبس وجه راينا الذي كان قد لان و هي تنظر إلى مايا.
أخذت نفسًا عميقًا قصيرًا و استدارت للخلف.
“أنتِ مطرودة.”
“ماذا؟ ما هذا الكلام……! آنستي ، إذًا سأخبرهم بكلّ ما رأيت!”
“و ماذا رأيتِ؟”
اقتربت راينا من الخادمة.
“إنّه كلام بلا دليل. ثمّ إنّكِ وحدكِ مَنٔ رأى ذلك، أليس كذلك؟”
شحبت ملامح الخادمة.
عندما رأت وجه راينا البارد ، أدركت أخيرًا فداحة ما اقترفته.
‘لأنّني كنتُ أختبر ردّ فعلها ، و كنتُ أظهر الخوف في كلّ مرّة….’
لقد تسرّعت الخادمة في الجزم بأنّ عقل راينا قد اختلّ حقًّا.
“برأيكِ، هل ستصدّق أمّي كلامي أم كلام خادمة؟”
أخفضت راينا صوتها.
“خادمة تحاول ابتزازي من أجل حفنة نقود.”
بعد شهرٍ واحد من حلولها في هذا الجسد ، كانت راينا تفكّر أصلًا في اختبار خادمتها الشخصيّة.
كان عليها التأكّد ممّا إذا كانت أقرب شخصٍ يلازمها جديرًا بالثقة.
و بما أنّ الخادمة بادرت بالابتزاز من تلقاء نفسها ، لم تعد هناك حاجة للإبقاء عليها.
و فوق ذلك ، كانت قد عثرت بالمصادفة على مرشّحة مثاليّة للخدمة.
“لا أنوي العمل كخادمة.”
“لماذا؟”
“لأنّني أريد ، عندما يحين الوقت ، أن أصبح فارسةً من جديد.”
“حسنًا.”
أومأت راينا برأسها دون تردّد.
“إلى أن يأتي ذلك الوقت ، ابقي بصفتكِ خادمتي ، و سأساعدكِ أنا أيضًا.”
“…….”
“لكي تتمكّني من فعل ما تريدين.”
لم تكن مايا تتوقّع أن تتذكّر راينا ذلك الوعد.
“هل هذا حقًّا مقبول؟”
“أشعر أنّ كونكِ فارسة يليق بكِ أكثر من أيّ شيء.”
حدّقت مايا في راينا بشرود، ثمّ انحنت ببطء.
“شكرًا جزيلًا. لن أُخيب ظنّكِ أبدًا ، يا سيّدتي راينا.”
مدّت راينا يدها و أمسكت بيد مايا.
“ما رأيكِ أن تنفّذي أوّل مهمّة لكِ كفارسة اليوم؟”
* * *
جمعت راينا خادمات القصر.
و كان ذلك في الحمّام.
كانت راينا جالسةً على حافّة حوض الاستحمام المملوء بالماء.
و إلى جانبها وقفت امرأةٌ ترتدي زيًّا رسميًّا و يداها خلف ظهرها.
تعرّفت الخادمات على تلك المرأة على أنّها مايا ، خادمة راينا.
لم يكنّ يعرفن لماذا تحوّلت فجأةً من خادمةٍ إلى فارسة ، لكنّها كانت تشعّ بهالة مرعبة.
شبكت راينا ذراعيها و عقدت ساقًا فوق أخرى.
و بينما كانت تهزّ كاحلها بخفّة ، جالت بنظرها بين الخادمات.
“يبدو أنّ هناك خادمات خفيفات اللسان تثرثرن كثيرًا في قصر إنغرسول.”
التعليقات لهذا الفصل " 54"