دهشت راينا عندما رأت الزائر الذي جاء إلى قصر إنغرسول.
كان ذلك مارتن، عمّ الأخوين إنغرسول، و قد أحضر معه الكونت كرولوت و زوجته.
ما إن رأتها الكونتيسة كرولوت حتى اغرورقت عيناها بالدموع و ركضت نحوها.
“يا إلهي.”
أمسكت الكونتيسة بخدّي راينا بكفّيها و نظرت إليها من كلّ الجهات.
“وجهكِ أصبح نصف مما كان عليه، يا راينا. و جسمكِ لم يتبقَ منه سوى العظام.”
“ما هذا الظلّ الذي يغطّي عينيكِ اللتين كانتا دائمًا تلمعان؟”
أيّدها الكونت أيضًا.
لمست راينا خدّيها بنفسها.
‘هل بشرتي سيئة لهذه الدرجة؟’
بالطبع كانت تشعر بالإرهاق بسببِ لوسيوس، لكنّها كانت تأكل جيّدًا و تنام جيّدًا على أيّ حال.
لو سمع أحدهم كلام الزوجين، لظن أنّ راينا على وشك الانهيار في أيّ لحظة.
“لقد انقطعت أخباركِ فجأة، هل تعلمين كم كانت والدتكِ قلقة عليكِ؟”
“ظننتُ أنّ شيئًا ما قد حدث لكِ، فكان قلبي يعتصر خوفاً.”
انقطعت أخبارها؟
استغربت راينا من كلامهما.
كان الكونت و الكونتيسة يتحدّثان و كأنّها كانت تراسلهما بانتظام، بينما لم ترسل راينا لهما سوى رسالة واحدة فقط.
في اليوم الذي سمعت فيه من إيليا أنّ الكونت و الكونتيسة ينشران شائعات سخيفة.
كتبت لهم حرفًا حرفًا بقوّة: لا تثيرا المشاكل عبثًا، و ابقيا هادئين من فضلكما.
أنتما بالأحرى مَنٔ يفسد الأمور.
“عندما سمعتُ أنّكِ التي خرجتِ في رحلة لمساعدة الدّوق الأكبر أصبحتِ فجأة في قصر إنغرسول، صدمت للغاية!”
“جئنا لرؤيتكِ، لكنّنا سنضطرّ إلى العودة هكذا.”
قال الزوجان و هما يرمقان لوسيوس بنظرات خاطفة.
“يجب أن نعتذر عن وقاحتنا لمجيئنا بهذه الطّريقة دون إذن، لكنّ قلب والدين قلقين على ابنتهما لا يُقاس.”
كان مارتن يراقب لقاء عائلة كرولوت بهدوء، ثمّ سأل لوسيوس:
“هل كلام الكونت و الكونتيسة صحيح؟”
“نعم.”
أجاب لوسيوس بصوتٍ هادئ.
كان قد منع أيّ شخص من لقاء راينا حتى يُحسم مصيرها.
احتجّ الزوجان معتبرين ذلك ظلمًا، لكن لوسيوس لم يُلـقِ لهما بالاً.
في الأصل، كان ينوي التعامل مع الكونت و الكونتيسة معًا بمجرّد أن تثبت إدانة راينا.
لكنّ الأمور خرجت عن توقّعاته عندما تبيّن أنّ راينا هي الشخص المميّز.
“إذن، هل تعترف يا سيدي الدوق الأكبر بأنّك أخذت ابنتنا دون إذن مسبق؟”
سأل الكونت و قد تصلّبت ملامحه موجّهًا كلامه إلى لوسيوس.
“اهـدأ.”
تدخّل مارتن ليتوسط بينهم.
“لوسيوس، كيف تجرؤ على فعل شيء كهذا؟”
وبّخ مارتن لوسيوس.
“راينا هي الشخص الذي ساعدك، و مع ذلك تسبّبتَ في وقوعها في ورطة.”
أنا في ورطة؟
نظرت راينا إلى الكونت و الكونتيسة.
كانا يديران ظهريهما لمارتن و لوسيوس و يغمزان لها.
كأنّهما يقولان: كلّ شيء يسير على ما يرام، فاطمئنّي.
بالطبع لم تشعر راينا بأي طمأنينة، بل شعرت بنذير شؤم.
عاد الزوجان و قد ارتسمت على وجهيهما تعابير الغضب المصطنعة و هما ينظران إلى مارتن و لوسيوس.
“انتشرت شائعة أنّ راينا تقيم في قصر إنغرسول في الأوساط الاجتماعيّة، فتضرّرت سمعة ابنتنا.”
“راينا طفلة ضعيفة الجسم و لم تتمكّن حتّى من المشاركة في النشاطات الاجتماعيّة.”
تابعت الكونتيسة بصوتٍ حزين.
“كنا ننتظر بفارغ الصبر أن تتحسّن صحّتها لنقدّمها إلى المجتمع بشكلٍ لائق.”
“لكن بسببِ دوق إنغرسول الأكبر، أصبح ظهورها خاطئًا منذُ البداية.”
نظر لوسيوس بثبات إلى الكونت الذي يلومه.
تردّد الكونت للحظة، ثمّ نظر إلى مارتن.
و بعدها رفع صوته و قال:
“فتاة لم تتزوج بعد تقيم في قصر عائلة أخرى! هل تعلم ما الذي يقوله الناس عن راينا؟ لا أستطيع حتّى ذكر ذلك من شدّة الألم!”
بصفتهما والدين، من الطبيعي أن يغضبا عندما تتعرّض ابنهما لإهانة ظالمة.
‘نعم، من الطبيعي أن يغضبا. لكن…’
بينما كانت راينا تراقب الموقف بهدوء و تستمع إلى الحديث، أدركت الأمر.
‘يبدو أنّ الشائعات التي أضرّت بسمعتي هي من صنع الزوجين نفسيهما.’
انتشار خبر إقامتها في قصر إنغرسول بهذه السرعة لا يمكن أن يكون إلا بسببِ شخص يعرف الوضع جيّدًا.
و السّبب الواضح لتخريب الكونت و الكونتيسة لسمعة ابنتهما بأنفسهما هو:
‘يريدان استغلال هذه الفرصة لربطي بلوسيوس.’
لقد كانا يتحدّثان بصراحة عن زواج تجاري من قبل.
شعرت راينا برغبة في الضحك بسخرية.
‘هل يعتقدان حقّاً أنّ هذه الخطّة ستنجح؟’
بجدّية؟
لوسيوس سيتحمّل المسؤوليّة بكلّ سرور.
و ماذا عنها هي؟
ستُوسَم فقط كفتاة نبيلة عاشت مع رجل قبل الزواج.
‘لا يوجد لديهما أيّ اعتبار لي على الإطلاق.’
كانت تعرف أنّهما يستخدمان ابنتهما لمصلحتهما، لكن لم تتوقّع أن يتصرّفا بهذه اللامبالاة.
‘على أيّ حال، لم يكن لديّ أيّ تعلّق بالمجتمع الراقي.’
كانت تريد حياة هادئة. لذلك أرادت إدارة دار أيتام، و ابتعدت عن عائلة كرولوت و لم تكن تفكّر في الزواج من أي نبيل.
كانت تريد العيش بهدوء لوحدها، لكن بفضل الكونت و الكونتيسة، سقطت سمعتها في الهاوية.
“لوسيوس، كيف تنوي تسوية هذا الوضع؟”
قام مارتن بتوجيه سؤاله إلى لوسيوس مباشرةً.
“بما أنّني تسبّبتُ في إزعاج الآنسة راينا، فسأقدّم تعويضًا مناسبًا.”
“تعويض؟”
رفعت الكونتيسة صوتها.
“هل يبدو لكَ يا سموّ الدوق أنّ غضبنا هذا من أجل الحصول على التّعويض؟”
ارتفع حاجبا لوسيوس.
كأنّ وجهه يقول: أليس ذلك صحيحًا؟
“ابنتي مثل زهرة لم تتفتّح لكنها تعرضت للإصابة من عاصفة و انكسرت عنقها.”
“إنها مسألة تتعلّق بحياة هذه الفتاة، فكم تعتقد أنّه يمكن تعويضه بالمال؟”
تحدّث الزوجان و كأنّ حياة راينا قد انتهت.
تنهّدت راينا بخفّة. حتّى هي ترى نواياهما بوضوح، فكيف لا يراها لوسيوس؟
حاولت راينا إيقاف الكونت و الكونتيسة قبل أن يزداد الأمر إحراجًا.
“لوسيوس. كلام الزوجين صحيح. هذه ليست مسألة يمكن حلّها بتعويض.”
قال مارتن للوسيوس بصوت وقور.
“عليكَ أن تتحمّل مسؤوليّة الآنسة راينا.”
فتحت راينا عينيها على مصرعيها من شدة ذهولها.
الآن و بشكلٍ مفاجى، جاء مارتن و أخذ يحاول ربطها بلوسيوس.
‘لن يقول شيئاً كهذا بدون سبب.’
نظرت راينا إلى الكونت و الكونتيسة.
‘ما الذي فعلاه؟’
بدأت تشعر أنّ هذا الموقف المنسّق، و كأنّهما وضعا مارتن في مكانه، أمر مشبوه.
ما الذي يجعل مارتن يقبل بكلام الكونت و الكونتيسة؟
‘ربّما يعرفان أنّ لوسيوس سيرفض، لهذا أرادا إلقاء كلامهما فقط؟’
و في اللّحظة التي كانت تفكّر فيها راينا.
“حسنًا”
أجاب لوسيوس بردّ غير متوقّع. اتّسعت عينا راينا حتى فغرت فمها.
نظر لوسيوس إليها و قال كأنّه يثبّت المسمار:
“أنا سأتحمّل مسؤوليّة الآنسة راينا.”
دار رأس راينا للحظة.
‘ما الذي يفكّر فيه لوسيوس بالضبط ليقول مثل هذا الكلام؟’
نظرت إليه بعينين مليئتين بالتساؤ ، لكنّ لوسيوس كان ينظر إليها بوجهه الخالي من التعبير كعادته.
هذا لا ينفع.
“سيّدي الدوق.”
حاولت راينا التحدّث بصوتٍ هادئ قدر الإمكان.
“هل يمكننا التحدّث على انفراد قليلاً؟”
* * *
ما إن غادرت كل من راينا و لوسيوس المكان حتى قال الزوجان لمارتن و كأنّهما كانا ينتظران:
“حقًّا، تأثيركَ على دوق إنغرسول كبير جدًّا يا سيّد مارتن.”
“أنتَ في الحقيقة السيد الحقيقي لعائلة إنغرسول.”
أثنى الكونت و الكونتيسة على مارتن.
لم يردّ مارتن، بل نظر في الاتّجاه الذي اختفى فيه راينا و لوسيوس.
‘لم أتوقّع أن يوافق لوسيوس بهذه السهولة.’
ما إن أدرك الزوجان أنّ مارتن يرغب في شيء منهما حتى غيّرا موقفهما.
طالبا بالمقابل كأنّهما في موقع الطرف الأقوى.
أي زواج لوسيوس و راينا.
وافق مارتن، لكنّه كان يعتقد من البداية أنّ الأمر لن يتـمّ ، فلوسيوس لن يقبل أبدًا.
و حينئذٍ كان ينوي التفاوض مع الزوجين على تعويض آخر.
كان الزوجان يعلمان جيّدًا أنّ الإفراط في الطلب سيؤدّي إلى خسارة كلّ شيء.
لكن لوسيوس وافق!
‘ما الذي ينوي فعله؟’
فكّر مارتن مليًّا ثمّ نظر إلى الزوجين.
“ارتاحا إذن.”
ترك مارتن الزوجين و غادر لأنّه تذكّر أمرًا يجب التحقّق منه الآن.
سار مارتن في طريقة دون تردّد.
كانت وجهته غرفة نوم كاليكس.
التعليقات لهذا الفصل " 41"