تمّ تحديد خطوبة لوسيوس و راينا رسميًّا. تقرّر أن تتولّى عائلة دوق إنغرسول تنظيم حفل الخطوبة.
“حقّاً… سنعقد خطوبة فعليّة…”
تمتمت راينا بشرود و هي تنظر إلى نفسها في المرآة.
رغمَ أنّها خطوبة زائفة، إلّا أنّ فكرة عقد خطوبة لم تكن تتوقّعها في حياتها أبدًا جعلتها تشعر بشعور غريب.
“و مع لوسيوس بالذات.”
[بالضبط. و مع لوسيوس بالذات.]
ارتجفت راينا من الصوت الذي تدخّل في حديثها مع نفسها.
“الروح؟”
نظرت راينا حولها.
[هنا.]
أنزلت نظرها نحو اتّجاه الصوت.
كان انعكاس الروح يظهر على سطح الماء الذي وضعته في الحوض.
“إذن أنتَ لا تحتاج إلى استدعائكَ لتظهر.”
قالت بصوتٍ متردّد، فأنزل الروح طرفيّ حاجبيه.
سرعان ما تشكّلت تموّجات على سطح الماء، و ظهر الروح بكامل هيئته.
“راينا. أعيدي التفكير.”
قال الروح بصوتٍ يغلّفه القلق الشديد.
“أنتِ تقولين إنّها مزيفة، لكن ماذا لو رفض فسخ الخطوبة؟”
“لهذا اتّفقنا على كتابة عقد.”
أجابت راينا دون تفكير، ثمّ ضيّقت عينيها.
“كيف تعرف كلّ هذا؟”
“سمعتُ حديثكما منذ قليل.”
“كيف فعلتَ ذلك بالضبط؟”
“ألم أقل لكِ إنّني أستطيع الذهاب إلى أيّ مكان يوجد فيه ماء؟”
سعلت الروح بشكل مصطنع
“كنتُ أغمر جسدي قليلاً في كوب الشاي الذي تشربان منه.”
“لا تقل ‘أغمر جسدي’ بهذه الطريقة.”
مسحت راينا فمها و هي تشعر بالاشمئزاز من فكرة أنّ الماء الذي شربته سابقًا….
“لكن لماذا تكره الدوق الأكبر لهذه الدرجة؟”
فتح الروح عينيه مندهشًا ، ثمّ وضع ذراعه حول كتف راينا و سحبها إلى حضنه.
“أليس الأغرب أن يعجب أحد بلوسيوس؟”
عبست راينا قليلاً.
دفعت ذراع الروح بعيدًا و سألت:
“لكن يبدو أنّ بينكما شيئًا من العداوة.”
نظر الروح إلى ذراعه التي دُفعت بعيدًا ، مال برأسه ثمّ ضمّ راينا من جديد بذراعيه.
“لوسيوس يقتل أكثر من اللازم. حتّى لو لم يكن ذلك ضروريًّا، يصرّ على إنهاء الأمر بشكل كامل لئلّا يبقى أيّ تبعات لاحقة.”
أصبحت نظرة الروح حادّة بينما يتذكّر لوسيوس.
“لهذا كنا نختلف كثيرًا. و في كلّ مرّة، كان يقول كلامًا يُغضبني، كأنّني لا أملك الحقّ في توبيخه…”
“الروح.”
قاطعت راينا كلام بحزم.
“هل يمكنكَ التوقّف عن لمس جسدي باستمرار؟”
عندما قامت بإبعاد الروح عنها، بدا الروح مصدومًا.
“ل… لماذا…؟”
حتّى أنه بدأ يتلعثم بالكلام.
“أشعر ببعض الإزعاج.”
“ل… لكن ، ألا يفعل الأصدقاء هذا؟”
رفعت راينا حاجبيها متعجّبة.
أصدقاء؟
“أنتم البشر تعانقون و تمسكون بأيدي بعضكم البعض دون تردّد إذا كنتم قريبين جدًّا”
تذكّر الروح سلوكيّات البشر التي رآها.
“تعانقون بعضكم عند الفرح، و عند الحزن أيضًا .كنتُ أجد ذلك غريبًا و مثيرًا للغيرة في الوقت نفسه.”
أخفض الروح صوته تدريجيًّا.
“ليس لديّ أصدقاء.”
فركت راينا عينيها بظهر يدها.
للحظة، تخيّل أن للروح أذنين و ذيل متدلّيين كجرو محبط.
“أنا الروح الوحيد، و لا أتحدّث إلا مع الطيور المغرّدة…”
“…..”
“عندما كنتُ وحيدًا حقًّا، كنتُ أتحدّث مع انعكاس وجهي في الينبوع.”
شعرت راينا بالشفقة تجاه الروح.
لم تتوقّع أنّ كائنًا يحمي البشر يعاني من الوحدة إلى هذه الدرجة.
‘في بعض الأحيان، سبدو على الروح براءة طفوليّة.’
أن يتحول هذا الروح إلى الوحش الذي رأته في أحلامها… شعرت راينا الآن بقوّة كلام الروح عن التلوّث.
“في إحدى المرات، حاولتُ صنع صديق بشري.”
قال الروح و هو يبدو كسخصٍ تعرّض للظلم.
“لكنّ صنع صديق بشري واحد يُعتبر تحيّزًا . كان يجب أن أحبّكم جميعًا بالتساوي.”
“إذن لماذا تتصرّف معي كصديقة لكَ؟”
“لأنّكِ بشريّة مميزّة. يجب معاملة الشخص المميّز بشكلٍ خاصّ.”
مالت راينا برأسها.
يبدو أنّ الروح تبرّر ما تريده فقط.
“على أيّ حال، أنتَ تحتاج إلى صديق، أليس كذلك؟”
رفع الروح رأسه بسرعة، و هو الذي كان يبدو كئيبًا سابقًا.
“نعم، راينا.”
فتح الروح ذراعيه و هو ينتظرها.
تراجعت راينا خطوة إلى الوراء و قالت:
“أعرف شخصًا يحتاج إلى صديق أيضًا.”
“…شخصًا غيركِ أنتِ؟”
كان الروح يبدو و كأنه يشعر بخيبة الأمل.
“و أعرف طريقة لا تبدو فيها المعاملة الخاصّة تحيّزًا حتّى لو احتضنتَ الطرف الآخر بكلّ قوّة.”
نظرت راينا إلى الروح من أعلى إلى أسفل.
“هل يمكنكَ تغيير شكلكَ إلى شيء آخر غير الشكل البشري؟”
* * *
ذهبت راينا إلى كاليكس.
استقبلها كاليكس في غرفة نومه بعيونٍ مندهشة.
“ما هذا الكلب؟”
كانت راينا تحمل في حضنها جروًا أبيض اللون، أطراف أذنيه زرقاء فاتحة.
كان ذلكَ الروح بالطبع.
“وجدته حول القصر.”
كذبت راينا ببساطة و سلّمت الجرو – أي الروح – إلى حضن كاليكس.
لم يستطع كاليكس إبعاد عينيه عن الجرو، و ظلّ يداعبه باستمرار.
تشنّج الجرو للحظة، ثمّ بدأ يهزّ ذيله بقوّة.
عندما اقترب الكلب أكثر إلى صدره، ابتسم كاليكس بخفّة.
“أفتقد إيلي.”
كأنّه تذكّر شيئًا ، نظر إلى راينا.
“هل تعلمين؟ لقد نجحتُ في تدريب إيلي أثناء غيابكِ.”
“تدريب؟”
“إذا أشرتُ بإصبعي كأنّني أطعنها، ترمي إيلي نفسها على الأرض متظاهرة بالموت.”
فرح كاليكس لأنّه علّم إيلي حيلة جديدة.
فجأة، خرج الجرو من حضنه و رمى نفسه على السجادة.
بقي ساكنًا كالميت، ففتح كاليكس عينيه دهشة.
“واو… أنتَ تفعل ذلك دون تعليم حتّى!”
داعب كاليكس بطن الجرو.
لم تستطع راينا النظر إلى الجرو الذي يهزّ ذيله بقوّة أكبر.
‘ربّما أنا مَنٔ جعلتُ الروح يبدو أكثر إثارة للشفقة.’
هزّت رأسها لتطرد هذه الفكرة و قالت لكاليكس:
“كاليكس، هناك أمر أريد إخباركَ به.”
“ما هو؟”
“قرّرتُ عقد خطوبة مع الدوق الأكبر.”
“خطوبة؟”
اتّسعت عينا كاليكس.
“خبر مفاجئ، أليس كذلك؟ لكنّ الخطوبة ستجعل مساعدتكَ أسهل بكثير.”
أصبح تعبير كاليكس غريبًا.
“راينا، لا تتزوّجي أخي.”
تحدث كاليكس بلهفة.
“الخطوبة تعني وعد الزواج. إذا تزوّجتِ أخي، قد تصبحين تعيسة.”
رفعت راينا حاجبيها متعجّبة.
“لماذا تعتقد أنّني سأكون تعيسة؟”
إنّه شقيقه، لوسيوس بالذات.
بالطبع هو وسيم جدًّا، لكنّه ليس أميرًا من الحكايات.
“تعبير أخي دائمًا مخيف و كلامه بارد. يجعل الناس يشعرون بالخوف فقط.”
“…..”
“لن يهتمّ بتفاصيل مثل الذكريات. و علاوةً على ذلك…”
تردّد كاليكس ثمّ تابع:
“هل أنتِ ستتزوّجينه لمساعدتي؟ لا أريد أن تعاني بسببي.”
“…..”
“لذا، يا راينا، لا تتزوّجي أخي من أجلي.”
“لا تقلق، كاليكس.”
قالت راينا بلطف و هي تهدّئه.
“ما سنعقده هو خطوبة فقط. الخطوبة لا تعني الزواج بالضرورة. يمكن فسخها إذا أردنا.”
نظر كاليكس إليها لفترةٍ طويلة. لم يطمئنّ إلى كلامها على الإطلاق.
‘هل أخي يريد مساعدتي حقًّا؟’
أم أنّه يحاول خداع راينا ليعذّبها؟
ظلّت صورة لوسيوس و هو يستجوب راينا تتردّد في ذهن كاليكس.
ربّما راينا تشعر بالخوف منن أخيه لهذا بقيت بجانبه مرغمة.
‘إذا قام أخي بتعذيل راينا، فسوف ….’
ضمّ كاليكس قبضته بهدوء.
“كاليكس؟”
“آه.”
خرج كاليكس من أفكاره فجأة ثمّ أومأ برأسه متأخّرًا قليلاً.
نظرت راينا إلى كاليكس الذي بدا منخفض الطاقة، ثمّ فتحت فمها:
“كاليكس، هل تريد حضور حفل الخطوبة؟”
اتّسعت عينا كاليكس.
“ح… حضور حفل خطةبتكِ مع أخي؟”
أومأت راينا برأسها.
“ك… كيف أجرؤ على فعل ذلك؟ سيكون هناك الكثير من الناس في حفل الخطوبة. لا ينبغي أن أظهر هناك.”
تلعثم كاليكس بشدّة من الارتباك.
“و لماذا لا ينبغي ذلك؟”
عضّ كاليكس شفته. و عندما لم يجب، أضافت راينا:
“إذا كنتَ لا ترغب بالحضور، فلا بأس بذلك بالطبع. لكن إذا أردتَ، فأنت حرّ في الحضور.”
في تلكَ اللحظة.
طق طق.
جاءت الخادمة تبحث عن راينا.
“الدوق الأكبر يطلبكِ.”
يبدو أنّ العقد جاهز.
أومأت راينا للخادمة ثمّ نظرت إلى كاليكس.
“فكّر جيّدًا ثمّ أخبرني بقراركَ.”
مـدّت راينا يدها نحو رأس كاليكس.
ارتجف كاليكس لكنّه سرعان ما ابتسم بخجل و هو يرى راينا تداعب رأسه كأنّ شيئًا لم يكن.
ابتسمت راينا بدورها.
أطرق كاليكس بنظره و داعب الجرو.
انخفضت زاوية فم راينا ببطء.
‘كاليكس يبدو غريبًا.’
هل ذلك مجرّد وهم منّي؟
التعليقات لهذا الفصل " 44"