قبل صعود الجبل، نظر لوسيوس إلى راينا مطولاً.
” ما الأمر؟”
“هل أنتِ متأكدة أنكِ على ما يرام؟”
شعرت راينا بشيء من عدم الثقة في صوته.
“حتى لو لم أكن بخير، يجب علي أن أفعل هذا.”
أجابت راينا باختصار.
‘لا يمكنني الامتناع عن التحرك فقط لأنني لا أريد.’
كانت راينا ضرورية للعثور على طائر المئة عام. لأن الطائر سيستجيب لروحها بصفتها شخصًا مميّزًا.
“حتّى لو قلتِ في منتصف إنكِ تريدين النزول، فذلك لن يجدي نفعًا.”
“لن أقول مثل هذا الكلام.”
انتهى حديثهما عند ذلك، و صعدا الجبل صامتين.
‘على الأقل، أنا سعيدة لأنني مع لوسيوس.’
من خطواته الثابتة الخالية من أي تردد، بدا لوسيوس معتادًا على تفتيش الجبال.
حتى لو ظهرت وحوش جبلية، سيتخلص لوسيوس منها قبل أن تفزع راينا.
‘لا داعي للقلق من الضياع في الجبل أو من وجود تهديد على حياتي.’
لكن هناك شيء آخر يقلقها.
أنزلت راينا نظرها إلى قدميها.
‘قدماي تؤلمانني كثيرًا.’
بالصدفة، أمطرت أمس، فكانت الأرض رطبة.
أدركت راينا الغير معتادة على تسلق الجبال متأخرة أنها اختارت حذاءً خاطئًا. كانت تفقد توازنها بسهولة على الطريق المبلل، فكانت تحرص على عدم السقوط.
عندما رأى لوسيوس حالها، فتح فمه.
“إن كنتِ غير مرتاحة، غيري حذاءكِ معي على الأقل.”
رغم عدم تطابق المقاس، إلا أنه سيكون أفضل من حذائها النسائي المهترئ.
“سأمشي حافيًا إن لزم الأمر.”
أضاف لوسيوس بهدوء.
‘هذا غير متوقع.’
دهشت راينا قليلاً من كلامه.
“لا بأس. لا يمكنني إزعاج صاحب السّمو بهذا.”
“إن توقفتِ عن المشي بسبب ألم قدميكِ، فسيسبّب ذلك إزعاجًا أكبر.”
“…….”
“عندها، سأضطر لحملكِ على ظهري.”
للحظة ، كادت راينا أن تضحك بسخرية.
‘هذا هو.’
“حتى لو حدث ذلك، لن أطلب من سموّ الدّوق حملي، فلا داعي للقلق.”
ندمت راينا على الفور بعد كلامها.
‘هل بدا كلامي ساخرًا جدًا؟’
بما أنه كان ينظر إليها مباشرة، قالت راينا بسرعة:
“أنا أتحمل جيدًا رغم مظهري.”
“أعرف.”
اتسعت عينا راينا.
كان صوت لوسيوس جادًا.
“لهذا قلتُ ذلك.”
أبعد نظره عنها.
“في اليوم الذي ذهبنا فيه إلى دار الأيتام في الشرق، كانت حالتكِ سيئة جدًا، أليس كذلك؟”
تذكر لوسيوس راينا التي رآها في العربة.
كان وجهها شاحبًا كأنها ستسقط في أي لحظة. أصرت على عدم الراحة رغم توقيف العربة للتقيؤ.
“عندما أراكِ في مثل ذلك الوضع……”
أغلق لوسيوس فمه دون إكمال جملتهخ.
توقف قليلاً لاختيار الكلمات التالية.
سرعان ما وجد الكلمات المناسبة، و فأكمل بثقة:
“أشعر بالضيق.”
“…..”
“للغاية.”
“……نعم. الأمر كذلك.”
في اللّحظة التي أدارت فيها راينا المذهولة نظرها عن لوسيوس.
“آه!”
صرخت و هي تنظر إلى الأرض، بينما تتمسك بذراع لوسيوس.
“أفعى، أفاعي!”
اقتربت راينا من لوسيوس و أشارت إلى الأرض.
ليست واحدة فقط، بل عشرات الأفاعي، كانت تغطي الأرض بشكل كثيف و هي تتحرك.
نظرت راينا إلى الخلف و فتحت عيناها على مصرعيها.
كان الطريق الذي مرا به مليئًا بالأفاعي السوداء أيضًا.
‘لماذا لم أرها إلا الآن؟’
انتشرت قشعريرة في جسدها.
رفعت إحدى الأفاعي تحت قدميها رأسها، و التفّت حول كاحل راينا في لحظة.
“آه!”
لم تستطع راينا حتى الصراخ بشكل صحيح، و تراجعت للخلف.
“راينا.”
ناداها لوسيوس، لكنها لم تسمع.
أرادت فقط التخلص من ذلك الشيء المقزز على كاحلها.
في اللحظة التي تحركت فيها راينا بخطواتٍ سريعة بوجه شاحب.
انهارت الأرض التي داست عليها، و فقدت توازنها و سقطت إلى الأمام.
يبدو أن الأرض كانت ضعيفة أصلاً، فانهارت بسبب المطر الغزير مع صدمة صغيرة.
“راينا!”
ركض لوسيوس خلفها محاولاً الإمساك بها، لكنهما تدحرجا معًا.
اعتقدت راينا أن سقوطًا من هذا الارتفاع قد يكسر شيئًا في جسدها، فأغمضت عينيها بقوة . لكن خلافًا لتوقعها، لم يؤلمها شيء.
فتحت راينا عينيها بهدوء.
“هل أنتِ بخير؟”
سألها لوسيوس و هو ينظر إليها من الأعلى.
فتحت شفتا راينا ببطء.
لأنه احتضنها أثناء السقوط، لم تتعرّض لأي أذى.
“ب، بخير.”
عندما أجابت، وقف لوسيوس.
“انهضي.”
مد يده لها.
أمسكت راينا بيده و نهضت.
جالت أنظارهما حول المكان.
في السابق ، كانا يصعدان طريقًا يمكن للبشر المرور به نسبيًا، لكن المكان الذي سقطا فيه الآن كان محاطًا بجرف صخري مخيف.
رفع لوسيوس رأسه ليرى المكان الذي سقطا منه.
يمكنه التسلق لوحده، لكن بالنسبة لراينا فذلك مستحيل.
نظر لوسيوس إلى راينا.
“لنجد طريقًا آخر……”
“صاحب السمو!”
نظرت راينا إليه بعيون مندهشة.
“أنتَ تنزف!”
أشارت راينا إلى يده فأنزل لوسيوس نظره إلى يده.
كانت تلك نفس اليد التي حمى بها رأس راينا.
خُدشت بواسطة حجر، لهذا كان ظهر اليد ممزقًا و ينزف.
و لأن عظامه سليمة، رفع نظره إلى راينا مجددًا.
“يجب أن نعود.”
شعرت راينا بالارتباك من تصرفه.
‘رغمَ أن الدم ينزف بهذا الشكل!’
لم يهتم لوسيوس أبدًا.
أخرجت راينا منديلاً من صدرها بسرعة.
“هل أنتَ بخير؟ استخدم هذا لإيقاف النزيف.”
نظر لوسيوس إلى المنديل الذي قدمته راينا مطولاً ثم أخذه.
كعادته، مسح الدم على ظهر يده بسرعة، و عبس.
“ما الخطب؟”
“الجبل قد أظلم.”
نظرت راينا حولها عند سماع ذلك.
كان لوسيوس محقًا.
كان الجبل يظلم بسرعة.
‘لا يزال هناك وقت حتى الغروب؟’
قال لوسيوس لراينا المستغربة:
“لا يمكننا التحرك أكثر، يجب العثور على مكان للمبيت.”
“مكان للمبيت؟”
“إن حل الليل على هذه الوتيرة، سيصبح الجبل أخطر.”
* * *
وجد لوسيوس كهفًا و قام بجلب راينا إليه.
“عليكِ البقاء هنا بهدوء.”
ثم تركها و خرج من الكهف.
عندما عاد، كان يحمل مواد لإشعال النار.
شاهدت راينا لوسيوس و هو يشعل النار بمهارة.
كان يبدو معتادًا على قضاء الليل في الجبل بهذا الشكل، فلم يبدُ مرتبكًا أبدًا.
“بخصوص الأفاعي التي رأيتِها سابقًا.”
فتح لوسيوس فمه بعد إشعال النار.
“أنا لم أرها.”
اتسعت عينا راينا.
“مستحيل. كانت الأرض مليئة بالأفاعي. حتى الطريق الذي مررنا به كان يعج بها!”
هل ما رأيتُه كان هلوسة؟
مستحيل.
“الشعور بالتفاف الأفعى على كاحلي لا يزال حيًا……”
“على كاحلكِ؟”
توجه نظر لوسيوس مباشرة إلى كاحل راينا.
رفعت راينا ثوبها قليلاً للتأكد.
قبل أن تمد يدها، مد لوكيوس يده أولاً.
ضغط بطرف إصبعه على كاحلها بخفة.
“هل تتألمين؟”
“لا. إنه لا يؤلم.”
بما أن كاحلها سليم ظاهريًا و باطنيًا، سحب لوسيوس يده.
“ذلك بسبب الروح بالتأكيد.”
واصل لوسيوس كلامه و هو يفك أزرار معطفه واحدًا تلو الآخر.
“لقد عقدتِ اتفاقًا جديدًا مع الروح. و بما أن رابطًا مع الروح نشأ، قد أصبحتِ ترين أشياء لم تكوني ترينها سابقًا.”
لم يرَ لوسيوس شيئًا، لكن بسبب كون راينا شخصًا مميّزًا قد ترى ذلك.
“أشياء غير مرئية؟”
“الأشياء الملوثة بسبب تلوث الروح.”
النباتات و الحيوانات بالطبع، و الأرض و الماء و كل ما تأثر بالروح.
‘الآن عند التفكير في الأمر.’
أدركت راينا أنها كانت مفرطة الحساسية بشكلٍ غريب عند رؤية الأفاعي السوداء.
ربما لأنها شعرت أنها غير عادية.
“قد ترين المزيد أثناء البحث عن القرابين التي يطلبها الروح.”
“……أشياء مقززة أكثر؟”
عندما بدت راينا و كأنها تشعر بالإشمئزاز، نظر لوسيوس إليها بهدوء.
وجه لا يمكن معرفة ما يفكر فيه.
‘إنه يحدق بي هكذا في بعض الأحيان.’
شعرت راينا بالضيق فأدارت نظرها، و رأت ظهر يد لوسيوس.
بجانب النار المشرقة، بدا جرحه أكثر وضوحًا.
“آسفة.”
بسببها أصيب لوسيوس، و ضاعا في الجبل و انعزلا.
“انتهى بي الأمر بالتسبب بإزعاج صاحب السّمو.”
“هذا ليس خطأكِ. يبدو أن هذا الجبل غريب.”
خلع لوسيوس معطفه.
اتسعت عينا راينا و هي تنظر إليه.
وضع لوسيوس معطفه على كتفيها. ثم جلس بجانبها و قال بهدوء:
“سنقضي هذه الليلة هنا.”
مهلا لحظة.
لوحدهما؟
التعليقات لهذا الفصل " 37"