“راينا.”
نظر لوسيوس إلى راينا و خلع معطفه.
اتسعت عينا راينا بدهشة.
وضع معطفه على كتفيها ثم جلس بجانبها.
“لا مفر من قضاء هذه اللّيلة في هذا الكهف.”
أومأت راينا برأسها.
كان وجهها هادئًا، لكن داخلها لم يكن كذلك.
‘كيف آلت الأمور إلى هذا الوضع؟’
قبل ساعة واحدة فقط، كانت راينا تبحث عن طائر المئة عام مع لوسيوس.
‘لكن لماذا.’
انتهى بها الأمر بقضاء الليلة وحدها مع لوسيوس في كهف!
استعادت راينا ذكرياتها لتفهم كيف وصلا إلى هذا الوضع المحرج.
حتى لو كان لها عشرة أفواه، لن يكون لديها عذر، فالسبب الرئيسي في ذلك كان خطأها هي.
* * *
قبل الانطلاق للبحث عن طائر المئة عام، سألت راينا لوسيوس:
“هل تعرف ما هو طائر المئة عام؟”
عندما أمر الروح بإحضار طائر المئة عام، لم تفهم راينا ما هو هذا الطائر.
لكن لوسيوس، بخلافها، بدا أنه فهم فورًا.
“طائر المئة عام هو أحد الكائنات الغامضة التي تعيش في الإمبراطورية.”
كل الكائنات الغامضة في الإمبراطورية التي لا توجد في بلدان أخرى كانت من قوة الروح.
و من بينها، كان طائر المئة عام أول حيوان له.
يشتهر طائر المئة عام الذي يحمل قوة الروح بصوته الغنائي الفريد.
إنه صوت أمنيات البشر.
كان طائر المئة عام يتجول في أنحاء الإمبراطورية، يستمع إلى الأمنيات الملحة و يوصلها إلى الروح.
من خلال ذلك الصوت، كان الروح يبحث عن البشر الذين يعيشون في ظروف بائسة.
“طائر المئة عام ماهر في الاختباء و لا يظهر نفسه، لكنه يحب البقاء قرب البشر.”
“لكنني لم أره أبدًا.”
“لأنه انقرض الآن.”
“إذًا كيف نعثر عليه؟”
“أنتِ تستطيعين العثور عليه”
عندما بدت راينا و كأنها لم تفهم، شرح لوسيوس:
“كنتُ أبحث عن الحيوانات و النباتات المنقرضة.”
أخبر الروح لوسيوس أن الشخص المميّز مرتبط بالحيوانات و النباتات المنقرضة.
مع فقدان الروح لقوته، اختفت تدريجيًا الكائنات الغامضة.
لأن قوة الروح لم تعد تحل فيها، عادت إلى حيوانات و نباتات عادية.
لذا، بحث لوسيوس عن الأماكن التي عادت فيها الحيوانات و النباتات المنقرضة أو لا تزال موجودة.
إذا كانت متأثرة بالشخص المميّز، فسيكون الشخص المميّز الذي يبحث عنه الروح هناك بكل تأكيد.
كان سبب تجوال لوسيوس في أنحاء الإمبراطورية مبكرًا بأمر الإمبراطور هو اعتقاده أن ذلك سيساعد في البحث.
“هل تتذكرين نبات الأوبال المائي الذي رأيناه عندما التقينا عند الجدول؟”
كيف لا تتذكره.
كادت راينا تسقط في الماء مسحورة بذلك النبات.
“كان ذلكَ النبات المائي معروفًا بأنه منقرض، لكنه اكتُشف مجددًا قرب دار الأيتام التي كنتِ فيها.”
في ذلك الوقت، اعتبر لوسيوس الأمر صدفة.
فمهما بحث، لا يكن بإمكانه معرفة حال كل النباتات المائية في الإمبراطورية.
لكن الآن، يبدو أن ذلك الأمر لم يكن صدفة.
“بوجودكِ بالقرب منه، كشف نبات الأوبال عن شكله الأصلي.”
“هل يمكن أن يحدث الشيء نفسه مع طائر المئة عام؟”
أومأ لوسيوس برأسه.
فجأة، سألت راينا لوسيوس عن شيء خطر في بالها:
“هل كنتَ هناك في ذلك الوقت للبحث عن نبات الأوبال، و ليس لملاحقتي؟”
نظر لوسيوس إلى راينا بهدوء ثم قال:
“ذهبتُ إلى هناك للراحة.”
دُهشت راينا من الجواب غير المتوقع.
في الفترة التي كان فيها لوسيوس يؤدي دور الشخص الذي يحلّ المشكلات في الإمبراطورية بأمر الإمبراطور، كان عليه قضاء أيام عديدة مع غرباء.
كان ذلك عذابًا للوسيوس الذي يكره الأماكن المزدحمة.
كان يبحث عن مكان خاص به للراحة كلما ذهب إلى منطقة جديدة.
كانت الغابة التي التقت فيها مع راينا واحدة منها.
ذهب لوسيوس إلى هناك، إلى المكان الأقرب نسبيًا إلى العاصمة، بناءً على إلحاح سيريل الذي توسل إليه أن يرتاح قليلاً.
“على أيّ حال، يمكن معرفة موطن طائر المئة عام القديم بسهولة نسبية.”
رغم أنه أصبح الآن شبه أسطورة، إلا أن المواد المتبقية وفيرة.
لم يكن عليهما العثور على الطائر فورًا، بل مجرد ذهاب راينا إلى مواطنه القديمة كافٍ للحصول على خيط، فكانت تنظر إلى الوضع بإيجابية.
“لكن هناك مشكلة واحدة.”
“ما هي؟”
“سكان المناطق البعيدة نسبيًا عن نفوذ النبلاء لا يثقون بالنبلاء.”
في الماضي، انتشر صيد الحيوانات النادرة في الإمبراطورية.
كان النبلاء يتنقلون بين مناطق الصيد و يصطادون الحيوانات النادرة الشهيرة في أنحاء الإمبراطورية.
كان من الطبيعيّ أن يفقد السكان الثقة ، فقد كان النبلاء يصطادون رموز المناطق النادرة تحت ذرائع مختلفة حتى يقضوا عليها.
ابتسمت راينا ابتسامة خافتة عند سماع كلام لوسيوس أن الغرباء لن يفتحوا أفواههم أبدًا.
“هذا جيد.”
“ماذا؟”
قالت راينا و هي تنظر إلى المواد التي قدمها لوسيوس:
“أعرف شخصًا من سكان هذه المنطقة.”
نظر لوسيوس إلى راينا بنظرةٍ مشككة.
كيف لها هي التي عاشت في قصر كرولوت فقط بسبب ضعف جسدها، أن تكون لها صلة بأناس في منطقة نائية، و في قرية مجتمع صغير كهذا.
“دعنا نذهب فورًا و نسأل.”
قالت راينا بهدوء.
‘يا لها من صدفة.’
قرية صغيرة في المنطقة الخارجية الوسطى من الإمبراطورية.
كانت راينا تعرف شخصًا يعيش في ذلكَ المكان جيدًا.
ذلك الشخص هو.
«ل، لماذا هنا…… هل أتيتما للبحث عني؟»
الصبي الذي سرق محفظتها بالضبط.
“قلتِ إنكِ ستتغاضين عما حدث! أنا أعيش بصدق منذ ذلك الحين حقًا!”
شحب وجه الصبي عندما وصل راينا و لوسيوس إلى قريته.
نظر إليهما كأنه يرى دمية ملعونة تعود إلى المنزل مهما تم رميها، كما في قصص الأشباح.
نسي تمامًا أنه أخبر راينا بكل معلوماته الشخصية بالتفصيل.
“لم نأتِ من أجل ذلك الأمر.”
قالت راينا للصبي الذي كاد يبكي:
“جئنا نطلب مساعدتكَ.”
“مساعدة؟”
“إن استجبتَ لطلبنا فقط، سنعطيك مقابلًا سخيًا.”
وضعت راينا يدها بهدوء على حزامها.
ابتلع الصبي ريقه عند رؤية المحفظة السميكة.
“و ما هو؟”
“يقال إن طائر المئة عام يُرى في هذه المنطقة. هل تعرف كيف يمكن رؤيته؟”
“طائر المئة عام، هل تقصدين طائر المئة عام نفسه؟”
عبس الصبي قليلاً.
“ذلك الطائر انقرض.”
لم يره الصبي بنفسه من قبل، بل سمع عنه فقط من الكبار.
“لا يهم.”
لم تهتم راينا أبدًا.
“يكفي أن تخبرني بما تعرفه عن طائر المئة عام.”
“أمرنا الكبار ألا نخبر الغرباء أبدًا.”
بدأ الصبي الكلام ثم نظر إلى راينا.
“لكنني سأخبركِ بشكل خاص.”
ثم سأل للتأكيد:
“إن أخبرتكِ فقط، لن تأتِ للبحث عني بعد الآن، أليس كذلك؟”
“أعدك.”
عندما أجابت راينا بسهولة، اطمأن الصبي و فتح فمه.
“آخر مَنٔ رأى طائر المئة عام هو جدي المتوفى.”
تذكر الصبي قصة طائر المئة عام التي كان جده يرويها كثيرًا كقصة بطولية.
“كان طائرًا جميلاً لا يُنسى بمجرد رؤيته، نادرًا ما يُرى.”
قال جد الصبي إنه ضاع في الجبل ذات مرة.
أصيبت ساقه من التدحرج الشديد، و فوق ذلك، مع غروب الشمس، بدأت الوحوش الجبلية تتجمع.
في اللّحظة التي يئس فيها معتقدًا أنه ميت لا محالة، أضاء الجبل المظلم فجأة.
طار طائر أبيض بذيل ريش ملون كالطاووس، و بقي بجانب جدي طوال الليل، محافظًا عليه من الوحوش.
“قال جدي إنه لم يرَ طائرًا بهذا الجمال في حياته.”
مالت راينا برأسها متعجبة.
“يقال إن هناك الكثير من الأشخاص الذين يصابون في الجبل كثيرًا. هل يساعد طائر المئة عام الجميع؟”
“لا. بحسب جدي……”
خدش الصبي خده.
“يبدو أن طائر المئة عام أحب جدي كثيرًا فساعده.”
“ماذا يعني ذلك؟”
“شعر جدي بذلك. في الواقع، كانت الحيوانات تتبعه بشكل غريب أيضًا.”
فكرت راينا قليلاً ثم سألت:
“هل كان لجدكَ مرض مزمن أو شيء مشابه؟”
هز الصبي رأسه.
“كان جدي في صحة جيدة جدًّا مقارنة بعمره. كان يأكل قليلاً لأنه لا يشتهي الطعام.”
“يأكل قليلاً؟”
“منذ وقت ما، قال إن الماء و الطعام لهما طعم غريب، فلم يعد يأكل كثيرًا.”
بدأت راينا تفهم بشكل غامض.
مع تلوث الروح، تلوثت أرض الإمبراطورية أيضًا.
لم يلاحظ معظم الناس ذلك، لكن جد الصبي لاحظه.
‘إنْ أكل الحد الأدنى من المنتجات من الأرض الملوثة، فالتأثير سيكون بأدنى حد أيضًا.’
لذا، استجاب طائر نادر مثل طائر المئة عام لروح أقل تلوثًا.
بعد سماع قصة الصبي، أصبحت راينا متيقنة و نظرت إلى لوسيوس.
“يبدو أن علينا الذهاب إلى الجبل.”
كان يجب العثور على طائر المئة عام بأسرع ما يمكن وإحضاره إلى الروح.
حينها فقط سيتمكن كاليكس من الاستيقاظ.
التعليقات لهذا الفصل " 36"