انتهت خطوبة راينا و لوسيوس بسلامٍ على الرّغم من كثرة المشاكل.
لا، هكذا كانا يظنّان فقط.
“راينا، تكلّمي.”
تبع جوناثان راينا إلى غرفة نومها و ظلّ يضايقها.
“ألن تعود إلى الأكاديميّة البحريّة؟”
“أستطيع البقاء أيّامًا إضافيّة. أشكركِ على قلقكِ عليّ، لكن—”
فسّر جوناثان كلام راينا على هواه، و كأنّها تسأله لماذا لم يعد بعد.
“هل تلك الشّائعات صحيحة؟”
كان جوناثان في غاية الدّهشة.
فخلال الفترة التي قضاها في الأكاديميّة البحريّة، طرأت تغيّرات كثيرة على راينا.
حين سمع بخبر خطوبتها من لوسيوس الملقّب بالدوق الوحش، شعر بالفضول.
ألم تنجح أخيرًا في الإمساك بحبّها الأوّل البريء، الدّوق الوحش؟
كما هو متوقّع من أختي.
إن رغبت بشيء، فلا بدّ أن تناله مهما كلّف الأمر.
لكن حين حضر الخطوبة، اكتشف أنّ الأمر لا يقتصر على الدّوق الوحش فحسب، بل إنّ لها حبيبًا آخر أيضًا.
كان لوسيوس و إيليا يبعثان هالتين مختلفتين تمامًا، لكنّ كليهما كان لافت الجمال.
إنها أختي حقًّا.
لا يمكن أن تكتفي بواحدٍ فقط.
شعر جوناثان بالفخر.
غير أنّ أفكاره تغيّرت بعد دخوله قاعة الحفل.
فبينما كان يتبادل الحديث مع نبلاء تجمعه بهم معرفة سابقة، سمع الشّائعات التي تدور حول راينا.
“ما الذي ينقصكِ حتّى تتعلّقي بالدوق الوحش هكذا؟”
كانت الشّائعات التي تلاحق راينا مثيرةً للسّخرية.
كانوا يظنّون أنّ راينا تكنّ حبًّا من طرفٍ واحد للوسيوس، و أنّها تقيم في قصر إنغرسول طمعًا في كسب قلبه.
و كأنّ ذلك لا يكفي لإثارة الغضب، فقد انتشرت أيضًا إشاعةٌ تقول إنّ راينا استخدمت حِيَلًا مقزّزةً لا تُطاق لنيل قلبه.
‘لقد غبـتُ عنها فترةً قصيرة فحسب.’
فكيف تجد نفسها وسط هذا الكمّ من الفضائح؟
في الحقيقة، لا يمكن تجاهل تأثير جوناثان نفسه في التصاق تلك الشّائعات الخبيثة براينا.
‘مهما حاولوا تغليفها بصورة الآنسة الوديعة، فهي في النّهاية أخت ذلك الرّجل.’
هكذا كان رأي الغالبيّة.
“سمعتُ أنّكِ عثرتِ على الأخ المفقود للدّوق الوحش.”
قطّب جوناثان حاجبيه.
“لا تقولي إنّه ذلك الطّفل الذي أحضرته في ذلك اليوم؟”
رغم أسئلته المتكرّرة، لم تخبره راينا قطّ بما فعلت بالطفل.
و لهذا عاد إلى الأكاديميّة البحريّة آنذاك و هو مستاء بعض الشّيء.
فلم يسبق لراينا أن أخفت عنه أمرًا بهذه الطّريقة.
“راينا، إن كان الملل هو السّبب، فسأساعدكِ.”
غيّر جوناثان نبرته إلى اللّين حين تجاهلته راينا.
“لا داعي لاختلاق كلّ هذه الفضائح بحثًا عن الإثارة.”
كان يظنّ أنّ راينا شعرت بالضّجر من حياتها العادية فاتجهت إلى التمرّد.
لذلك تعلّقت بالدوق الوحش، ثمّ اتّخذت حبيبًا جديدًا.
“و فوق ذلك، هل تديرين دار أيتام؟”
قال الكونت و الكونتيسة إنّه مشروع يفيد العائلة، لكنّ جوناثان لم يعجَب بالفكرة.
“لماذا دار أيتام تحديدًا؟ هل صار الأيتام في الشّوارع مثيرين للشّفقة فجأةً؟”
“…….”
“أنتِ الآن…….”
هزّ جوناثان كتفيه.
“تبدين مثيرةً للشفقة.”
اشتدّت نظرات راينا حدّةً في لحظة، لكنّه لم يُبالِ.
“أنتِ ساذجة لدرجة لا تُحتمل.”
“…….”
“لذا افعلي ما أطلبه منكِ.”
“لا.”
“ماذا؟”
“و لماذا عليّ أن أفعل ما تأمرني به؟”
ارتفعت حاجبا جوناثان بدهشة.
“لأنّكِ أختي. و الأخت يجب أن تطيع أخاها.”
قال ذلكَ و كأنّه يذكر أمرًا بديهيًّا.
“هل فعلتُ لكِ يومًا ما يضرّكِ؟ كنتُ دائمًا أصنع لكِ ما يسعدكِ.”
استعاد جوناثان ذكرياتهما القديمة حين كانا يمازحان خدم القصر.
“إن فعلتِ ما أقول، فلن تجدي وقتًا للشّعور بالملل.”
“أنا لا أجد وقتًا للملل أصلاً.”
شبك جوناثان ذراعيه و حدّق في راينا.
“لقد تغيّرتِ.”
“……”
“أصبحتِ أقلّ متعة.”
على الرّغم من طبعها الصّعب، كانت راينا تُصغي عادةً إلى كلام جوناثان.
و لهذا كان يحبّها.
إذ كان يستمتع بترويضها وفق هواه.
“تعرفين كم تعبتُ في تربيتكِ.”
لا يصحّ أن تتغيّر هكذا فجأة.
و خاصةً لأنّني غبتُ عن القصر لفترةٍ قصيرة فحسب.
“لكن لا بأس.”
أومأ جوناثان برأسه.
“فإعادتكِ إلى ما كنتِ عليه ستكون ممتعةً أيضًا.”
“ماذا تقصد؟”
“أيا كان ، أهنّئكِ على خطوبتكِ.”
انحنى جوناثان و قبّل جبين راينا.
“لقد أتعبتِ نفسكِ. نامي جيّدًا.”
ثمّ غادر غرفة نومها.
* * *
تنفّست راينا الصّعداء بعد أن نجحت أخيرًا في إبعاده.
‘جوناثان، ذلكَ الأحمق المختلّ.’
عندما لم تعـد تتصرّف وفق هواه ، كشف عن حقيقته.
‘في النّهاية، ماذا يُنتظر من شخصٍ مثله حتّى لو ادّعى حبّ أخته؟’
لو كان يهتمّ بها حقًّا، لما خطر بباله أن يقدّم إنسانًا كهدية كأنه شيء ما.
فالهدايا التي أحضرها لم تكن لأجل إسعاد راينا، بل لإمتاع نفسه.
لقد كان يختبرها فقط، ليرى إن كانت ستظلّ تطيعه كما يشاء.
‘سيعيدني إلى ما كنتُ عليه؟’
ما الذي يقصده بذلك؟
و هو سيعود قريبًا إلى الأكاديميّة البحريّة أصلًا، فماذا سيفعل؟
هزّت راينا رأسها و هي تطرد أفكارها عنها.
‘لنذهب لرؤية كاليكس.’
لقد انشغلت و لم تتمكّن من زيارته فورًا.
حين دخلت غرفة كاليكس، رأته مستلقيًا على السّرير.
“كاليكس، هل أنتَ نائم؟”
فتح كاليكس عينيه بهدوء.
و حين رأت نظرته الصّافية الخالية من النّعاس، ابتسمت راينا تلقائيًّا.
“هل كنتَ متعبًا جدًّا؟”
“قليلًا.”
“لقد تعبتَ اليوم.”
أمسكت راينا بيده.
“كنتَ متوتّرًا، أليس كذلك؟”
“……”
“ربّما تذمّرتَ قليلًا في داخلك و تساءلتَ لماذا أجبرتكَ على حضور مكانٍ كهذا؟”
اتّسعت عينا كاليكس.
“لا!”
و حين أجاب بسرعة، تعمّقَت ابتسامة راينا.
“البدايات دائمًا صعبة.”
“……”
“نخاف لأنّنا لم نجرّب ذلك من قبل.”
هزّت راينا يده بخفّة و هي تمسكها، ثمّ أضافت.
“أنا أيضًا كنتُ خائفة.”
“أنتِ أيضًا يا راينا؟”
“نعم، هذه أوّل مرّة أقف فيها أمام هذا العدد من النّبلاء.”
“لم أكن أعلم. بدوتِ واثقةً جدًّا…..”
“واثقة؟ لقد تعرّقَت يداي و بدّلتُ موضع الشّوكة و السّكّين مرّات عدّة.”
أطلق كاليكس ضحكةً صغيرة.
لأنّها كانت مثله تمامًا.
و حين رأت راينا ابتسامته أخيرًا، اطمأنّ قلبها.
“لا تتخلَّ عن المحاولة لأنّكَ خائف.”
“…….”
“و إلّا سيصبح الخروج من هذه الغرفة أصعب.”
نظر كاليكس إليها مطوّلًا.
“هل آذاكَ أحد ممّن قابلتهم اليوم؟”
هزّ كاليكس رأسه نافيًا.
“هل قالوا إنّه لا يمكن أن تكون شقيق الدوق، و لم يصدّقوك؟”
هزّ رأسه مرّةً أخرى.
“هم فقط لم يروكَ من قبل، لهذا لم يكونو على علم بأنّكَ من عائلة إنغرسول.”
“……”
“الآن و قد رأوكَ، سيعتبرونكَ تلقائيًّا فردًا من العائلة كلّما رأوك.”
و أضافت أنّ عليه أن يعرّف بنفسه للنّاس تدريجيًّا على هذا النّحو.
تردّد كاليكس قليلًا ثمّ سأل.
“راينا، ماذا لو تعافيتُ و تسبّبتُ بمشكلةٍ لعائلة إنغرسول؟”
“مشكلة؟”
“ماذا لو كان شفائي أمرًا سيّئًا للجميع؟”
تعجّبت راينا من سبب قوله هذا.
“مَنْ قال لكَ ذلك؟”
هزّ كاليكس رأسه ببطء.
“كلّ الأطفال الملعونين الذين وُلدوا في عائلة إنغرسول ماتوا.”
“…….”
“أنا الوحيد الذي نجوتُ، فماذا لو حدث أمر غير متوقّع للعائلة؟”
“هذا لن يحدث.”
قالت راينا بحزم.
“و أنتَ لا تحتاج إلى سبب لتتعافى.”
“لا أحتاج؟”
“لا تحتاج إلى افتراض أنّ تعافيكَ سيجعل العائلة تزدهر أكثر.”
بدا كاليكس عاجزًا عن الفهم.
“عليكَ أن تتعافى من أجلكَ أنتَ.”
“و إلّا ستظلّ مريضًا.”
“……”
“قدّم نفسكَ أوّلًا. هذا مسموح. لا، بل هذا واجب.”
ربّتت راينا على صدر كاليكس بلطف.
“كاليكس، سأعطيكَ واجبًا.”
“ما هو؟”
“مرّةً واحدة في اليوم، تصرّف كما يحلو لكَ.”
“هاه؟”
“و قل جملةً واحدة على الأقلّ ممّا تريد قوله فعلًا.”
“……”
“ثمّ راقب ما يحدث.”
“هل ستحلّ كارثة عظيمة لأنّكَ فعلتَ ما تريد؟”
و حين تردّد كاليكس، أضافت راينا.
“ثـق بكلامي.”
“ستكتشف أنّكَ لن تُعاقَب لمجرّد تصرّفكَ وفق رغبتك.”
و عندما ظلّ كاليكس ينظر إليها دون جواب، شبكت راينا خنصرها بخنصره.
“إنه وعد.”
عندها فقط، أومأ كاليكس برأسه.
التعليقات لهذا الفصل " 53"