كان صوت غناء طائر المئة عام ساحرًا.
بدا الأمر و كأن شخصًا ذا صوت جميل يهمس بأغنية بصوتٍ منخفض.
نظرت راينا إلى طائر المئة عام بعيون مندهشة.
“كيف عرفتِ؟ أن تلك الوحوش هي طائر المئة عام.”
سأل لوسيوس راينا.
“قلتَ أنني سأرى أشياء غير مرئية، أليس كذلك؟”
لهذا السبب سألت راينا لوسيوس عن شكل الوحوش.
‘الأفاعي السوداء كانت كذلك أيضًا.’
لو كانت تلكَ الأفاعي العديدة موجودة على الطريق الذي مرا به، لما كان من الممكن عدم الشعور بلمستها.
أي أن الأرض التي تبدو عادية في عيون الآخرين، تبدو مختلفة في عينيها فقط بسبب الاتفاق مع الروح.
“الأفعى التفت على كاحلي لكنها لم تؤذني أبدًا.”
في ذلك الوقت، أدركت راينا أن ما تراه مخيف الشكل فقط، لكنه لا ينوي أن يتسبب لها بأي أذى.
‘تلك الوحوش أيضًا، مخيفة المظهر فقط، لكنني لم أشعر بأي عداء منها.’
راينا ليست شخصًا يملك حاسّة سادسة حادة تكشف العداء أو نية القتل بدقة.
يبدو أن هذا حدس جديد فتحته بسبب تأثير الروح.
“يبدو أنني أتفاعل بحساسية فقط مع الأشياء الملوثة بسبب الروح.”
انحنت راينا على ركبتيها.
عندما مدت يدها نحو رأس طائر المئة عام، قدم الطائر رأسه بلطف نحوها.
“قال جد ذلك الطفل إن طائر المئة عام الذي رآه كان له ذيل كالطاووس.”
“……”
“أزواج العيون التي كانت لدى الوحوش ذكرتني بزخرفة ذيل الطاووس، ففكرت أنه قد يكون طائر المئة عام.”
لو كان طائر المئة عام، لما هاجمها أبدًا.
لو هاجم لوسيوس أولاً، ربّما كان الطائر سيختفي أو يهاجمها.
“و قد يبدو هذا الكلام مضحكًا قليلاً.”
ترددت راينا ثم أضافت:
“لكنني شعرت أن طائر المئة عام يمزح معنا”
كأنه يجيب على كلامها، رفرف طائر المئة عام بجناحيه.
انحنى طرف فم راينا.
“يقول إنه كان يمزح.”
رفعت رأسها و نظرت إلى لوسيوس.
“نبات الأوبال المائي أيضًا كذلك. يبدو أن الكائنات الغامضة في الإمبراطورية كلها مرحة.”
غنّى طائر المئة عام بصوتٍ عالٍ و مرح.
ضحكت راينا بصوت مسموع أيضًا.
“يقول إنها تشبه شخصية الروح. بما أنها نتجت تحت تأثير الروح، فقد ورثت شخصيته أيضًا.”
“……هل تتحدثين مع طائر المئة عام؟”
“ماذا؟”
اتسعت عينا راينا فجأة.
“ألم تتحدثي مع طائر المئة عام للتو؟”
“أنا؟”
دُهشت راينا أكثر لأنها لم تكن واعية بذلك.
‘الآن عندما أفكر في الأمر.’
بالتحديد، لم تكن تسمع صوتًا في رأسها ، لكنها شعرت بما يريد طائر المئة عام قوله لها.
‘هل هذا أيضًا مرتبط بالاتفاق مع الروح؟’
في اللّحظة التي كانت راينا مندهشة فيها، رفرف طائر المئة عام بجناحيه و صعد على كتفها.
“يقول شكرًا لعدم مهاجمته. لو فعلنا ذلك، لكان محبطًا جدًا.”
فرك طائر المئة عام رأسه بخد راينا.
ضحكت راينا بخفة بسببِ شعورها بالدغدغة.
“أنتَ أيضًا قد تغير شكلكَ بسبب تلوث الروح. لقد كنتَ محبوسًا لوقت طويل.”
نظر لوسيوس إلى راينا و طائر المئة عام اللذين يتحدثان في عالمهما الخاص ثم قال:
“لقد عثرنا على طائر المئة عام، فلنعد الآن.”
أومأت راينا برأسها.
كانت أشعة الشمس الساطعة تتسلل إلى خارج الكهف.
* * *
لم يتوقف طائر المئة عام عن الغناء طوال الطريق إلى قصر إنغرسول.
لم يركبا العربة معًا.
عندما نزلا من الجبل، اختفى طائر المئة عام.
لكن راينا عرفت أنه أخفى شكله فقط بينما يتبعها بشكل دائم.
‘بالإضافة إلى أنه يستمر في الغناء لي.’
لا يمكنها عدم معرفته.
كان الصوت جميلاً بالنّسبة لراينا، لكن تعبير لوسيوس كان جامدًا، بدا و كأنه بدأ يمل بالفعل.
عند عودة راينا إلى قصر إنغيرسول، وضعت تمثال بومر و التمثال الصغير جنبًا إلى جنب و نادت الروح.
سرعان ما أضاء تمثال بومر بضوء ساطع، و ظهر الروح.
غطّت راينا عينيها تحسبًا لأي شيء.
لحسن الحظ، كان يرتدي ملابس هذه المرة.
“هل عثرتما على طائر المئة عام؟”
عندما أومأت راينا، ابتهج الروح و نادى طائر المئة عام.
عند ندائه، ظهر الطائر.
جلس طائر المئة عام على ذراع الروح و غنى باستمرار .
هذه المرة، كان صوته حزينًا.
“أنا أيضًا سعيد برؤيتكَ بعد وقت طويل.”
سرعان ما اعتذر الروح لطائر المئة عام.
“آسف لأنني جعلتكَ هكذا.”
هز طائر المئة عام رأسه.
ثم هز الروح رأسه بعد سماع غناء الطائر.
“أنتَ أيضًا رأيتَ ذلك. طائر الألف عام مات. لا تستطيع راينا إعادته.”
عند كلام الروح، انخفض رأس طائر المئة عام بثقل.
“طائر الألف عام؟”
سألت راينا الروح بدافع الفضول.
“كان طائر الألف عام الطائر الوحيد الذي يعيش في ينبوعي فقط.”
لم يتمكن الروح من مغادرة الينبوع الذي ولد فيه.
شعر الروح بالوحدة، فأنتج حيوانات و نباتات خاصة به فقط ليكونوا رفاقه.
كان طائر الألف عام مشابهًا في الشكل لطائر المئة عام، لكنه أطول عمرًا بكثير.
كانت طيور المئة عام التي تأتي إلى الروح تتبع طائر الألف عام كأنه والدها.
“هو مَنٔ قتلـه.”
قال الروح ذلكَ بصوتٍ منخفض غاضب.
“حاول طائر الألف عام منعه بيأس من شرب ينبوعي تعسفًا.”
أدركت راينا مَنٔ هو الشخص الذي يتحدث عنه الروح.
إنه دوق إنغرسول الأول.
“ليس طائر الألف عام فقط. فقد قطع كل الحيوانات و النباتات التي هرعت لمساعدتي.”
كأن غضبه يرتجف عند تذكر ذلك الوقت، ارتجف الروح قليلاً.
“لم أرَ كائنًا جشعًا إلى ذلك الحد من قبل.”
لم تعرف راينا ماذا تقول.
نظرت سريعًا إلى لوسيوس.
لم يتغير تعبير لوسيوس رغمَ كلام الروح.
كان يستمع إليه بصمت فقط.
“هل يمكن إيقاظ كاليكس الآن؟”
“بالتأكيد.”
نقل الروح طائر المئة عام إلى كتفه.
“بما أنكِ أحضرتِ طائر المئة عام، فقد عادت بعض قوتي.”
“هل سيؤثر ذلكَ في التطهير؟”
أومأ الروح برأسه فأطلقت راينا الصعداء.
“قطعتُ الرابط حتى لا يمتص كاليكس قوتي الشريرة أكثر.”
لكن الروح لم يبدُ مطمئنًا أبدًا، و أظلم وجهه.
“لكن القوة التي امتصها بالفعل تبقى داخل جسد كاليكس.”
“تبقى؟ ماذا يعني ذلك؟”
“يعني أن كاليكس قد يحاول امتصاص قوتي الشريرة مرّةً أخرى في أيّ وقت.”
شرح الروح أن رابطًا غير قابل للقطع نشأ بين كاليكس و الروح.
“يجب منع كاليكس من الرغبة في هذه القوة الشريرة.”
شعرت راينا باليأس.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
نظر الروح إلى راينا الغارقة في القلق و ابتسم بخفّة.
“راينا. لا تقلقي كثيرًا.”
رفعت راينا نظرها إلى الروح.
“مجرّد وجودكِ يمكن أن يغيّر كاليكس كثيرًا.”
“أنا؟”
نظر الروح حوله.
اكتشف كأس ماء و زجاجة ماء على الطاولة، فلوّح بإصبعه.
طارت الزجاجة نحوه.
نظرت راينا بعيونٍ مندهشة إلى الزجاجة العائمة في الهواء.
“يمكنكَ استخدام السحر.”
ضحك الروح كأنه سمع شيئًا مضحكًا جدًا عند تلكَ الكلمات.
“لا. أنا أتحكم في الماء فقط.”
قال الروح بفخر.
“ألم أخبركِ من قبل؟ أنا ماء، لذا يمكنني التسرب و الاختراق في أي مكان.”
أشار بإصبعه السبابة إلى لوسيوس.
“البشر كذلك. يمكنني التحكم في دم لوسيوس كما أشاء.”
اتسعت عينا راينا.
“يمكنني غليه، أو تبريده، أو إيقافه.”
“إذًا…… هل تلكَ هي القوة التي استخدمها كاليكس؟”
تذكرت راينا الفارس الذي أسقطه كاليكس.
“ربما. يبدو أن كاليكس يعرف كيفية استخدامها غريزيًا.”
قال الروح و هو ينقر لسانه بأن ذلك أشدّ رعبًا.
“عندما تذهبين إلى كاليكس، جهّزي الماء.”
“ماء؟”
وضع الروح الزجاجة بجانبه، ثم نقر بإصبعه لمرّة.
اختفى الروح فجأة.
رفرف طائر المئة عام الذي فقد مكانه بجناحيه بسرعة و جلس على كتف راينا.
“السيد الروح؟”
“هنا.”
نظرت راينا حولها ثم وجهت نظرها إلى الزجاجة.
كان شكل الروح ينعكس داخل الزجاجة.
“طالما هناك ماء، يمكنكِ استدعائي في أي وقت.”
نظرت راينا إلى الزجاجة بعيونٍ مندهشة.
“اذهبي إلى كاليكس الآن. هناك شيء أريد التأكد منه، و سأخبركِ بالقربان الثاني بعد ذلك.”
سرعان ما اختفى الروح مجددًا.
التعليقات لهذا الفصل " 39"