زار إيليا قصر إنغرسول.
بما أنّ حفل الخطوبة على الأبواب، جاء ليتفقّد مدى تقدّم التّحضيرات.
“بالنّسبة للسّيدة راينا…”
نظر إيليا إلى الإكسسوارات و الهدايا التي اختارتها راسنا، و اختار كلماته بعناية.
“ذوقكِ فريد جدًّا”
ابتسم بصعوبة و هو يرفع زاوية شفتيه.
“هذا يعني أنّه سيّئ؟”
كانت راينا قد رأت هذا التّعبير المرتبك على وجوه الخادمات من قبل.
“ليس سيّئًا، بل إن مزيج الألوان جريء و مميّز للغاية.”
“……”
“سيدتي راينا، إن سمحتِ لي، هل يمكنني اختيارها بدلاً عنكِ؟”
هزّت راينا رأسها على الفور.
“إذن اتركي الأمر لي و استريحي.”
في تلكَ اللحظة، رأت راينا رينا هالة من الضّوء خلف إيليا.
“شكرًا لك.”
رفع إيليا حاجبيه بدهشة.
“أنتَ تساعدني في الكثير من الأمور. لا بدّ أنّها متعبة.”
“أنا أفعل ذلك لأنّني أستمتع به.”
رسم إيليا ابتسامة على وجهه.
لم تعد راينا تشعر أنّ ابتسامته مريبة.
و بعد أن أوكلت الأمر إليه و ارتاحت قليلاً، ذهبت راينا للبحث عن لوسيوس.
كان ذلكَ لمناقشة موضوع القربان الثّاني الذي ذكره الرّوح.
“قال إنّهم النّاس الذين ينتمون إلى ‘المكان الذي لا يأتيه الرّبيع أبدًا’. ما رأيكَ؟”
و أضافت راينا كلام الرّوح حول أنّ البحث بين النّبلاء الفاسدين قد يؤدّي إليهم.
“كلامه ليس خاطئًا في النهاية.”
أبدى لوسيوس موافقته على كلام الرّوح.
“إذن، هل يمكننا حقًّا الحصول على أدلّة من النّبلاء المدعوّين إلى حفل الخطوبة؟”
“يجب أن نجعل الأمر كذلك.”
توقّف لوسيوس قليلاً ثمّ سأل راينا.
“و ماذا عن كاليكس؟”
“ماذا؟”
“كاليكس يخاف من الأماكن المزدحمة.”
توقّع لوسيوس أنّ كاليكس سيكون متوترًا بسبب حضوره لحفل الخطوبة.
“ربّما نكون نحن مَنٔ نثقل عليه.”
“لماذا لا تسأله بنفسكَ مباشرة، سموّ الدّوق؟”
عبس لوسيوس قليلاً.
“أنتِ أيضًا رأيتِ ذلك. عندما أقترب منه، يغلق فمه كالمحار.”
“هل ستظلّ تبتعد عنه إلى الأبد؟”
“ربّما.”
أغمض لوسيوس عينيه و هو يفكر.
“ربّما من الأفضل أن ننتظر لكي يحل الوقت المشكلة بدلاً من فرض تحسين العلاقة.”
“لكنّ التّأخير قد يجعل الأمر أصعب لاحقًا”
لم يجب لوسيوس فأمالت راينا رأسها متسائلة.
‘يبدو غريبًا أنّه سلبيّ جدًّا عندما يتعلّق الأمر بكاليكس.’
كان حذره الزّائد يجعل كاليكس يشعر أنّ لوسيوس غير مهتمّ به على الإطلاق.
تردّدت راينا قليلاً ثمّ سألت.
“أنتَ أيضاً تريد تحسين علاقتكَ بكاليكس، أليس كذلك، يا سموّ الدّوق؟”
لم يجب لوسيوس بل قام بتغيير الموضوع.
“ماذا يفعل إيليا الآن؟”
“إنه يتولّى مهام الخطوبة نيابة عني.”
“من الأفضل أن تتركيها له.”
“……هل أنتَ أيضًا ترى أنّ ذوقي سيّئ؟”
“أنا فضوليّ فقط.”
اتّسعت عينا راينا.
فضوليّ؟
“الكونت و الكونتيسة كرولوت يجمعان الأشياء الفاخرة، أليس كذلك؟”
“……”
“من الطّبيعيّ أن يتأثّر ذوقكِ بعد نشأتكِ معهما. لكنّكِ تمتلكين ذوقًا يجعلكِ تبدين و كأنّكِ نشأتِ في بيئة مختلفة تمامًا.”
شعرت راينا بالذّنب فقامت هي بتغيير الموضوع هذه المرّة.
“بالمناسبة، ما هي هوية إيليا بالضّبط؟”
كانت تسأله بجدّيّة رغم أنّها غيّرت الموضوع.
“لم أرَ نبيلاً يعمل في التجارة السرية من قبل.”
إذا كان قد نشأ في رفاهية، فلماذا يفعل ذلك؟
“إيليا لم يكن نبيلاً أصلاً.”
قال لوسيوس بهدوء.
“هو نبيل جديد اشترى لقبه بالمال.”
“بالمال الذي جناه من هذا النوع من التجارة؟”
هزّ لوسيوس رأسه فازداد فضول راينا.
“إن لم يكن سؤالاً وقحًا، هل يمكنكَ إخباري كيف أصبحتما صديقين؟”
“التقينا لأوّل مرّة في سنّ المراهقة.”
فكّر لوسيوس قليلاً ثمّ أضاف.
“و بطريقةٍ ما، أصبحنا نصاحب بعضنا.”
يبدو أنّه لا ينوي الإجابة بالتّفصيل.
‘في سنّ المراهقة…’
تذكّرت راينا القصّة التي رواها إيليا عن لوسيوس.
أخبرها إياها إيليا و كأنه سمعها من مكان ما لكنّ التّفاصيل كانت دقيقة كأنّه شاهد الأحداث بنفسه.
ربّما التقيا في تلك الفترة.
‘آه.’
نظرت راينا إلى لوسيوس بعيون تلمع.
“دم الوحش!”
نظر إليها لوسيوس بعبوس لسماعه لمثل هذا الكلام المفاجئ.
“قيل إنّكَ شربت دم الوحش. الآن فهمتُ.”
“……”
“بما أنّك لا تشمّ الرّوائح، فقد شربته دون تردّد، أليس كذلك؟”
حتّى لو لم يكن دمًا حقيقيًّا، سيكون طعمه مقرفًا، لذا أغلب الأشخاص كانوا سيتوقّفون في المنتصف.
‘لكن إن لم تمتلك حاسّة شمّ، فلن تشعر بالطّعم كثيرًا.’
انتشرت شائعة سخيفة بأنّ لوسيوس شرب دمًا و هذا كان بسببِ مشكلة حاسّة الشّمّ التي يعاني منها.
‘ربّما الشّائعات الأخرى المتعلقة به ظهرت بنفس الطّريقة.’
عندما فكّرت في ذلك، لم تعد تجد لقب “الدّوق الوحش” مخيفاً إلى تلكَ الدرجة.
“حتّى لو كانت حاسّة الشّمّ لديّ سليمة، لما تردّدتُ في شربه.”
“لماذا؟”
“لأنّهم أرادوا رؤية ضعفي.”
“……”
“حتّى لو كان دمًا حقيقيًا، لكنتُ شربته.”
نعم، مخيف حقًّا.
أدركت راينا أنّ لقب الدّوق الوحش يناسبه تمامًا.
“إيليا رأى ذلك و مع ذلك أصبح صديقكَ، إنّه رائع.”
ابتسم لوسيوس ابتسامة خفيفة.
“ألم يخبركِ إيليا بقصّته؟”
“ماذا؟”
“في ذلك الوقت، كان إيليا أشهر منّي.”
كيف يمكن أن يكون إيليا أشهر من لوسيوس؟
“عندما رأيته لأوّل مرّة، فكّرتُ أنّني لا أريد التورّط مع شخص مثله.”
“……”
“لكن مع مرور الوقت، أدركتُ أنّ الأشخاص من أمثاله أسهل في التعامل معهم، و هذا ما جعلني أصل إلى هنا.”
فهمت راينا كلامه على أنّهما يناسبان بعضهما.
‘ما الذي فعله إيليا بالضّبط؟’
أرادت راينا السّؤال، لكنّ لوسيوس قال إنّ عليها سؤاله مباشرة إن أرادت.
“سأبحث في الأدلّة التي ذكرها الرّوح.”
قال لوسيوس لرلينا.
“و أنتِ راقبي حالة كاليكس.”
* * *
في تلك الأثناء.
كان كاليكس يلعب مع الرّوح التي تحولت إلى جرو.
“أحيانًا ، أنتَ تختفي تمامًا.”
توقّف الجرو الذي كان يتدحرج على السّجادة.
“لقد بحثتُ عنكَ في القصر بأكمله و لم أجدك. أين كنت؟”
ارتجف الجرو.
كان الحفاظ على هذا الشكل صعبًا، لهذا كان يضطرّ إلى الاختفاء.
“في كلّ مرّة يحدث ذلك، أفكّر في الشيء نفسه.”
تحدث كاليكس و هو يداعب بطن الجرو.
“الجميع سيتركني يومًا ما.”
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتيّ كاليكس.
“دائماً ، كان الوضع هكذا.”
تذكّر كاليكس بومر.
أخبرت راينا كاليكس باختصار عن الرّوح.
كان تمثال بومر روحًا، و لن يشفى كاليكس إلّا بتطهيره.
“في الحقيقة، لا يهمّ إن كان روحًا أم لا. المهمّ أنّ صديقي الوحيد تركني.”
و ليس ذلك فقط.
الوحش الذي كان يظهر في أحلامه لم يعد يظهر.
لم يعرف كاليكس أنّ الوحش هو الرّوح.
لأنّ الرّوح طلب من راينا عدم إخباره.
“لم أكن أكره الوحش. لأنّ…”
تباطأت يد كاليكس التي كانت تداعب بطن الجرو.
“على أيّ حال، حتّى الوحش تركني و تخلّى عني.”
……
“و الآن، مَنْ الذي سيتركني بعد ذلك؟ هل ستتخلى عني أنتَ أيضًا”
تدحرج الجرو يمينًا و يسارًا.
كان يعبّـر بجسده كلّه كأنه يقول “لا”.
“راينا أيضًا ستتركني.”
أبعد كاليكس يده عن الجرو.
احتضن ركبتيه و وضع وجهه عليهما.
“في الحقيقة، شعرتُ ببعض السّعادة عندما سمعتُ أنّ راينا ستقعد خطوبة مع أخي.”
إن تمّـت خطوبة راينا و لوسيوس و تزوّجا، فستصبح راينا عضوًا في عائلة إنغرسول.
و بذلك ستصبح عائلة لكاليكس.
“ليست كلّ العائلة تبقى معكَ دائمًا.”
غرق كاليكس في التّفكير ، ثمّ نظر إلى الجرو و سأل.
“هل تعرف ما هو القربان؟”
انقلب الجرو على ظهره فجأة.
ابتسم كاليكس ابتسامة خفيفة و هو يرى الجرو يقترب منه بخطواتٍ صغيرة.
“قال عمّي إنّ تضحيتي ضروريّة من أجل العائلة.”
موت كاليكس ضروريّ للجميع.
“عندما علمتُ أنّ راينا شخص مميّز، و أنّني قد أشفى، شعرتُ بالسعادة.”
لذلك لم يرد العودة إلى قصر إنغرسول.
لأنّ أهل القصر لا يريدون شفاءه.
“هل أخي يساعدني حقًّا؟”
أكمل كاليكس كلامه مداعبًا رأس الجرو.
“بالنّسبة لأخي، حماية العائلة أمر مهمّ جدًّا، لذلك فإن مساعدتي تتعارض مع ذلك.”
……
“لا يمكن أن أكون أهمّ من العائلة بالنّسبةِ له.”
عبس كاليكس فجأة.
ضغط على عينه اليمنى بكفّه.
منذ إصابته بالحمّى الأخيرة، كان يشعر بألم حادّ في عينه أحيانًا.
وقف الكلب على قدميه الخلفيّتين و وضع مقدمتيه على ساق كاليكس ليرى حالته عن قرب.
“لماذا هذا…”
بينما كان كاليكس يتمتم،
طق طق.
“كاليكس، إنها أنا.”
“راينا.”
رفع كاليكس يده عن عينه و ابتسم ابتسامةً عريضة.
نظر الرّوح إلى عينيه الّلتين ما زالتا بلون الياقوت، و تنهّد براحة.
التعليقات لهذا الفصل " 49"