مع بدء تناول الطّعام على نحوٍ جادّ، بدأت الأجواء الصّاخبة في قاعة المأدبة تهدأ تدريجيًّا.
و في تلك الأجواء، اختُتمت مائدة الطّعام بسلام.
اقترب مارتن من لوسيوس و سأله.
“لماذا جلبتَ كاليكس إلى هذا المكان من دون أن تستشيرني؟”
“و هل كان يحتاج الأمر إلى استشارة؟”
عند كلمات لوسيوس، ارتسمت على وجه مارتن ملامح الذّهول.
“إخفاء وجود كاليكس حتّى الآن كان أمرًا متّفقًا عليه بيني و بينكَ. لا، بل أكثر من ذلك.”
تابع مارتن كلامه بحزم.
“كان اتفاقًا بين جميع أفراد أسرة دوقية إنغرسول الكبرى.”
كانت أسرة دوق إنغرسول الأكبر لا ترغب في انكشاف أمر الطّفل الملعون.
فلو استمرّ الطّفل في المعاناة من مرضٍ نادر ثمّ مات، لانتشرت الشائعات عنهم لا محالة.
و فوق ذلك، كانت أسرة الدّوق إنغرسول قد عانت سابقًا من الشّائعات فترةً طويلة بسبب الموت الغامض لدوق أنغرسول الأول.
“ألا تعلم أنّ تصرّفكَ هذا قد يُلحق بالأسرة خسارةً فادحة؟”
وبّخ مارتن لوسيوس على تهوّره.
“لن يكون في ذلكَ ضرر.”
قال لوسيوس ذلكَ ثمّ تجاوز مارتن و مشى في طريقه.
حدّق مارتن في ظهر لوسيوس بصمت، ثمّ صرف نظره.
و حين نظر في الاتّجاه الذي يقف فيه كاليكس، رأى راينا تهتمّ به.
“كاليكس، أحسنت.”
ابتسم كاليكس بخجل عند مديح راينا.
لم يعد يتذكّر كيف تناول طعامه أصلًا.
و فقط الآن شعر أنّ شيئًا قد يمرّ في حلقه على نحوٍ صحيح، و في تلكَ اللّحظة أمسك بكأس العصير.
لكن يده انزلقت، فانسكب الكأس.
شحب وجه كاليكس.
كان يظنّ أنّه أنهى كلّ شيء بسلام، لكنّه في النّهاية تسبّب بحادثٍ لا مفرّ منه.
“لا بأس.”
ربّتت راينا على كاليكس لتطمئنه.
“م، ماذا أفعل؟ لقد اتّسخت الملابس.”
“سنمسحها فقط.”
حاولت راينا أن تصطحب كاليكس للبحث عن مكانٍ لغسل اليدين، لكنّ كاليكس رفض.
“أستطيع الذّهاب وحدي.”
لم يشأ كاليكس أن يُثقل على راينا أكثر من ذلك.
وجدت راينا أنه لابدّ من استدعاء أحد خدم قاعة المأدبة ليقود كاليكس.
و بإرشاد الخادم، توجّه كاليكس إلى مكان الإغتسال و بدأ بغسل يده اللّزجة أوّلًا.
‘لو لم أسكب العصير فقط، لكان كلّ شيء مثاليًّا.’
يا له من أحمق.
كان كاليكس غارقًا في كآبته و هو يستعيد ذكرى خطأه مرارًا، عندما__
“كاليكس.”
عند الصّوت البارد، التفت كاليكس إلى الخلف مذعورًا.
كان مارتن واقفًا هناك.
“سمعتُ أنّك تعافيتَ الآن؟”
سأل مارتن لكن كاليكس لم يستطع أن يجيب بشيء.
حدّق مارتن في قمة رأس كاليكس.
“هل نسيتَ كيف تتكلّم خلال هذه المدّة؟”
“ل، لا.”
“إذًا لماذا لا تُجيب؟”
ارتفع طرف فم مارتن بزاوية مائلة.
“هل قرّرتَ أنتَ أيضًا أن تتجاهل كلام هذا العمّ، مثل أخيكَ؟”
هزّ كاليكس رأسه بسرعة نافيًا.
“ج، جسدي أصبح أفضل.”
كان كاليكس يتلعثم في كلامه، لكنّه بذل قصارى جهده ليُكمله.
كان يتلعثم على نحوٍ أشدّ كلّما وقف أمام مارتن.
تأمّل مارتن فيه طويلًا، ثمّ فتح فمه ببطء.
“كاليكس، ما الذي كنتَ تفكّر فيه عندما أقدمتَ على هذا التصرّف؟”
“……”
“ألا تعلم أنّ ظهوركَ أمام النّاس سيُحرج شقيقكَ؟”
كان هذا كلامًا أوصى به مارتن كاليكس مرارًا و تكرارًا.
“ق، قال الدّوق إنّه ي، يمكنني الحضور…”
“و هل صدّقتَ ذلك الكلام؟”
وبّخ مارتن كاليكس لأنّه لم يدرك أنّها كانت مجرّد كلمات مجاملة.
“طوال وقت الطّعام، كان وجهي يحترق خجلًا لدرجة لا تُحتمل.”
“……”
“ألا تعلم أنّ النّاس لم ينظروا إلّا إلى يديكَ؟”
“نعم؟”
“من أين تعلّمتَ آداب المائدة؟ لقد علّمتكَ مرارًا، و مع ذلكَ ما زلتَ لا تُحسن كيف تمسك السّكين و الشّوكة.”
ازداد وجه كاليكس شحوبًا.
لقد نسي ذلك بسبب شدّة توتّره.
ولأنّ راينا و لا لوسيوس لم يُشيرا إلى آدابه على المائدة، لم يشعر بشيء.
“و في مناسبة أنّ الإعلان فيها أخيرًا أنّكَ من دم أسرة دوق إنغرسول.”
“……”
“حجزتَ عن إتقان أمرٍ تافه كهذا، و جعلتنا موضع عار.”
أخفض كاليكس رأسه بشدّة و قبض يده بقوّة.
“عُـد إلى القصر الآن.”
“نعم؟”
“ماذا، هل تريد البقاء هنا لتلطّخ سمعة الأسرة أكثر؟”
هزّ كاليكس رأسه بهدوء نفيًا.
* * *
عندما لم يعد كاليكس، خرجت راينا تبحث عنه.
و أثناء بحثها، صادفت الخادم الذي كان قد اصطحب كاليكس، فسألته.
“أين كاليكس؟”
“قال إنّه يريد الرّاحة، فعاد إلى القصر.”
تراءى أمام عينيّ راينا كاليكس و هو يسكب العصير و يقف حائرًا.
‘هذا يعني أنّه كان متوتّرًا للغاية.’
و بدلًا من إبقائه طويلًا، كان من الأفضل أن يرتاح بعد أن أظهر نفسه.
تمنّت راينا أن تنتهي حفلة الخطوبة سريعًا، ثمّ عادت بخطواتها إلى قاعة المأدبة.
و أثناء سيرها في الرّواق، سمعت أصوات مجموعة من آنسات النّبلاء يتحدّثن.
“هل رأيتِ ذلك؟ هل يبدو هذا مظهر شخصين مخطوبين أصلًا؟”
توقّفت راينا فجأة.
‘هل يتحدّثن عنّي أنا و لوسيوس؟’
و من دون وعي، اختبأت راينا خلف عمودٍ و أخذت تتنصّت على حديثهنّ.
“حتّى عند دخولهما القاعة، لم يكونا متشابكَي الأذرع.”
“و كانت تعابير وجه دوق إنغرسول مثيرة للسّخرية حقًّا. ظلّ يطلق التنهّدات واحدةً تلو الأخرى، لدرجة أنّني خفت أن يقلب القاعة رأسًا على عقب.”
“و ليس هذا فقط. رأيتُها تميل نحوه، فابتعد عنها الدّوق بوضوح.”
شعرت راينا بالذّهول.
أهكذا كان مظهرها مع لوسيوس في أعين النّاس؟
“تلكَ المرأة المسماة راينا، إنّها حقًّا مدهشة إن كان لا بدّ من وصفها.”
“تتصرف و كأنّها أصبحت دوقة بالفعل، و قد استقرّت في قصر إنغرسول.”
“هي وحدها المتعلّقة به، أمّا الدّوق فلا يبدو مهتمًّا. لماذا وصل الأمر إلى الخطوبة أصلًا؟”
حينها، ضحكت إحدى الآنسات بخبث.
“سمعتُ شائعة مضحكة.”
“و ما هي؟”
“يقولون إنّ تلك المرأة حامل بطفل دوق إنغرسول.”
أبدت الآنسات ردود فعلٍ مذهولة.
و كانت راينا مذهولة مثلَهنّ تمامًا.
“سمعتُ الخادمات في القصر يتحدّثن. يقلن إنّها تتسلّل ليلًا إلى غرفة نوم دوق إنغرسول.”
“يا إلهي، هذا مرعب.”
“أتظنّين أنّ دوق إنغرسول سيتساهل إلى هذا الحدّ؟ أظنّه سيقتلها فحسب.”
“قد نرى خبرها قريبًا في نشرة الإمبراطوريّة. النّهاية البائسة لامرأةٍ كانت تتوسّل الحبّ.”
أطلقت راينا ضحكةً فارغة.
حبٌّ؟ هذا هراء.
“ألم تلاحظن نظرتها المتلهّفة، كأنّها تريد التقرّب منّا؟ لا أريد حتّى أن أتعامل معها.”
“جنون. لا أريد التورّط معها أبدًا. سيجعلنا ذلك نبدو وضيعين مثلها.”
“فلنخبر أيضًا الفتيات اللّواتي لم يحضرن اليوم. عليهنّ أن يحذرن آنسة عائلة كرولوت.”
“صحيح. لا نريد أن ندمّر حياتنا نحن أيضًا.”
ضحكت الآنسات بصوتٍ عالٍ، ثمّ اتّجهن مجدّدًا نحو قاعة المأدبة.
و حين تلاشت أصوات خطواتهنّ، أطلقت راينا تنهيدةً طويلة.
‘هذا وضعٌ مُحرج حقًّا.’
كانت تريد بناء علاقاتٍ مع النبلاء، لكنّ الأمور انقلبت ضدّها قبل أن تبدأ أصلًا.
“كنتُ أتمنّى ألّا يحدث هذا.”
فزعت راينا و التفتت خلفها.
كان إيليا الذي لا تعلم متى قد وصل ، يقف خلفها.
“حتّى بالنسبة لي، بدا مظهركما جامدًا أكثر من اللّازم. إنّه خطئي لأنّني لم أضع ذلك في الحسبان مسبقًا.”
فكّر إيليا قليلًا ثمّ قال.
“يبدو أنّنا سنحتاج إلى بعض التمثيل ليبدو الأمر كخطوبة حقيقيّة.”
“تمثيل؟”
عقدت راينا حاجبيها.
“يجب أن يبدو الأمر و كأنّكما تحبّان بعضكما كثيرًا، إلى درجة أنّكما أقدمتما على الخطوبة دفعةً واحدة.”
قطّبت راينا جبينها.
“إنّها خطوبة ستُفسخ على أيّ حال. لو أظهرنا ذلك، ستنتشر شائعات غريبة حتّى عند فسخها.”
“و لماذا قد يقلقكَ ذلك؟ لوسيوس هو مَنٔ سيتحمّل سبب فسخها.”
هزّ إيليا كتفيه.
“سأقدّم راينا في صورة الضحيّة المسكينة، و أجعل من لوسيوس شخصًا سيّئًا للغاية.”
قال إيليا بثقة.
“لذا، من الأفضل أن تبدئي من الآن ببعض التلامس الجسدي المناسب مع لوسيوس.”
“تلامس جسدي؟”
بدت على راينا ملامح التردّد.
“لا أطلب منكِ شيئًا مبالغًا فيه. على سبيل المثال…”
ألقى إيليا نظرةً على ذراع راينا، ثمّ مدّ يده.
و بعد لحظة، شبك ذراعه بذراعها.
“عند الظهور معًا أمام النّاس، يجب عليكما تشابك الأذرع على الأقل ، هكذا.”
ابتسم إيليا و هو ينظر إلى رلينا.
“ما رأيكِ؟ هل تشعرين بالانزعاج؟”
“نعم؟”
“إن لم يكن الأمر مزعجًا معِي، فلن يكون مختلفًا مع لوسيوس. اعتبريه عملًا، و لا تُكبّري مسألة تشابك الأذرع.”
قال إيليا ذلك وقد لاحظ ثقل العبء على راينا.
“و إلى جانب ذلك.”
أمسك إيليا بيد راينا و سحبها نحو ياقة ثوبه.
“تظاهري أحيانًا بأنّكِ تعدّلين ملابس لوسيوس.”
“لماذا؟”
“قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنّه من التصرّفات التي تبدو حميميّة للغاية في أعين الآخرين.”
كانت راينا على وشكِ أن تقتنع شيئًا فشيئًا بكلام إيليا.
“يا إلهي، راينا.”
هذا الصّوت.
اتّسعت عينا راينا و التفتت خلفها.
كان جوناثان يقف وراء راينا و إيليا.
“هل هو تخونين خطيبكَ في يوم خطوبتكما؟”
كان يرفع طرف فمه بابتسامةٍ توحي بأنّه شاهد مشهدًا ممتعًا للغاية.
التعليقات لهذا الفصل " 51"