وجدت راينا غرفة فارغة، و أدخلت لوسيوس إليها.
“ما الذي كنتَ تفكّر فيه عندما قلت ذلك؟”
عندما وصلا إلى مكانٍ لا يراهما فيه أحد، تمكّنت راينا أخيرًا من سؤاله.
“أنتَ ستتحمّل مسؤوليّتي… هل تعرف كيف يبدو هذا الكلام؟”
“سيبدو و كأنّني أقول إنّني سأتزوّجكِ.”
أجاب لوسيوس بهدوء، فازدادت صدمة راينا.
سألته متردّدة، و هي لا تصدّق:
“هل تريد الزواج منّي حقًّا؟”
عبس لوسيوس على الفور.
من ردّة فعله، أدركت راينا أنّها كانت على حقّ.
“أنتَ تعرف جيّدًا يا سموّ الدوق. الشائعات و غيرها من هذه الأمور… كلّها حيل من والديّ لإجباري على الزواج منكَ.”
“لقد تسبّبتُ في إحراجكِ، أليس كذلك؟”
“ألن يصبح الأمر أكثر إحراجًا إذا تزوّجنا؟”
“لماذا سيكون أكثر إحراجًا؟”
“لأنّنا لا نحـبّ بعضنا !”
كانت راينا محبطة من عدم فهمه لهذه الحقيقة البديهيّة.
كانت ترفض الزيجات السياسيّة التي يرتبها الكونت و الكونتيسة كرولوت، و تصرّ على التركيز على أعمالها التجاريّة.
بعد أن نجـت من ذلك بصعوبة، ها هي الآن على وشك الزواج من لوسيوس.
“أنا أيضًا لا أنوي الزواج منكِ فعليًّا.”
“إذن؟”
“نتعاهَد على الخطبة، ثمّ نقوم بفسخها لاحقًا.”
“إذا كان سيتمّ فسخها في النهاية، فلماذا نبدأ فيها أصلاً؟”
“من أجل استعادة سمعتكِ.”
“استعادة سمعتي؟”
“عند فسخ الخطبة، سأجعل السّبب يعود إليّ.”
لم يكن لوسيوس يهتمّ بما يقوله الناس عنه ، لأنّ ذلك لا يؤثّر عليه أبدًا.
بل على العكس، لقب “الدّوق الوحش” كان يفيده.
فمعظم الناس يخافون منه مسبقًا و لا يجرؤون حتّى على التفكير في فعل شيء سخيف له.
أمّا راينا فكانت مختلفة.
كما هو الحال مع معظم النبلاء، كانت السمعة مهمّة جدًّا بالنّسبة إليها.
“و عند فسخ الخطوبة، سأقدّم تعويضًا مناسبًا لكِ، لهذا فكّري فيما تريدينه.”
ذُهلت راينا من كلامه.
“هل ستبذل كلّ هذا الجهد فقط لاستعادة سمعتي؟”
“ألم تقولي إنّكِ تساعدين كاليكس و الروح دون انتظار مقابل؟”
“…..”
“الإنسان يحتاج إلى دافع و هدف ليبذل جهده بيأس.”
“…أنتَ تخشى أن أتخلّى عن هذا الأمر في المنتصف، لهذا ستعطيني مقابل، أليس كذلك؟”
أومأ لوسيوس برأسه .
“فكّرت في ذلك عندما رأيتكِ تشعرين بالخوف أثناء البحث عن طائر المئة عام.”
عندما قال إنّها سترى أشياء مقرفة أكثر في المستقبل، أبدت راينا اشمئزازًا واضحًا.
“عمليّة البحث عن القرابين لن تكون سهلة أبدًا .ماذا لو أردتِ التوقّف في كلّ مرّة؟”
“…..”
“أريد أن يكون لديكِ دافع قويّ يجبركِ على إنهاء الأمر.”
مال لوسيوس برأسه قليلاً.
“أنتِ أيضاً لا تريدين الزواج منّي، أليس كذلك؟”
“…..”
“لنفسخ الخطوبة بعد أن تنتهي من تطهير الروح تمامًا. هذا سيكون اتفاقنا.”
ارتفع طرف فم لوسيوس قليلاً.
“أتمنّى أن يكون رفضكِ للزواج منّي هو دافعكِ. هل فهمتِ؟”
لم تتكن راينا من كبح ضحتكها الساخرة.
“إذن ، أنتَ لن تصدّق أبدًا أنّني أساعد بدافع نقيّ.”
“لستُ أقلّل من أخلاقكِ. أنا فقط رأيتُ الكثير من الأشخاص الذين يتصرّفون بدوافع كهذه ينهارون بسهولة.”
ضمّت راينا ذراعيها.
“ماذا لو طلبتُ جزيرة كاملة كتعويض؟”
“خذي ما شئـتِ.”
أجاب لوسيوس بسهولة فشعرت راينا برغبة في العناد.
“و ماذا لو أردتُ الزواج منـكَ فعليًّا؟”
عبس لوسيوس مرّةً أخرى.
فكّر قليلاً ثمّ قال:
“إذا أردتِ الزواج منّي، يمكننا وضع شرط أن تنتهي عملية التطهير أولاً.”
“حتّى لو كان ذلكَ يعني العيش معًا طوال حياتنا؟”
“أنـتِ أفضل من امرأة غريبة.”
فقدت راينا الرغبة في الجدال و أطرقت برأسها.
كانت مبادئهما مختلفة، فلم تستطع إقناعه.
“هناك سبب آخر لعقد الخطوبة.”
رفعت راينا رأسها.
“يبدو أنّ عمّي عقد صفقة ما مع الكونت و الكونتيسة كرولوت.”
“لاحظتُ ذلك أيضًا. كانا يرمقان السيد مارتن بنظرات أثناء توبيخهما لكَ.”
“سأحاول معرفة ماهيّة تلك الصفقة.”
شعرت راينا بالفضول فجأة.
“لماذا؟”
أليس مارتن عمّ لوسيوس؟
سمعت أنّه قام بالإعتناء بهما كأبنائه بعد وفاة والديهما.
حتّى في اللقاء السابق، كان لوسيوس يعامل مارتن باحترام.
اعتقدت أنّه يثق به، لكنّه يبدو الآن كأنّه يحذر منه.
“أرسل عمّي كاليكس إلى مصحّة دون إذني.”
اتّسعت عينا راينا.
في القصّة الأصليّة، كان إرسال كاليكس إلى المصحّة قد حدث بأمر من لوسيوس.
‘إذن الشرّير الخفيّ في القصّة الأصليّة هو مارتن؟’
يرسل كاليكس إلى المصحّة، ثمّ يستغلّ موته لإشعال حرب.
مالت راينا برأسها متسائلة.
في القصّة الأصليّة، بدت عائلة إنغرسول بحاجة ماسّة إلى أرض جديدة.
“سيّدي الدوق… هل تفكّر في نقل الإقطاعيّة؟”
“لماذا ننقلها؟”
“لأنّ الشمال يصبح يومًا بعد يوم أكثر قسوة للعيش.”
نظر لوسيوس إليها بثبات و سأل:
“هل تعتقدين أنّني أريد إقطاعيّة جديدة؟”
أصبحت نظرته حادّة.
“لذلك اعتقدتِ أنّني أستغلّ كاليكس؟”
ارتجفت راينا.
هكذا وُصِف في القصّة الأصليّة، فماذا أفعل؟
ضحك لوسيوس بسخرية.
“حتّى لو أصبح الشمال أكثر قسوة، فلن تسقط عائلة إنغرسول بسبب ذلك.”
“لماذا؟”
“لأنّ الروح و عائلة إنغرسول في علاقة تعايش.”
علاقة تعايش؟
ألم يرتكب أحدهما خطيئة و يلعن الآخر ليعاقبه؟
“اللعنة التي وضعها الروح كانت أيضًا من أجل تطهيره.”
“…..”
“و بشكل ساخر، يجب على الروح ضمان استمرار عائلة إنغرسول حتّى لو كان ذلك ليأكل أرواحهم.”
لكي يستمرّ نسل عائلة إنغرسول.
“الشمال ليس أرضًا سهلة العيش، لكنّه لم يتضرّر من كوارث طبيعيّة أو أوبئة مقارنة بالمناطق الأخرى.”
“هل هذا بسببِ قوّة الروح؟”
أومأ لوسيوس.
قبل أن يلعنهم، جمع الروح كلّ قوّته المتبقيّة و وضعها في أرض إنغرسول لتصنع درعًا واقيًا.
“الروح و عائلة إنغرسول مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. لذلك قال إنّه يحتاج إلى دمي لعقد عقد جديد معكِ.”
شعرت راينا بالارتباك.
‘إذن لماذا يريد إقطاعيّة جديدة؟’
لا يمكن أن تسقط العائلة بسببِ مشكلة الأرض.
اعتقدت أنّه يريد أيّ أرض، حتّى أرض عائلة كرولوت.
‘أم أن أرضًا معيّنة هي المطلوبة؟’
لماذا؟ و بأيّ سبب؟
كانت إقطاعيّة البطلة الأصليّة في الجنوب.
و المصحّة التي هرب منها كاليكس كانت في الجنوب أيضًا.
‘هل هناك شيء في الجنوب يريده مارتن حتّى لو اضطرّ إلى إشعال حرب؟’
خرجت راينا من أفكارها و نظرت إلى لوسيوس.
“تلك الصفقة بين السيد مارتن و والديّ… أريد معرفتها أيضًا.”
ربّما تكون هناك خيوط فيها.
* * *
“كاليكس.”
تفاجأ كاليكس عندما جاء مارتن لزيارته.
نهض مسرعًا من السرير، و وقف باستقامة.
“أ… أهلاً، عمّي.”
انحنى كاليكس باحترام.
“كيف حالك؟”
“ب… بفضل اهتمامكَ… أنا بخير.”
أغمض كاليكس عينيه بقوّة.
كان متوترًا جدًّا و يتأتئ.
نظر مارتن إليه بازدراء، معتبرًا مظهره غبيًّا. لكن بدلاً من التوبيخ المتوقّع، مـدّ يده و مسح رأس كاليكس.
فتح كاليكس عينيه من دهشته و نظر إليه من الأسفل.
“ألم تعجبكَ المصحّة التي أرسلتكَ إليها؟”
“آه… ذ… ذلك…”
“أنَ لا تعلم كم تسبّبتَ بالإزعاج للآخرين. أخوك عاد إلى الإمبراطوريّة و لم يتمكّن من الراحة، بل اضطرّ إلى البحث عنكَ.”
ابتلع كاليكس ريقه بصعوبة.
كانت يد مارتن التي تمسح رأسه تزداد قوّة تدريجيًّا.
“لقد أخبرتكَ ، صحيح؟”
أصبح صوت مارتن أكثر برودة.
“لا تكن مصدر إزعاج.”
ضمّ كاليكس يديه بقوّة.
“بهذا لا يكرهكَ لوسيوس. كلّ ما تفعله يزعج أخاك.”
“…..”
“مَنٔ سيحبّ طفلاً متقلّبًا مثلك؟ حتّى لو أراد أحدهم معاملتكَ بلطف، إلا أنّك تسبّب المشاكل دائمًا، فلا يستطيع الارتباط بكَ.”
“آ… آسف… آسف…”
“لا أريد سماع ذلك!”
ارتجف كاليكس من صراخ مارتن عليه.
“تسك. لا تستطيع حتّى نطق جملة واحدة بوضوح.”
سحب مارتن يده من رأس كاليكس.
“كيف ولد في عائلتنا طفل ناقص كهذا.”
شعر كاليكس للحظة و كأنّ قلبه سقط إلى الأرض.
“كاليكس.”
خفّف مارتن من حدّة صوته و ناداه.
“و مع ذلك، لستَ عديم الفائدة تمامًا”
“…..”
“لا تنسَ أبدًا ما يجب عليكَ فعله.”
“…نعم.”
أجاب كاليكس بصوتٍ خافت فابتسم مارتن أخيرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 42"