طقطقة.
كان صوت احتراق الحطب في النار هو الصوت الوحيد الذي يتردد داخل الكهف.
جلس لوسيوس و راينا في صمت بينما ينظران إلى النار فقط.
بينما كانت راينا تحدق في اللهب بذهول، أغمضت عينيها ببطء.
‘في البداية، شعرتُ بالتوتر كثيرًا لفكرة قضاء الليلة لوحدي مع لوسيوس.’
لكنها بدأت تشعر بالنعاس تدريجيًا.
تعجّبت راينا من شعورها بالنعاس في مثل هذا الوضع، لكنها اعتقدت أنه لا بد من شعورها بذلك بسببِ الوضع نفسه.
‘تعرضتُ لأفاعٍ سوداء غريبة، ثم تدحرجتُ من الجبل.’
لا بد أن جسدها يشعر بالإرهاق.
أصلحت راينا معطف لوسيوس الذي ترتديه، و أسندت ظهرها إلى جدار الكهف.
نظرت سريعًا إلى لوسيوس، ثم اتسعت عيناها.
كان لوسيوس مغمض العينين.
كان جانب وجهه هادئًا كأنه نائم.
شعرت راينا للحظة بمشاعر غريبة.
لأنه بدا غير محمي، بخلاف شخصيته.
مستحيل.
رغم تفكيرها بذلك، لم تستطع راينا إبعاد عينيها عنه.
‘يبدو متعبًا قليلاً أيضًا.’
قامت راينا بتفحص بشرة لوسيوس.
‘هل ينام لوسيوس بشكلٍ جيد؟’
منذُ أن أعطته راينا منومًا لاستبدال التمثال الصغير، هل كان لديه وقت للنوم؟
في اللّحظة التي شعرت فيها راينا بالفضول ، تحرك لوسيوس بهدوء.
كان يضع ذراعه على ركبة واحدة مرفوعة.
اعتقدت أنه يمسك مكان الإصابة من السقوط ليحتمل الألم، لكن راينا التي راقبته لفترة أدركت حقيقة مذهلة.
كلما هبط جفناه و كأنه غير قادر على مقاومة النوم، كانت أصابعه تغرز في الجرح.
الجبل في منتصف الليل مكان خطير.
خاصة لشخص مثل راينا التي لا تملك وسيلة لحماية نفسها. كان ينوي عدم تركها وحدها حتى يطلع النهار.
“صاحب السمو.”
عندما نادته راينا، فتح لوسيوس عينيه و نظر إليها.
رغم إغلاقه عينيه طوال الوقت، لم يكن في عينيه أي نعاس.
كعادته، كانت عيناه الصافيتان موجهتين نحوها.
“أليس من الأفضل لكَ أن تغفو قليلاً؟”
ضاقت عينا لوسيوس قليلاً.
“ماذا لو اقتحمت وحوش الجبل هذا الكهف في تلكَ الأثناء؟”
“يمكننا النوم بالتناوب. و أيضًا……”
أشارت راينا بعينيها إلى يده المصابة.
“إن استمررتَ في تهييج الجرح، سيتعفن.”
مدت راينا يدها نحوه.
عندما أمسكت بالمنديل الذي يمسكه، أرخى لوسيوس قبضته.
أخذت راينا المنديل و لفّته جيدًا على ظهر يده.
“صاحب السّمو ، أنـتَ متعب أيضًا.”
“……”
“يمكننا البحث عن طائر المئة عام مجددًا عند الفجر، فارتح الآن.”
عقدت راينا عقدة على المنديل، ثم سحبت يدها و نظرت إليه.
ربّما كان ينظر إليها طوال الوقت، فالتقت عيناهما مباشرة.
كان ينظر إليها بصمت، ففتحت راينا فمها.
“صاحب السّمو؟”
“أنا……”
بدأ لوسيوس الكلام ثم أغلق فمه.
سرعان ما مال برأسه نحوها.
عندما اقتربت المسافة بينهما إلى درجة مكّنتها من الشعور بأنفاسه على بشرتها، ابتلعت راينا ريقها.
‘لماذا يتصرف هكذا فجأة؟’
توترت راينا من تصرف لوسيوس الغامض.
الآن تذكرت، حدث شيء هكذا سابقًا.
‘في اليوم الذي أخذ فيه المنوم و نام، فعل الشيء نفسه.’
في ذلك الوقت، اعتقدت أنها ستموت على يد لوسيوس دون شك.
‘لأن نظرة لوسيوس حينها كانت غريبة.’
هل هو الآن في نفس الحالة؟
إن فقد لوسيوس عقله بينما هما معزولان في الجبل هكذا ،فستموت راينا عبثًا حقًا هذه المرّة.
نظرت راينا سريعًا إلى لوسيوس بعينيها فقط.
كان لوسيوس مغمض العينين و رأسه قريب جدًا من كتفها.
لم يتحدث أي منهما، فساد الصمت المكان.
كانت راينا تسمع صوت أنفاس لوسيوس الهادئة فقط.
“أنتِ تقولين ذلك بسهولة.”
عندما فتح لوسيوس فمه، انتفضت راينا.
استقر رأسه على كتفها.
“رغم أنكِ لا تستطيعين تحمله.”
تمتم كأنه يتحدث مع نفسه.
“…..إن ظهر وحش جبلي، يمكنني إيقاظ صاحب السّمو على الفور.”
ضحك لوسيوس بسخرية عند كلام راينا.
“لا. ليس ذلك.”
فتح لوسيوس عينيه ثم مد يده الملفوفة بالمنديل نحو راينا.
سرعان ما أمسك بطرف شعرها بحذر.
التفت لوسيوس لينظر إلى مدخل الكهف.
و في الوقت نفسه، سحب سيفه من خصره.
“صاحب السّمو؟”
“شش.”
أخفى لوسيوس راينا خلف ظهره.
نظرت راينا من فوق كتفه إلى خارج الكهف.
‘لا يوجد شيء؟’
لكن لوسيوس لم يرخِ حذره بعد.
خلال الصمت الموتر الذي كان يسود المكان، فتحت راينا عينيها على مصرعيها.
اختلط صوت عواء وحش جبلي مع صوت الريح.
غررر.
شعرت راينا بإحساس سيء بسبب الصوت المنخفض الخشن.
و كان إحساسها صحيحًا.
ظهر وحش جبلي أمام الكهف.
كان يبدو كدب ضخم للوهلة الأولى.
لكن الأسنان المنشارية داخل ذلك الفم المشقوق حتى تحت الأذنين لا يشبه شكل أي دب عادي تعرفه راينا أبدًا.
فتح الوحش عينيه المخفيتين تحت الفراء مع زئير منخفض.
عندها، برزت عشرات العيون الملتصقة على وجهه كلها مرة واحدة.
كانت مرعبة، لكنها في الوقت نفسه كانت تبدو كزخرفة الطاووس الملونة، موجهة نحو راينا.
شعرت راينا برعب واضح أمام هذا الكائن الغريب الذي لم ترَه من قبل.
رغم ذلك، كان تعتقد أن لوسيوس يمكنه التعامل معه، فابتلعت ريقها.
كان هناك ثلاثة وحوش أخرى تتحرك في الظلام.
‘إن هاجمت الأربعة معًا.’
حتى لوسيوس قد يكون في خطر، اليس كذلك؟
نظرت راينا إلى ظهر لوسيوس.
كان متجمدا مكانه، ممسكًا السيف بقوّة دون حراك.
شعرت بالتوتر الشديد بينه و بين الوحوش.
يبدو أن لوسيوس ينتظر اللّحظة المناسبة بحذر.
“راينا.”
ناداها لوسيوس بصوت خافت.
“عندما أعطيكِ الإشارة، اركضي إلى نهاية الكهف و أخفضي جسدكِ.”
“نعم.”
أجابت راينا بصوتٍ خافت أيضًا.
“ثلاثة. اثنان.”
بدأ لوسيوس العد تنازليًا.
بينما كانت راينا تشد ساقيها، عبست فجأة.
“واحـ……”
“انتظر لحظة.”
أمسكت راينا بذراع لوسيوس.
سألها لوسيوس دون نزع عينيه عن الوحوش:
“ماذا تفعلين؟”
لم يفهم سبب عدم تعاون راينا في هذا الوضع الخطير.
“هناك شيء غريب.”
“ما هو؟”
لم تستطع راينا الإجابة فورًا.
كان من الصعب عليها شرح ماهية شعورها بالكلمات.
“راينا. فقط افعلي ما أقول……”
“صاحب السّمو. كم عينًا ترى في هذه الوحوش؟”
لم يفهم لوكيوس سبب سؤالها، فأجاب:
“زوج واحد. كباقي الوحوش.”
“الأمر ليس كذلك بالنّسبة إلي.”
شدّت راينا قبضتيها.
“يبدو أن هذه الوحوش لا تنوي مهاجمتنا.”
“لماذا؟”
“لا أعرف. لكنني أشعر بذلك.”
“…….”
“لا يجب أن نهاجم أولاً.”
“فقط بسببِ شعور؟”
كانت راينا محبطة لعدم قدرتها على الشرح بشكلٍ جيّد.
لكنها لم تشعر بإحساس قوي كهذا سابقًا.
“إن كان كلامكِ خاطئًا، سنموت كلانا.”
“…….”
“هل تخبرينني الآن أن أراهن بحياتي على كلامكِ فقط؟”
سأل لوسيوس بصوت بارد.
“أعرف كم يبدو كلامي سخيفًا، لكن هل يمكنكَ الوثوق بي لمرة واحدة فقط؟”
عندما قالت راينا بإلحاح، توقف لوسيوس قليلاً.
“سأفعل كما تقولين.”
بشكل غير متوقع، وافق لوسيوس على كلامها. و سرعان ما أنزل ذراعه الممسكة بالسيف ببطء.
“على أيّ حال، يجب أن أراهن بمصيري عليكِ.”
تمتم لوسيوس كأنه يتحدث لنفسه، ثم ألقى السيف على الأرض.
عند ذلك الصوت، توجهت عشرات العيون نحو لوسيوس.
سرعان ما اندفعت الوحوش الأربعة نحو لوسيوس و راينا معًا.
وقفت راينا بجانب لوسيوس، و هي تشد على ذراعه.
عندما فتح الوحش فمه كأنه سيبتلع رأس راينا، اتسعت عينا راينا.
و في اللحظة التي اعتقدت أن أنياب الوحش لامست خدها، شعرت بدغدغة.
تحولت أسنان الوحش الحادة إلى ريش ناعم، و هبت ريح قوية مع صوت رفرفة أجنحة.
رفعت راينا ذراعها لحماية وجهها، ثم أنزلتها عندما هدأت الريح.
اختفت الوحوش الأربعة، و ظهر طائر أبيض ناصع يعمي العينين أمام راينا و لوسيوس.
كان ذيله الأسود المفتوح كمروحة مزخرفًا بنفس نمط عيون الوحوش.
مال الطائر برأسه و نظر إلى راينا.
أطلقت راينا أخيرًا نفسها المحبوس.
أخيرًا، لقد عثرت على طائر المئة عام.
التعليقات لهذا الفصل " 38"