نظر كاليكس خلسة إلى الطّعام الموضوع أمام راينا.
بخلاف الهريس الباهت الذي أمامه، كان طعام راينا طبقاً لائقًا حقًّا.
نظر كاليكس إليها بهدوء فرفعت راينا حاجبيها عندما التقت أعينهما.
كانت عينا كاليكس مليئتين بالتّوسّل.
نظرت راينا إلى الطّعام أمامه.
‘آه، فهمتُ.’
أدركت راينا الأمر الآن.
قال كاليكس إنّه في قصر إنغرسول كان يأكل فقط الأطعمة ذات المذاق السيء و التي تحتوي على الأعشاب.
و الطّعام الموضوع أمامه الآن يبدو تمامًا هكذا.
“هل تريد طعامًا آخر؟”
“نعم!”
أجاب كاليكس بسرعة.
“انتظر لحظة.”
قالت راينا ذلك ثمّ أمسكت بطبق فارغ.
وضعت فيه من الطبق الرّئيسي الذي في الوسط.
و عندما كانت على وشكِ تمرير الطّبق إلى كاليكس، قال لوسيوس.
“لا يمكن.”
ارتجف كاليكس الذي كان ينتظر الطّبق بلهفة.
“لماذا؟”
“عندما كان طفلاً، أكل طعامًا خاطئًا فأصيب باضطراب في المعدة ثمّ عانى من الحمّى.”
“……”
“هو يعاني من هضم ضعيف، فلا يجوز أن يأكل ما يشاء.”
أظهرت راينا تعبيرًا مستغربًا.
“لكنّه في دار الأيتام كان يأكل أيّ طعام بشكلٍ جيّد. أليس ذلك صحيحًا، كاليكس؟”
عندما سألت راينا للتّأكيد، هزّ كاليكس رأسه بسرعة.
فجأة، أصبحت نظرة لوسيوس حادّة.
“كاليكس.”
“……”
“هل أكلتَ طعامًا آخر؟”
حاولت راينا الشّرح نيابة عنه، لكنّ كاليكس تكلّم أوّلاً.
“نعم، و اضطراب المعدة الذي أصابني في الطّفولة لم يكن بسببِ الطّعام.”
“إذن؟”
لم ينظر كاليكس إلى لوسيوس، لكنّه حاول نطق الكلمات بوضوح.
“تجادلتما أنتَ و عمّي أثناء الطّعام حينها. فشعرتُ بالغثيان بسبب ذلك.”
كان صوته يصبح أكثر انخفاضًا تدريجيًّا مع كل كلمة يقولها.
أدرك أنّه قال كلامًا وقحًا جدًّا يلوم فيه لوسيوس و عمّـه.
“هل أصبتَ بالغثيان بسببِ ذلك فقط؟”
بدت نظرة لوسيوس و كأنّه لا يفهم حقًّا
“إن كنتَ تعي صحّتك، فتناول الطعام.”
أرادت راينا وضع يدها على جبينها.
فهمت أنّ لوسيوس يقلق على كاليكس.
لكن ، ألا يمكنه التحدث بشكلٍ ألطف مع طفل صغير يخاف بسهولة؟
لوسيوس الذي لا يُظهر تعابير و يتحدّث دائمًا بهذه الطّريقة، من الطّبيعي أن يشعر كاليكس بالخوف منه.
“لا داعي للمبالغة في القلق في مثل هذا الأمر.”
تدخّلت راينا أخيرًا
“إجبار الطّفل على أكل طعام لا يناسبه أسوأ للجسم. من الأفضل أن يأكل طعامًا لذيذًا براحة، هذا أحسن لصحّة كاليكس.”
نظر لوسيوس إلى راينا بهدوء.
كان وجهه يظهر عدم الرّضا.
عندما فتح فمه ليقول شيئًا، سبقته راينا.
“حتّى سموّ الدّوق ينتقي في طعامه.”
اتّسعت عينا كاليكس.
نظر إلى طبق لوسيوس للتّأكيد فأشارت راينا إلى الطّبق و قالت.
“أنتَ تختار دائمًا الحلويات فقط. أليس كذلك؟”
“……”
“مع أنّك تميّز في الطّعام إلا أنكَ بصحّة جيّدة، فلا داعي للقلق على كاليكس الذي يأكل طعامًا متوازنًا أكثر منك.”
فقد لوسيوس القدرة على الكلام للحظة.
عندما لم يعارض بعد ذلك، مرّرت راينا الطّبق إلى كاليكس و طلبت من الخادم إزالة الهريس.
نظر كاليكس إلى راينا ثمّ إلى لوسيوس، ثمّ بدأت زوايا فمه ترتفع تدريجيًّا.
‘لقد فازت راينا!’
قامت راينا بدعم كاليكس و هزمت لوسيوس.
رفع كاليكس الشّوكة بوجه منتصر كأنّه هو مَنٔ انتصر.
نظر لوسيوس إلى كاليكس خلسة و هو يحمل كأس الماء إلى فمه.
كان كاليكس يأكل بتعبيرٍ أكثر إشراقًا من المعتاد.
كانت هذه المرّة الأولى التي يرى فيها لوسيوس وجه كاليكس مشرقًا هكذا في مائدة الطّعام.
لا ، بل كانت المرّة الأولى التي يرى فيها وجهه مسترخيًا هكذا أمامه.
“كاليكس. هل قرّرتَ ما تريده بخصوص ما سألتكَ عنه سابقًا؟”
فتح كاليكس عينيه على وسعهما و نظر إلى راينا.
“بخصوص حضور حفل خطوبتي مع سموّ الدّوق.”
“آه……”
نظر كاليكس إلى لوسيوس خلسة ليرى ردّ فعله.
لاحظت راينا ذلك فأضافت بسرعة.
“نحن نريدكَ أن تحضر.”
“……”
“سيسعدنا كثيرًا إن حضرت.”
تردّد كاليكس ثمّ قال.
“……إذن سأحضر.”
رسمت راينا ابتسامة مشرقة على إجابته.
نظر لوسيوس إلى راينا بهدوء.
عندما التقت أعينهما، أخفضت راينا زاوية فمها فورًا و أشارت بعينيها نحو كاليكس.
كانت نظرةً تحثّه على التحدث كاليكس.
أغمض لوسيوس عينيه بعمق ثمّ فتحهما و تكلّم مرغمًا.
“كاليكس.”
ارتجف كاليكس مذعورًا عند سماع ندائه.
أمسك الطّبق بقوّة خوفًا من أن يُسلب منه الطّعام.
“مؤخّرًا……”
كان كل من كاليكس و راينا ينتظران بتوتر استمراره في الكلام.
“هل أنتَ تدرس جيّدًا؟”
انفتح فم كاليكس ببطء.
أصبح تعبيره مذهولاً، و راينا أيضًا كانت كذلك.
‘قلتُ له أن يخفّف الجوّ، لا أن يطرح أسوأ موضوع ممكن.’
كان لوسيوس قد طرح أكثر المواضيع التي يكرهها كاليكس في مائدة الطّعام.
أخفض كاليكس رأسه كأنّه ارتكب ذنبًا ما.
“أجـب.”
بل إنّ لوسيوس ضغط عليه للإجابة حتّى.
أرسلت راينا نظرات يائسة تقول “ليس هذا”، لكنّ لوسيوس كان ينظر إلى كاليكس فقط.
“مـ… مؤخّرًا لم يكن لديّ وقت للدّراسة……”
“حقًّا؟”
“لم أتكاسل عن عمد، بل كنتُ مشغولاً……”
“فهمت.”
“حقًّا. من الآن فصاعدًا سأجتهد……”
“هل أنتَ جادّ؟”
لم تستطع راينا تحمّل المزيد فوضعت يدها على جبينها.
‘مَنْ يضع تعليقات كهذه!’
تنهّدت راينا داخليًّا.
‘حتّى لو لم يكن ينوي تحقيق الكثير من المرّة الأولى، إلّا أنّ تأثيرها كان معدومًا تمامًا.’
حاول لوسيوس فعلاً اتباع نصيحتها.
استخدم التعليقات التي علمته إيّاها: “حقًّا؟” “فهمت” “هكذا إذن” أمام كاليكس.
المشكلة أنّ سؤاله نفسه كان استجوابًا، فأيّ تعليق سيبدو ساخرًا.
لم يعد كاليكس يجد ما يقوله فصمت.
“……”
“……”
“……”
و هكذا انتهت وجبة الثّلاثة في صمت ثقيل و محرج.
* * *
بعد انتهاء الوجبة، قال لوسيوس لراينا.
“فعلتُ كما قلتِ، لكنّ التّأثير كان عكسيًّا”
قالت راينا بإحراج.
“لا، الجوّ بينكما أصبح ألطف بكثير من ذي قبل.”
نظر لوسيوس إليها مباشرة. كان من الواضح أنّه لا يصدّق كلامها.
“مع الاستمرار، ستتحدّثان معًا بشكلٍ طبيعيّ أكثر.”
كان لا زال ينظر إليها بشكّ، لكنه بعد لحظات أدار نظره إلى الخارج.
كان اللّيل قد حلّ و السّماء أظلمت.
“سأذهب للاستحمام.”
اتّسعت عينا راينا من الصدمة . لم تفهم سبب إخباره لها بذلك فجأة.
“انتظريني في غرفتي.”
“……ماذا؟”
فوجئت راينا.
“لـ… لماذا أنا؟”
“ألم نتّفق؟”
تذكّرت راينا كلمة “اتّفاق”.
لقد اتّفقا على تلبية شروط بعضهما قبل الخطوبة.
‘كما هو متوقّع.’
هزّت راينا رأسها.
أيا كان ما حدث، فهي مَنٔ وعدته بذلك، لهذا لا يمكنها التراجع الآن.
* * *
انتظرت راينا لوسيوس في غرفته.
‘أنا فقط أساعده على علاج الأرق.’
حاولت التّفكير بأنّها طبيبة، و حافظت على موقف رسميّ.
نظرت راينا حول الغرفة بهدوء.
كانت الغرفة الواسعة باردة و خالية من أيّ دفء أو حياة.
‘ربّما تبدو هكذا لأنّه يغيب عن المنزل كثيرًا؟’
بينما كانت تفكّر، خرج لوسيوس من الحمّام.
اتّسعت عينا راينا عندما رأته.
كان قميص نومه مفتوحًا قليلاً، فظهر جزء من صدره العاري.
رأت راينا قطرات الماء التي تتساقط منه، ثمّ رفعت نظرها.
كان لوسيوس يمسح الماء من شعره بيده.
رفع شعره إلى الخلف ثم حرّك عينيه.
في اللحظة التي التقت فيها أعينهما، فوجئت راينا و أدارت وجهها بسرعة.
‘لماذا أشعر و كأنّني رأيتُ شيئًا لا يجب رؤيته.’
بدت شخصيّة لوسيوس المسترخية و المرتاحة أكثر نعومة و لطافة من المعتاد، لكنّ راينا شعرت بتوتر أكبر من أيّ وقت مضى.
لاحظ لوسيوس توتّرها و هي تتجنّب نظره بتوتر.
“ما خطبكِ؟”
سألها لأنّها بدت مضطربة، فتلعثمت راينا في الإجابة.
“الأزرار… أنتَ لم تغلقها كلّها.”
نظر لوسيوس إلى صدره. و كما قالت، كان الجزء الأمامي مفتوحًا.
“أكره النّوم بملابس ضيّقة.”
أجاب بلامبالاة ثمّ اقترب من راينا.
انحنى نحوها و هي جالسة على الأريكة.
انتشرت منه رائحة زيت عطري منعشة فحبست راينا أنفاسها بقوّة.
و عندما مـدّ يده نحوها تراجعت بسرعة لتبعد المسافة بينهما.
نظرت إليه بعينين متّسعتين.
لكنّ لوسيوس لم يكن ينظر إليها.
كان يرفع المصباح الموضوع على الطّاولة أمام الأريكة.
ثمّ نفخ فيه و أطفأه.
أصبح المكان مظلمًا أكثر.
أخذ لوسيوس يطفأ المصابيح في الغرفة واحدة تلو الأخرى.
و مع حلول الظّلام تدريجيًّا، شعرت راينا بحرقة في فمها.
أطفأ لوسيوس جميع المصابيح ما عدا واحدة على الحائط بجانب السرير فأصبحت الغرفة دافئة و هادئة فجأة.
‘لماذا…؟’
شعرت راينا بالارتباك.
‘أشعر أن الجوّ غريب، أليس كذلك؟’
التعليقات لهذا الفصل " 47"