شعرت راينا بشيءٍ من القلق فجأة، فنظرت حولها.
“ماذا تفعلين؟”
كان لوسيوس قد استلقى على السرير بالفعل، فنظر إليها.
“اقتربي.”
تردّدت راينا قليلاً ثمّ اقتربت من السرير بخطواتٍ بطيئة.
أمسكت يديها معً و وضعتهما فوق بطنها بأدب، ثمّ نظرت إليه من الأعلى.
رفع لوسيوس عينيه و نظر إليها.
كانت هي دائمًا الشخص الذي ينظر إليه من الأسفل، فشعرت بالغرابة الآن عندما انقلبت الأدوار بينهما.
“أقرب.”
هزّ لوسيوس إصبعه السبّابة.
انحنت راينا قليلاً إلى الأمام فظهر العبوس على ملامح وجهه.
“هل تنوين الوقوف هكذا طوال اللّيل؟”
“آه……”
نظرت راينا حولها و هي تبحث عن كرسيّ لتسحبه.
“هنا.”
أشار لوسيوس بعينيه إلى المكان بجانبه على السرير فاتّسعت عيناها.
“هل تقصد الإستلقاء معًا على السرير؟”
بخلاف راينا التي كانت تبدو مصدومة، بدا لوسيوس هادئًا تمامًا.
“إنها ليست المرّة الأولى على أي حال، أليس كذلك؟”
لو سمع أحد كلامه، لأساء الفهم بكل تأكيد.
ابتلعت راينا الكلمات التي لم تستطع قولها بصوت عالٍ.
‘لننهِ الأمر بسرعة.’
بدا لوسيوس غير مبالٍ تمامًا، بينما كانت راينا هي الشخص الوحيد المتوتّ و المتردّد هنا.
حسمت أمرها أخيرًا، و استلقت بجانبه بحذر
وضعت يديها المشدودتين فوق بطنها و حدّقت في السّقف.
‘أنا تميمة.’
تميمة حظّ تساعد لوسيوس على النّوم.
يكفي أن أبقى ساكنة كتمثال.
‘ليس لديّ…’
توقّفت راينا فجأةً عن تكرار كلامها في ذهنها لأنها شعرت بحركة من الجانب الآخر للسرير.
لقد اقترب منها.
“هل تشعرين بالبرد؟”
سألها فجأة، فحرّكت راينا رأسها المتيبّس بصعوبة و نظرت إليه.
كان مستلقيًا على جانبه، يسند رأسه بيده و ينظر إليها.
“أنتَ….قريب جدًّا….”
“كيف أجعلكِ تشعرين بالإرتياح؟”
“ماذا؟”
انتقلت نظرة لوسيوس من عينيها إلى أذنها.
ثمّ تبع خطّ الفكّ و العنق إلى الأسفل.
“عندما يسخن جسدكِ.”
مال رأس لوسيوس نحوها.
“تزداد الرّائحة قوّة.”
تنفّس لوسيوس بعمق.
أصبح قلب راينا ينبض بسرعة.
لم يكن هناك أي تماس جسديّ بينهما ، لكنّ الشّعور لا يُطاق.
عندما احمرّ وجهها من الحرارة…
“هكذا.”
استقام لوسيوس ، ثمّ استلقى على ظهره.
أطلقت راينا أنفاسها المحبوسة ببطء.
‘لا أستطيع تحمّل هذا.’
هذا ليس طبيعيًّا.
لماذا أنا….؟
أنا بشرية و لست تميمة.
هذا غير معقول.
‘حتّى لو كان ذلك لمساعدته على النّوم من الأرق.’
هل هذا الوضع طبيعيّ؟
منذُ رؤيتها لشروطه في العقد، كانت تشعر بالتّساؤل، و الآن أصبحت تساؤلاتها أقوى بكثير بعد أن استلقت معه على سريرٍ واحد.
‘و لماذا يستمرّ…’
عضّت راينا شفتها.
‘في شمّ رائحتي!’
لم يضع أنفه مباشرة في جسدها، لكنّ كلّما اقترب و تنفّس بعمق، كان قلبها يهوي.
‘لا يمكنني الإستمرار بهذه الطّريقة.’
قرّرت راينا أن تتكلّم أخيرًا من أجل كرامتها.
“سموّ الدّوق. هل يمكنكَ التّوقّف عن الفعل السابق؟”
“الفعل السابق؟”
“شمّ… شمّ رائحتي.”
كبحت راينا إحراجها.
“لا يمكن.”
رفض لوسيوس بحزم.
“لماذا؟”
“لأنّني لا أنام إلّا إذا شممتُ رائحتكِ.”
هو يحتاج إلى شمّ رائحتي لينام؟
انفتح فم رينا ببطء.
‘لوسيوس… منحرف.’
أدركت راينا فجأة.
لم يبدُ لوكيوس مهتمًا بالنّساء سابقًا.
لذلك قبلت طلبه بالبقاء في غرفة نوم واحدة دون قلق كبير.
‘يبدو أنّه كان يخفي نوايا منحرفة.’
غالباً ما يخفي الأشخاص الزّاهدون مثل لوسيوس ميولاً غريبًا في الخفاء.
شعرت راينا أنّها ربّما وقعت ضحيّة لرجل منحرف.
“سموّ الدّوق.”
“ماذا؟”
جاء جواب لوسيوس على الفور. لم يكن في صوته أيّ نعاس.
‘انظروا إليه ! يقول إنّه يحتاج إلى شمّ رائحتي لينام، و مع ذلك لا يبدو أنّه ينوي النّوم!’
شعرت راينا أنّها خُدعت من قبل منحرف، ففتحت عينيها بقوّة.
لكنّها لم تستطع النظر إليه مباشرة، فحدّقت في السّقف و قالت.
“قلتَ إنّ الرّائحة التي تنبعث منّي تساعدكَ على النّوم.”
“صحيح.”
“ما هي هذه الرّائحة بالضّبط؟”
فكّرت راينا أنّه إذا وصف الرّائحة بدقّة، فيمكنها صنع شمعة بنفس الرّائحة و وضعها بدلاً منها في سريره.
“لا أعرف.”
كيف له أن يجيب بهذه الوقاحة؟
لو كذب عليها، لكان ذلك أفضل.
لم يحاول لوكيوس حتّى إخفاء ميوله المنحرفة.
“لا أستطيع وصف الرّائحة.”
“……ماذا؟”
“لأنّ حاسّة الشّمّ لديّ مفقودة.”
نظرت راينا إليه أخيرًا بذهول.
كان مستلقيًا بعينين مغمضتين، و جانب وجهه يبدو هادئًا.
“مثلما ولدتِ أنتِ مصابة بمرض في رئتيكِ، ولدتُ أنا بدون حاسّة الشّمّ.”
لم يتمكّن لوسيوس من شمّ الرّوائح التي يشمّها الآخرون بشكلٍ طبيعيّ.
و ربّما لأنّها الحاسّة التي لم يمتلكها ، فمنذ الطّفولة، كان يرى حاسّة الشّمّ كأعظم الحواسّ، و كان يشتاق إليها بشدّة.
كان هناك مَنٔ يبكي بسبب الذكريات التي يتذكرها عند شمّ رائحة خبز طازج.
لكن لوسيوس لم يتمكّن من استرجاع ذكرياته بهذه الطّريقة.
“يشمّ النّاس الرّوائح تلقائيًّا مع كلّ نفس. لو توقّفوا عن التّنفّس لتجنّب الرّوائح، لماتوا.”
“……”
“اعتقدتُ أنّني ميّت بالفعل.”
كان صوته هادئًا.
“ثمّ شممتُ رائحتكِ لأوّل مرّة.”
رائحة تجعل مزاجه أفضل و قلبه أهدأ.
أصبح لديه ذكرى تُثار بالرّائحة لأوّل مرّة.
لكنّ تلك الذّكرى لا تُثار إلّا من خلال راينا، و تتعلّق بها فقط.
“أعرف أنّكِ تشعرين بالانزعاج عندما أقترب.”
تباطأ صوت لوسيوس تدريجيًّا.
“لكنني أطلب منكِ فقط أن تتحمّلي حتّى أشعر بالملل.”
بعد هذه الكلمات، صمت لوسيوس. لم تستطع راينا أن تعترض عليه بعد الآن.
‘فقدان حاسّة الشّمّ…’
نظرت إليه.
ربّما هي تتوهّم، لكنّ وجهه المغمض العينين بدا مرتاحًا لها.
أدارت راينا نظرها بعيدًا و بقيت بجانبه حتّى نام تمامًا.
* * *
استيقظت راينا ببطء على صوت طيور خافت.
غمر ضوء الشّمس الصباحيّ الغرفة الواسعة.
مدّت ذراعيها و تمدّدت.
‘نمت جيّدًا بعد فترة… آه!’
فجأة ، اتسعت عيناها على مصرعيها.
أدارت رأسها بسرعة إلى الجانب فوجدت لوكيوس نائمًا بجانبها.
‘هل نمـتُ هكذا حقًّا!’
نهضت راينا بهدوء من السرير و خرجت من غرفة لوسيوس بخطوات خفيفة.
‘لقد فقدتُ عقلي.’
تنهّدت راينا بعمق بعد إغلاق الباب.
تشااانغ!
الخادمة التي كانت تحمل مزهريّة أسقطتها فتحطّمت.
اتّسعت عينا راينا.
كانت الخادمة التي ترتدي زيّ خادمات قصر إنغرسول… هي مايا.
“مايا؟”
ظهرت فجأة في قصر إنغرسول، بل إنها ترتدي زيّ خادمة حتّى.
“ما هذا…”
“سيدتي. لماذا تخرجين من غرفة نوم دوق إنغرسول؟”
“……”
“و في هذا الوقت المبكّر من الصباح؟ كأنّكِ قضيتِ اللّيلة هناك.”
كان صوت مايا يرتجف بشكلٍ رهيب.
لم ترَ راينا مايا مرتبكة إلى هذا الحدّ من قبل.
“أحضرتُ شيئًا لكِ أمس، لهذا أتيتُ إلى قصر إنغرسول بنفسي. لكنّكِ لم تكوني في غرفتكِ.”
شدّت مايا قبضتيها.
“بحثتُ عنكِ طوال اللّيل.”
لاحظت راينا الآن الهالات السّوداء تحت عينيّ مايا.
“إن اختفيتِ فجأة، فسيكون المسؤول عن ذلكَ شخصًا واحدًا فقط.”
سرقت مايا زيّ خادمة من القصر للاقتراب من المشتبه به.
“لا أزال لا أثق به.”
انحنت مايا لتلتقط المزهريّة المكسورة.
تبعت راينا نظرها إلى الأسفل، فاتّسعت عيناها.
لم تكن الزّهور وحدها هي التي سقطت من المزهريّة المكسورة.
كان هناك خنجر أيضًا.
رفعته مايا و قالت بنبرةٍ مخيفة.
“لقد فعل الدّوق ما لا ينبغي فعله.”
“……”
“لا يمكن ترك مَنٔ تخلّى عن الإنسانيّة حيًّا”
شدّت مايا قبضتها على الخنجر.
“سأنتقم لكِ.”
كانت على وشك الدّخول إلى غرفة لوسيوس على الفور، فرفعت راينا يديها بسرعة.
“أفهم ما تفكّرين فيه، لكنّه سوء فهم!”
“سوء فهم؟”
“لم يحدث شيء.”
تصبّب العرق على ظهر راينا.
“لقد كنتُ أساعده لعلاج أرقه فقط.”
كانت مايا تبدو لا تزال غير مقتنعة.
“بالمناسبة، ما الشّيء الذي أردتِ إعطائي إيّاه؟”
غيّرت راينا الموضوع بسرعة.
“المعلومات التي طلبتِها.”
أخرجت مايا لفافة من الأوراق من صدرها.
“لم أجد كلّ شيء، لكنّ هذه المراسلات بين العائلات التي زاد تواصلها مع الكونت و الكونتيسة كرولوت مؤخّرًا.”
أخذت راينا الأوراق.
“يجب علي إعادتها، لهذا اقرئيها و أعطني إياها.”
هزّت راينا رأسها، ثمّ توقّفت فجأة.
رأت اسم عائلة مألوفة بين الرسائل.
‘عائلة الكونت ميلاي.’
إنها عائلة بطلة الأصليّة.
التعليقات لهذا الفصل " 48"