فتحت راينا عينيها فجأة و نظرت حولها.
المكان الذي كانت تتواجد فيه راينا لم يكن قصر إنغرسول، بل غابة عشبية كثيفة.
عند رؤية المنظر الغريب الذي لم ترَه من قبل، تأكدت راينا.
‘هذا حلم يظهره الوحش بالتأكيد.’
نجحت راينا أخيرًا في عقد الاتفاق مع الوحش.
على أيّ حال، السبب في حاجتها إلى التمثال الصغير كان دم لوسيوس.
فكرت أن الأمر قد ينجح إذا أمسكا بالنصل معًا و اختلط دمهما.
‘كنتُ في موقف يائس فتمسكتُ بأيّ أمل، لكنني نجحتُ بسلام.’
نهضت راينا.
‘على أيّ حال، أين الوحش؟’
بدأت راينا تمشي في الغابة العشبية بحثًا عن الوحش ، كان يجب أن تخبره بحالة كاليكس.
في النهاية، انتقلت البقعة السوداء إلى عينيّ كاليكس.
‘هل امتص كاليكس قوة الوحش الشريرة؟’
لولا ذلك، لما استطاع كاليكس القدوم لإنقاذها.
أصبحت راينا أكثر قلقًا.
بينما كانت تمشي مفسحة طريقها بين الأعشاب التي تصل إلى خصرها، اكتشفت راينا مكانًا يوجد فيه ينبوع.
كانت سطح الماء المتلألئ تحت أشعة الشمس جميلاً جدًا، فلم تستطع راينا إبعاد عينيها عنه.
اقتربت منه كأنها مسحورة، ثم اتسعت عيناها فجأة.
“كاليكس!”
كان كاليكس ملقى على حافة الينبوع.
ركضت راينا نحو كاليكس.
“كاليكس، استيقظ. كاليكس!”
لكن كاليكس لم يبدِ أيّ رد فعل.
كان يتنفس، لكنه فاقد الوعي.
في اللحظة التي كانت راينا تضرب فيها خديه لإيقاظه ، بدأ عمود ماء ينبثق من الينبوع بشكلٍ مفاجى.
‘ما هذا؟’
نهضت راينا بحذر من عمود الماء المشبوه.
بدأ عمود الماء المتماوج يأخذ تدريجيًا شكل إنسان.
سرعان ما تحول عمود الماء تمامًا إلى شخص و خطا على العشب.
كان الشخص الذي يرفع شعره الأزرق الطويل اللامع رجلاً.
كان تعبير الرجل باردًا.
لم يكن هناك أي دفء في عينيه الزرقاوين السماوية.
تنهد الرجل بعمق كأنه محبط، ثم التفت.
عندما التقت عيناه بعينيّ راينا، ذابت برودة نظرته الحادة تدريجيًا، و ابتسم لها ابتسامة مشرقة.
“راينا.”
لم تستطع راينا الابتسام معه.
لأن الرجل كان عاريًا تمامًا.
اقترب الرجل من راينا التي تجمدت مكانها كالحجر، ثم احتضنها بقوة.
“لقد اشتقتُ إليكِ حقًا.”
“……”
“راينا الحبيبة الجميلة.”
انتشرت قشعريرة في جسد راينا.
“يجب أن تبقي إلى جانبي دائمًا من الآن فصاعدًا. لا تتركيني أبدًا.”
إنه منحرف.
بل منحرف مجنون!
لم تفهم راينا سبب تواجد رجل غريب كهذا هنا، لكنها حاولت أولاً الإفلات من حضنه.
“لماذا تحاولين الابتعاد عني؟”
نظر إليها الرجل كأنه حزين، مرخيًا طرفي حاجبيه.
“كنتُ أنتظر يوم رؤيتكِ فقط.”
“……”
“أنتِ أيضًا كنتِ مشتاقة إليّ كثيرًا، أليس كذلك؟”
هذا لن يجدي نفعًا.
شدّت راينا قبضتها بقوة. كان عليها أن تضربه بقبضتها لتفلت منه.
في اللّحظة التي سحبت فيها مرفق يدها المشدودة إلى الخلف.
“ارتـدِ شيئًا على الأقل.”
شكت راينا للحظة في أذنيها.
عندما التفتت بعيون مندهشة، رأت لوسيوس.
‘لماذا لوسيوس هنا؟’
عندما رآه الرجل، تجمد تعبيره الذي كان قد انهار.
“كيف تجرؤ على أمري؟”
“بما أنكَ في هيئة بشرية، عليكَ أن ترتدي بعض الملابس.”
“آه.”
نظر الرجل إلى جسده كأنه أدرك الأمر للتو.
عندما مرر يده بخفة على جسده، ظهر رداء أبيض على جسده.
أصبحت راينا قادرة على تحريك نظرها براحة أخيرًا.
“ما الذي يحدث هنا؟”
سأل لوسيوس ذلك الرجل.
“عقدتُ اتفاقًا جديدًا.”
قال الرجل للوسيوس بصوت بارد.
“أنتَ لم تكن ذا فائدة أبدًا.”
“انتظرا قليلاً.”
تدخلت راينا في حديث الرجلين.
“عقد اتفاق، إذًا أنتَ……”
ابتسم الرجل بلطف و هو ينظر إلى راينا.
“نعم. أنا هو ذلك الوحش.”
اتسعت عينا راينا دهشة.
هذا هو الشكل الحقيقي للوحش؟
“راينا.”
قال الرجل وهو يضم ذراعيه و يرفع ذقنه قليلاً.
“أنا في الأصل روح ينبوع.”
كان صوته يبعث على الوقار.
“روح ينبوع، هل تقصد ‘روح الينبوع تلك’؟”
“نعم.”
لم تصدق راينا كلامه رغم رؤيتها بأمّ عينيها.
كانت روح الينبوع تُرى فقط في كتب تاريخ الإمبراطورية.
ولدت روح في ينبوع مقدس مليء بالقوّة المقدّسة، و قد حمى الإمبراطورية، و منح الناس بركة تُدعى القوّة المقدسة.
كان مصدر القوّة المقدسة التي كان يملكها كهنة المعبد العظيم سابقًا هذا الينبوع بالذات.
“لكنني سمعتُ أن الروح قد اختفت.”
فقـدَ الكهنة قوتهم المقدسة، و ولد الناس في الإمبراطورية مصابين بأمراض متنوعة.
اعتقد الناس أن السبب هو اختفاء الروح و فقدان البركة.
“لم أختفِ أبدًا.”
علقت ابتسامة مريرة على شفتيّ الروح.
“لقد تلوثتُ فقط.”
نظر الروح إلى لوسيوس.
“بسبب دوق إنغرسول الأول.”
واصل الروح كلامه و هو ينظر إلى لوسيوس بنظرةٍ باردة.
“لقد لوّث الينبوع الذي ولدتُ فيه ليلبي رغباته الأنانية.”
كان معروفًا أن الينبوع الذي ولدت فيه الروح يحمل قوة مقدسة.
إذا شرب المرء من مياهه، يحصل على حياة أبدية و قوّة خارقة.
لكن لا أحد يعرف مكان الينبوع.
كان ينبوع الروح في مكان وعر لا يستطيع البشر الوصول إليه بسهولة.
اكتشف دوق إنغرسول الأول الينبوع بالصدفة بعد أن ضلّ طريقه.
“أراد أن يحتكر البركة التي أمنحها لكم لوحده.”
أشار الروح بإصبعه إلى الينبوع.
“بسبب ذلك، تعرضت للتلوث.”
عندما لوّح بطرف إصبعه بخفة، تحول الينبوع الذي كان يتلألئ بضوء أزرق إلى أسود في لحظة.
“أصبحتُ الآن أقل من ماء فاسد، ناهيك عن مجد الماضي.”
بدأ الماء الأسود اللزج يتماوج و يتدفق خارج الينبوع.
“أليس ذلك مذهلاً حقًا؟”
رفع الروح طرف فمه بزاوية و هو ينظر إلى لوسيوس.
“أنا الذي كنتُ أحميكم و أحرسكم.”
نظرت راينا التي كانت تراقب الروح سريعًا إلى الأرض.
كان الماء الأسود الذي خرج من الينبوع يتسرب إلى التربة و يمتد تدريجيًا.
فقد العشب الأخضر اليانع الذي مرّ عليه الماء الأسود حيويته وتحول إلى رماد.
“تحولتُ إلى كائن يبغضكم و يكرهكم و يلعنكم.”
تراجعت راينا خطوة إلى الوراء.
لأن الماء الأسود كان يقترب تدريجيًا من المكان الذي تقف فيه هي و لوسيوس.
“لذا يجب أن تدفعوا الثمن. الدوق الأول بالطبع، و نسله أيضًا. أليس من الواجب أن يضحوا بحياتهم لتطهيري؟”
“يضحوا بحياتهم؟”
رفعت راينا نظرها و نظرت إلى الروح.
“لقد التهمتُ أرواحهم.”
انتشرت قشعريرة في جسد راينا للحظة.
الروح يلتهم أرواح البشر لتطهير نفسه.
“كان يجب أن أفعل ذلك على الأقل.”
نزل نظر الروح تدريجيًا إلى الأسفل.
“لكنني أصبحتُ أكثر……”
أغلق الروح فمه محوّلاً كلامه.
حلّ صمت ثقيل بينهم.
سرعان ما رفع الروح رأسه و نظر إلى راينا لا إلى لوسيوس.
عندما التقت عيناه بعينيها، ارتجفت كتفا راينا.
لأن عينيه الزرقاوين السماويتين كانتا مظلمتين جدًا.
“راينا.”
لكن كأن شيئًا لم يكن، أصبحت نظرته صافية.
في اللّحظة التي ابتسم فيها الروح لراينا ابتسامة مشرقة.
توقف الماء الأسود فجأة عن الحركة.
ثم عاد مسرعًا إلى الينبوع في لحظة.
استعادت الأرض التي كانت ملونة بالموت حيويتها، و عاد الينبوع صافيًا أيضًا.
‘ما هذا؟’
بينما كانت راينا تنظر حولها بدهشة، اقترب الروح منها.
“أنتِ تستطيعين تطهيري بشكلٍ صحيح.”
“أنا؟”
“أنتِ رأيتِ أيضًا، أليس كذلك؟ شكلي الملوث.”
رفع الروح ذراعه.
ثم تحولت ذراعه إلى أسود.
كبر حجمها تدريجيًا، و تحولت إلى مخلب الوحش الذي رأته راينا في الحلم.
أخد سائل أسود لزج يقطر بينما تتصاعد هالة سوداء منه قاتمة.
“أنا الآن لم أعد روحًا تحمي الإمبراطورية.”
“…….”
“تحولتُ إلى وحش سيؤدي إلى دمار الإمبراطورية.”
“لكن ما فعلتَه من تطهير حتى الآن…..”
هز الروح رأسه.
“اكتشفتُ ذلك أيضًا بعد مرور الوقت. أن طريقتي في التطهير كانت خاطئة.”
“…….”
“التهام أرواح البشر فقط لا يطهرني. بل يجعلني أكثر شرًا.”
عندما شد الروح قبضته، عادت ذراعه إلى شكلها الأصلي.
نظر إلى راينا و قال:
“لذا أحتاج إليكِ. أنتِ إنسانة مميزة.”
عند تلك الكلمات، التفت عينا لوسيوس نحو راينا.
“هل تعرفين لماذا أنتِ شخص مميز؟”
هزت راينا رأسها.
كانت هي نفسها فضولية جدًا حيال ذلك.
“لأن روحكِ غير ملوثة.”
التعليقات لهذا الفصل " 34"