“أخي، ألم تقل إنّك قد لا تتمكّن من المجيء؟”
“بما أنّ أختي أعلنت خطوبتها، فقد حصلتُ بصعوبة على إجازةٍ خاصّة و جئت.”
يبدو أنّه وصل بالكاد في الوقت المناسب، إذ كان يرتدي زيّ الطلّاب العسكريّين.
“سمعتُ إنّكِ خُطبتِ فجأةً للدوقٍ الوحش، فكيف لي ألّا آتي؟”
تقدّم جوناثان خطوةً نحو راينا.
ثمّ أشار بذقنه إلى إيليا و سألها.
“عشيق؟”
“نعم؟”
“هل أبقيتِ الدّوق كزوج أساسيّ و اتّخذتِ عشيقًا أيضًا؟”
اتّسعت عينا راينا بدهشة.
أدركت أنّها، من دون قصد، كانت تبدو قريبةً جدًّا من إيليا فسحبت يدها على عجل.
“الأمر ليس كذلك.”
“راينا.”
قال جوناثان بصوتٍ لطيف.
“أنا لا أملك تحيّزًا في هذا الشأن.”
قال ذلك و كأنّه يفهم راينا تمامًا.
“إن كانت علاقةً ثلاثيّةً متّفقًا عليها، فلن توجد مشاكل تترتّب عنها.”
نظر جوناثان إلى إيليا.
“أمّا إن كانت علاقةً ثلاثيّةً غير متّفقٍ عليها، فحدوث الفوضى أمر مضمون.”
حدّق جوناثان في إيليا بعينين مليئتين بالفضول.
“إنه وسيم حقًّا. حسنًا، بما أنّكِ نشأتِ و أنتِ تنظرين إليّ، فلا يمكن أن يكون ذوقكِ متدنّيًا.”
“أظنّ أنّكَ قد أسأتَ الفهم.”
ابتسم إيليا ابتسامةً خفيفة.
“أنا إيليا لوثر، من عائلة الكونت لوثر.”
و مـدّ إيليا يده.
نظر جوناثان إلى يده، ثمّ حرّف شفتيه بابتسامة ساخرة.
“أنا لا أتعامل مع عائلات لم أسمع بها من قبل.”
و على الرّغم من كونه من عائلة كونت أيضًا، فقد عامل عائلة إيليا على أنّها وضيعة الشّأن.
كان صوته ساخرًا، كأنّه يعرف تمامًا كيف حصلت تلك العائلة على لقب الكونت.
“بما أنّ أختي ستصبح دوقة، هل تحاول التقرّب طمعًا في شيءٍ ما؟”
و رغمَ إهانة جوناثان، حافظ إيليا على ابتسامته.
أمال جوناثان رأسه قليلًا عند ردّ فعله.
“راينا.”
قال جوناثان، محدّقًا في إيليا.
“لا تأكلي هذا الشيء.”
“…….”
“نظراته غير مطمئنة. إن أكلتِ طعامًا فاسدًا فستكون العواقب وخيمة.”
لم تعد راينا قادرةً على التحمّل.
“توقّف، رجاءً…….”
رفعت راينا كلتا يديها عاليًا.
“قلتُ لكَ هذا يكفي!”
و ضربت ظهر جوناثان براحة يدها.
“آه!”
صرخ جوناثان و هو ينكمش بكتفيه.
لكنّ طرف فمه كان مرفوعًا.
“إنه صديق الدوق. اعتذر عن وقاحتكَ!”
“واو، هل وقعتِ في حبّ صديق الزوج الأساسيّ؟”
و حين لم يُجدِ الكلام نفعًا، قبضت راينا يدها بقوّة.
شعرت أنّها إن لم تضربه بقبضتها فلن يعود إلى رشده.
تقدّم إيليا، الذي كان يراقب راينا و هي تكاد تضرب أخاها كمَن يشاهد حريقًا في الضفّة الأخرى.
“الآنسة راينا، أنا بخير، فلنحلّ الأمر بالكلام…….”
و حين اقترب إيليا منها ليهدّئها__
كانت راينا قد سحبت قبضتها إلى الخلف بكلّ قوّتها لضرب جوناثان، فأصابت إيليا عن طريق الخطأ.
كلاك!
اتّسعت عينا راينا و نظرت فورًا إلى إيليا.
كان إيليا يغطّي أنفه بيده و هو يعقد حاجبيه.
“السيّد إيليا! هل أنتَ بخير؟”
أبعد إيليا يده بوجهٍ مذهول.
“إنه مؤلم.”
و ما إن قال ذلك حتّى سال الدّم من أنفه.
فتحت راينا فمها على مصراعيه.
لقد ضربت إيليا و تسبّبت له بنزيف أيضًا.
“أنتَ تنزف!”
أخرجت راينا منديلًا من جيبها.
لكن قبل أن تُعطيه إيّاه، مسح إيليا طرف أنفه بظهر يده.
“آنسة راينا.”
قال بوجهٍ جادّ.
“اضربيني مرّةً أخرى.”
لمعت عينا إيليا.
“أرجوكِ، تسبّبي لي بمزيدٍ من الألم.”
تراجعت راينا خطوةً من دون وعي.
‘إنه منحرف.’
إذًا، لوسيوس و إيليا من نفس النّوع.
لا بدّ أنّ منحرفًا تعرّف على منحرفٍ آخر و أصبحا صديقين.
“لقد أخبرتكِ، أليس كذلك؟”
تدخّل جوناثان ضاحكًا بخفّة.
“أخبرتكِ أن هذا الشخص سيسبّب المتاعب إن أُكِـل.”
في تلك اللّحظة.
“ما هذه الضّوضاء؟”
ظهر لوسيوس أمامهم.
كان قد خرج للبحث عن راينا و كاليكس، فعثر على الثّلاثة.
لسببٍ ما، كان إيليا ينزف من أنفه، و جوناثان، الذي ظنّ أنّه لن يحضر، كان يقف بجانب راينا.
“وصل الزوج الأساسيّ.”
همس جوناثان لراينا، فضربته بمرفقها في خاصرته.
“الزوج الأساسيّ؟”
عقد لوسيوس حاجبيه.
شعرت راينا بدوارٍ مفاجئ.
* * *
قرّرت راينا أن تُعيد جوناثان أوّلًا.
قالت له إنّ والديها، الكونت و الكونتيسة كرولوت، ينتظرانه ليحيّيهما.
احتجّ جوناثان قائلًا إنّ الأمور ستصبح أكثر متعةً من الآن فصاعدًا، لكنّه تراجع عندما رأى نظرة راينا الحادّة.
“ما الذي يحدث هنا بالضبط؟”
“كان هناك سوء فهم، و نحن كنّا نوضّحه.”
قال إيليا، و قد بدا أنّه استعاد رباطة جأشه فور ظهور لوسيوس، فابتسم ابتسامةً ودودة كعادته.
“و لـماذا يبدو وجهكَ على بهذا الشكل؟”
“عن طريق الخطأ، تلقيتُ ضربةً من الآنسة راينا.”
لم يهدأ حاجبا لوسيوس المعقودان بسهولة.
فلم يقل أنها ‘ضربتني عن طريق الخطأ’، بل ‘تلقيتُ ضربةً عن طريق الخطأ’.
“آنسة راينا، أرجو أن تنسي ما بدر منّي من تصرّفٍ مشينٍ قبل قليل.”
و كيف يُمكن نسيان ذلك؟
أدركت راينا أنّ نهرًا لا يُعبر قد نشأ بينها و بين إيليا.
و عندما لاحظ إيليا موقفها المتحفّظ، ابتسم بمرارة.
“أنا لستُ شخصًا ذا ميولٍ غريبة.”
و ضغط أنفه بقوّة بمنديله.
“لوسيوس لا يستطيع الشّم.”
و حين أبعد المنديل، بدا وجهه أنقى ممّا كان، مع أنّ طرف أنفه و ما حوله ظلّ محمرًّا.
“و أنا لا أشعر بالألم.”
“ماذا؟”
“و بفضل ذلك، تعرّفتُ إلى لوسيوس. فقد زُجّ بي أيضًا كجنديٍّ صغير في المعركة التي شارك فيها.”
لأنّ إيليا لا يشعر بالألم، لم يعرف الخوف و لا الرّهبة. فهو لم يختبر يومًا، و لو بشكلٍ قريب، الإحساس بالألم المصاحب للموت.
و لهذا، كان ينهض مرارًا حتّى بعد أن يُجرح بسيفٍ أو تُكسر عظامه.
بل كان الأشخاص من حوله هم مَنٔ يوقفونه خوفًا من أن يموت.
و كان الفرسان ينفرّون من إيليا الذي يتحرّك و كأنّه نصف ميّت أكثر ممّا ينفرّون من لوسيوس، الذي تُشاع عنه قصص شرب دماء الوحوش.
“عندما رأيتُ لوسيوس، شعرتُ أنّه غير عادي مثلي، فلفت ذلك انتباهي.”
ومن خلال رؤيته لوسيوس يشرب دماء الوحوش، أدرك إيليا شيئًا.
‘إنّه، مثلي، يملك فراغًا لن يُملأ أبدًا.’
أراد إيليا أن يصبح صديقًا للوسيوس، لأنّه يشبهه.
“و لم يكن مخيفًا بالنّسبة لي.”
ذلك الموقف أثار اهتمام لوسيوس.
فمقارنةً بأولئك الذين يرتجفون خوفًا، كان التعامل مع إيليا، الذي لا يخشاه إطلاقًا، أسهل.
“قد تظنّون أنّ عدم الإحساس بالألم أمرٌ جيّد، لكنّه ليس كذلك.”
ابتسم إيليا بمرارة.
“فالحياة تصبح مملّةً جدًّا.”
لذلك، كان إيليا يتعمّد البحث عن الأشياء المثيرة.
ولهذا السّبب أصبح تاجرًا في السّوق السّوداء.
فالحياة العاديّة كانت مملّة.
و كان لا بدّ من بيئةٍ يحدق فيها الخطر دائمًا ليشعر بأنّ حواسه الخمس حيّة.
“لكنّني شعرتُ بالألم لأوّل مرّة بسببِ قبضة الآنسة راينا، ففقدتُ رباطة جأشي.”
“و لماذا أشعرُ أنّك لا تحسّ بالألم إلّا من قبضتي؟”
“أليس لوسيوس أيضًا لا يستطيع شمّ أي رائحة إلّا منكِ؟”
لم يعتقد إيليا أنّ وجود راينا كفيل بشفاء مَنْ يعانون من أمراض مزمنة.
لكنّه افترض أنّها قادرة على إعادة تنشيط حاسّة الشّم أو الإحساس بالألم مؤقّتًا.
“حقًّا.”
أطلق إيليا تنهيدةً كسولة.
“كانت قبضة الآنسة راينا أكثر شيء مثير اختبرته في حياتي. مررتُ بالكثير من المواقف الخطرة في التّجارة غير الشّرعيّة، لكن لم يخفق قلبي كما الآن.”
“…….”
“أشعر أنّني قد أدمن ذلك.”
تمتم إيليا كمَن يحدّث نفسه، ثمّ نظر إلى راينا.
“إن كان لديكِ أيّ طلب، سألبّيه، فهلّا ضربتِني مرّةً كلّ فترة؟”
“احلم بذلك.”
جاء ردّ راينا على الفور، فظهرت خيبة الأمل على وجه إيليا.
رغمَ أنّها شعرت بشيءٍ من الشّفقة عليه لعدم إحساسه بالألم، إلّا أنّ هذا طلب غير مقبول.
“إذًا، لماذا ضُربتَ؟”
سأل لوسيوس إيليا بصوتٍ يختلط فيه شيء من الانزعاج.
“آه، ذلك…..”
“ليس شيئًا مهمًّا.”
قاطعته راينا على عجل.
لم ترد منه أن يخبر لوسيوس بسوء الفهم الغريب الذي فكّر فيه جوناثان.
“على أيّ حال، طرأ تعديل على علاقتنا كخطيبين.”
“تعديل؟”
رفع لوسيوس إحدى حاجبيه.
“يبدو أنّنا لا نبدو كشخصين مخطوبين في نظر بقيّة النّبلاء إطلاقًا.”
سأل لوسيوس إن كان من الضّروريّ أن يبدوا كذلك.
فشرحت له راينا، مستندةً إلى حديث الآنسات الذي سمعته سابقًا.
“أظنّ أنّ علينا القيام بحدٍّ أدنى من التلامس الجسديّ في المناسبات العامّة.”
و بينما ترى عدم رضاه واضحًا، تابعت راينا.
“و من الأفضل أن نختلق قصّةً عن كيفيّة وقوعنا في الحبّ و انتهاء الأمر بنا إلى الخطوبة. و أيضًا….”
شبكت راينا ذراعها بذراعه.
“علينا أن نُعيد تأديب خدم قصر إنغرسول على نحوٍ جادّ.”
فأخبار القصر كانت تتسرّب إلى الخارج.
التعليقات لهذا الفصل " 52"