أُقيم أخيرًا حفل خطوبة راينا و لوسيوس.
أُجري الحفل في قاعة الاحتفالات بقصر إنغرسول.
بما أنّهما قرّرا دعوة عدد كبير من النّبلاء حسب نيّتهما، كانت صفوف العربات الدّاخلة إلى القصر لا تنقطع.
بعد أن انتهت راينا من الزّينة و نزلت، شعرت بالغرابة عند رؤية لوسيوس.
كان يرتدي الزّي الرّسميّ، فشعرت حقًّا أنّهما على وشك عقد الخطوبة.
دخلا إلى القاعة معًـا.
في اللّحظة التي ظهرا فيها، ساد الصّمت فجأة.
توقّف النّبلاء عن أحاديثهم الجماعيّة و نظروا إلى راينا و لوسيوس.
شعرت راينا بالضّغط من كثرة النّظرات المسلّطة عليها.
“راينا.”
تقدّم الكونت و الكونتيسة كرولوت نحوها.
“هناك الكثير من الأشخاص الذين يريدون التحدّث إليكِ منذ زمن.”
طلب الزوجان إذن لوسيوس، ثمّ أخذا راينا معهما.
تبعتهما راينا و قامت بإلقاء التحية على النّبلاء.
كانوا جميعًا ودودين للغاية معها.
بدت الشائعات السيّئة عنها في المجتمع الرّاقي مجرّد كذب محض.
طرحوا عليها أسئلة خفيفة بطريقة ودّيّة.
لكن قبل أن تفتح راينا فمها، كان الكونت و الكونتيسة كرولوت يتدخلان و يجيبان نيابة عنها.
‘لماذا قاما بإحضاري للتعرف عليهم إن كانا سيجيبان بدلا منّي؟’
ألقت راينا نظرة نحو لوسيوس.
على خلافها هي التي كانت محاطة بالنّاس، كان لوسيوس يقف وحيدًا بعيدًا.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه ليبدأ الحديث.
‘لا يمكن أن يبقى هكذا!’
تركت راسنا الكونت و الكونتيسة كرولوت يتحدّثان مع النّبلاء، و تقدّمت نحو لوسيوس.
“سموّ الدّوق. يجب أن تلقي التحية على الآخرين.”
لم يجب لوسيوس.
رغم أنّهما قرّرا جعل الحفل أكبر من أجل تحقيق أهدافهما، إلّا أنّه لم يكن يريد فعليًّا بناء علاقات مع النّبلاء.
لاحظت راينا ذلك، فقرّرت أن تتدخّل.
انحنت نحو لوسيوس و همست له.
“أي منهم هم الدوقات الأربعة الكبار؟”
أرادت راينا معرفة الثّلاثة الآخرين غير لوسيوس.
بقي لوسيوس على وضعه صامتًا دون أن يجيبها.
“سموّ الدّوق؟”
ابتعد لوسيوس قليلاً عنها.
نظر حوله ثمّ أشار بعينيه نحو باب القاعة.
“إنهم يدخلون الآن.”
كان مارتن يدخل مع ثلاثة رجال في منتصف العمر.
بالفعل، كانوا يتمتّعون بهيبة مختلفة، كما يليق بدوقات يسيطرون على الإمبراطوريّة.
كانوا يبدون كأنّهم لن ينزفوا حتّى لو طُعنوا.
قادهم مارتن نحو لوسيوس.
‘علاقة مارتن مع هؤلاء الدوقات قويّة حقًّا.’
من تصرّفاته، بدا الأمر و كأنّ سيّد عائلة إنغرسول هو مارتن و ليس لوسيوس.
و لم يبدُ مارتن محرجًا من ذلك حتّى.
“لوسيوس، دعني أقدّمكَ إليهم.”
قدّم مارتن الدوق ويسلر، و الدوق بولوك، و الدوق كيرك واحدًا تلوى الآخر.
“ها نحن نلتقي أخيرًا بدوق إنغرسول. كنتُ أتمنّى رؤيتكَ منذ زمن طويل.”
“نحن ممتنون لجهودكَ التي تبذلها من أجل الإمبراطوريّة.”
كلّ واحد منهم تكلّم مع لوسيوس بجملة.
رغم جوّهم الصّارم، كانوا يتحدّثون بلباقة اجتماعيّة.
“و هذه خطيبته، الآنسة راينا كرولوت.”
قدّم مارتن راينا إليهم هذه المرّة.
“سررتُ بلقائكم.”
قامت راينا بتحيتهم باحترام وفق الآداب.
تلقّوا تحيّتها، لكنّهم لم يتكلمو معها.
اكتفوا بمسحها بنظراتهم من الأعلى إلى الأسفل.
شعرت راينا بالازدراء في تلك النّظرات.
عادةً، يجب أن تكون الدّوقة من عائلة في نفس المستوى.
لكن عائلة الكونت كرولوت كانت أقلّ بكثير من ذلك.
و المشكلة الأكبر هي سمعتها.
رغم خطوبتها للوسيوس، إلا أنهم كانوا ينظرون إليها بازدراء لأنّها كانت تقيم في القصر من قبل.
“الآن و قد وصل جميع الضيوف المهمّين، فلنبدأ الحفل.”
تقدّم مارتن مرّةً أخرى.
كانت الطّاولات في القاعة محدّدة لكلّ مدعوّ.
جلس لوسيوس و راينا و عائلتاهما في الطّاولة الرّئيسيّة في الوسط.
جلسا في المقعدين الرّئيسيّين، و توزّع ضيوف العائلتين على الجانبين.
لاحظت راينا مقعداً فارغًا على جانب عائلة كرولوت.
‘جوناثان لم يأتِ في النّهاية.’
كان حضوره سيسبّب إزعاجًا فقط، فرأت راينا أنّ غيابه أفضل.
“لماذا تجلسان متباعدين هكذا؟”
سأل الكونت كرولوت باستغراب و هو يشير إلى المقعد الفارغ بين راينا و لوسيوس.
“هناك شخص سيجلس هنا.”
“مَنٔ…؟”
في اللحظة التي كانت الكونتيسة كرولوت تسأل فيها__
دخل ضيف متأخّر إلى القاعة.
مع صوت فتح الباب، التفت الجميع ثمّ أخفضوا نظرهم قليلاً.
كان الضيف المتأخّر فتى صغيرًا.
كان كاليكس.
كان يرتدي زيّا أبيض، و وجهه يبدو متوترًا للغاية.
مع نظرات الجميع المسلّطة عليه، تحرّكت يداه و قدماه في وقت واحد.
مشى بطريقةٍ متوتّرة حتّى وقف أمام لوسيوس و راينا.
كان يحاول جاهدًا ألا ينظر حوله لأنّه كان يعرف مصدر أكثر النّظرات إيلامًا و التي كانت تطعنه الآن.
‘عمّي يحدّق بي الآن.’
كما توقّع كاليكس، تغيّر وجه مارتن منذ لحظة ظهوره.
في البداية اتّسعت عيناه بدهشة، ثمّ أصبحت نظرته باردة إلى أقصى حدّ و هو يتابع كاليكس.
لم تتمّ استشارة مارتن حول دعوة كاليكس إلى الحفل.
“كاليكس، اجلس.”
ضربت راينا المقعد الذي بينها هي و لوسيوس بفخر.
جلس كاليكس بخجل بينهما.
“مَنٔ يكون هذا الفتى…؟”
“إنه أخي.”
عندما تأكّد الكونت و الكونتيسة كرولوت من هويّته، أبديا فضولاً ثمّ أصبحا مرتبكين.
‘أن يأتي بأخيه إلى حفل يجمع هذا العدد من النّبلاء.’
كان وجوده مخفيًّا حتّى الآن.
شعر الكونت و الكونتيسة كرولوت بخيبة أمل لأنّ سرّ عائلة إنغرسول الذي كان يعرفه القليلون أصبح معروفاً للجميع.
سرعان ما استقرّت النّظرات على عينيّ كاليكس الحمراوين.
لم يكن في عائلة إنغرسول أو عائلة الدّوقة السّابقة مَنٔ يمتلك عيونًا حمراء.
أبدى النّبلاء الآخرون نفس التّساؤل الذي كان في ذهن الكونت.
“كان كاليكس يعاني من المرض حتّى الآن، لذا لم يتم الإعلان عن وجوده رسميًّا.”
تحدّث لوسيوس بهدوء.
بما أنّ وجود كاليكس أصبح معلنًا بشكلٍ رسميّ الآن، كان يجب توضيح الأمور لمنع انتشار الشائعات.
“لحسن الحظّ، تحسّنت صحّته مؤخّرًا، لهذا أردنا استغلال هذه الفرصة لتقديمه.”
عند سماع أنّ صحّة كاليكس تحسّنت، أصبحت نظرة مارتن إلى لوسيوس غريبة.
“هذا أمر رائع.”
ابتسم الكونت كرولوت بتسامح بعد أن فهم نيّة لوسيوس بسرعة.
“رغم صغر سنه، إلّا أنّ عينيه تظهران ذكاءً كبيرًا مثل صاحب السّمو.”
أخفض كاليكس نظره بانزعاج، لكنّ الكونت واصل كلامه دون اكتراث.
“يمكن اعتبارها مناسبة مزدوجة. خطوبة، و احتفال بشفاء الصغير كاليكس.”
أضافت الكونتيسة بابتسامة.
“تبدو راينا كتميمة للحظّ. بعد ولادتها، تحسّنت أوضاع عائلة كرولوت أكثر.”
كأنّها تقول أنّ شفاء كاليكس حدثَ بفضل راينا، كانت ترفع من شأنها بطريقةٍ غير مباشرة.
“أنا أيضًا أعتقد ذلك.”
عندما أيّد لوسيوس كلام الكونتيسة، نظر الجميع إليه بدهشة.
بالنّسبةِ له، كان تحسّن صحّة كاليكس بفضل راينا، لهذا فكلامه طبيعيّ و منطقيّ.
لكنّ الأشخاص الآخرين الذين لم يكونوا على علم بذلك ، تفاجؤوا.
‘لم أكن أعرف أنّ لوسيوس يجيد الكلام المعسول هكذا.’
نظرت الكونتيسة إلى راينا بفخر و إعجاب.
‘ابنتي رائعة.’
شعرت بفخر شديد بابنتها التي استطاعت كسب قلب لوسيوس.
“إذن، فلنبدأ الوليمة.”
قال لوسيوس ليختم الموضوع.
أمسكت راينا بيد كاليكس تحت الطّاولة.
رفع كاليكس عينيه إليها أخيرً.
ابتسمت راينا في وجهه بدلاً من الكلام فأطلق كاليكس الصّعداء أخيرًا.
لم يكن عدد النّاس الحاضرين اليوم كبيرًا إلى درجة لا يطيقها كاليكس.
بالإضافة إلى ذلك، لم ينظروا إليه بازدراء بعد تقديمه بصفته شقيق لوسيوس.
بل رحّبوا به و قاموا بمدحه.
رسم كاليكس ابتسامة اتباعا لابتسامة راينا.
رفع مارتن كأسه إلى فمه و هو ينظر إلى كاليكس الذي يبتسم ببراءة.
كانت ابتسامته المشوهة قد اختفت خلف الكأس.
التعليقات لهذا الفصل " 50"