“راينا.”
رغم نداء لوسيوس، لم تستطع راينا أن تلتفت إليه.
عندما بقيت جامدة كالحجر دون حراك، تحرك لوسيوس.
“لماذا تتجولين في مكان كهذا في منتصف الليل؟”
مع اقتراب صوت خطواته، نهضت راينا.
استدارت بسرعة لتخفي كاليكس خلف ظهرها.
“هل ضللتِ الطريق؟”
لم يكن في صوت لوسيوس أيّ نبرة غضب مرتفعة.
“أم أنّكِ لم تتمكّني من النوم؟”
عندما لم تجب راينا و بقيت تنظر فقط إلى حذائه، قال لوسيوس:
“عندما يتحدّث إليكِ شخص آخر، يجب أن تنظري إلى عينيه.”
“……”
“ارفعي رأسكِ.”
كان في صوته قوة عندما أمرها برفع رأسها.
رفعت راينا رأسها على مضض.
كانت عيناه اللتان التفت نظراتها بهما هادئتين.
بالنّسبة لراينا، بدتا كقنبلة موقوتة لا تعرف متى ستنفجر.
“أجيبي.”
“أنا فقط……”
“فقط؟”
ترددت.
لقد اكتشف بالفعل أنها حاولت الهروب.
و مع ذلك، سألها لوسيوس عن السبب كأنه لا يعرف شيئًا، و كأنهما التقيا بالصدفة.
رغمَ أنها تعرف بعقلها أن الوضع لا يمكن إصلاحه، قررت راينا أن تختلق عذرًا مؤقتًا.
“بقيتُ في الغرفة طوال الوقت لهذا شعرتُ بالضيق……”
ضحك لوسيوس بسخرية.
“ما إن تفتحي فمكِ حتى تباشري بالكذب.”
“……”
“تابعي.”
انحنى طرف فمه أكثر عمقًا.
“على الأقل صوتكِ جميل.”
كان مديحًا، لكنه بدا لراينا كسخرية.
“مَنٔ الذي ساعدكِ؟”
“ماذا؟”
أشار لوسيوس بعينيه نحو الجهة التي سقط فيها الفارس.
“مَنٔ الذي أسقط الفارس و أخرجكِ من الباب؟”
“……”
“الخادمة التي تملك مفتاح غرفة نومكِ انهارت أيضًا في الطابق السفلي.”
عند سماع أن الخادمة انهارت أيضًا، اتسعت عينا راينا.
“لقد تركتُ لكِ دبوس شعر واحد لكي لا تفعلي شيئًا طائشًا، و أخذتُ كل شيء.”
“…….”
“إذًا، لقد ساعدكِ أحدهم. مذهل حقًا. هل أغويتِ أحد سكان هذا القصر في هذه الفترة القصيرة؟”
عندما لم تجب راينا بكلمة، أشار لوسيوس خلف كتفها.
“هل ستقولين إن كاليكس هو مَنٔ ساعدكِ؟”
عندما نطق لوسيوس باسمه، انتفض جسد كاليكس.
“أجيبي. صبري يوشك أن ينفد.”
أغمضت راينا عينيها بقوّة ثم فتحتهما.
“أنا آسفة.”
“على ماذا؟”
“على خداعي لصاحب السمو.”
“لقد كذبتِ عليّ مرات عديدة، فلا أعرف ماذا تقصدين بالضبط.”
شدّت راينا قبضتيها بقوة.
“تظاهرتُ بمساعدتكَ لإخفاء كاليكس.”
رفعت راينا رأسها و نظرت إلى لوسيوس.
“كاليكس لم يرد العودة.”
واصلت الكلام و هي تنظر مباشرة إلى عينيّ لوسيوس.
“لقد اختار أن يصبح يتيمًا متشردًا بنفسه لأنه لا يريد العودة إلى قصر إنغرسول.”
“أنتِ تقولين إنكِ فعلتِ ذلك لأن كاليكس مثير للشفقة.”
مال رأس لوسيوس قليلاً.
“إذًا، في نظركِ، بدا كاليكس تعيسًا بسببي؟”
“أليس ذلك صحيحًا؟”
“……”
“هل تعتقد أنّكَ لستَ سببًا في رغبة كاليكس في عدم العودة إلى قصر إنغرسول؟”
نزل طرف فم لوسيوس تدريجيًا.
“هل اعتقدتِ أنكِ تستطيعين جعل ذلك الطفل المثير للشفقة سعيدًا؟”
“……”
“هل اعتقدتِ أن إخفائكِ لكاليكس بعيدًا عن نظري و تربيته، سيجعل حياته سعيدة؟”
انخفض صوت لوكيوس تدريجيًا.
“ما أعظمكِ حتى تفكري بمثل هذا الغرور.”
نظر إلى عينيّ راينا بحدّة.
“راينا. إن أردتِ الكذب، فاكذبي بشيء يمكنني تصديقه.”
“…….”
“أنتِ لا تفكرين إلا في استغلال كاليكس.”
عند تلك الكلمات، أمسك كاليكس بيد راينا بقوّة.
أمسكت راينا يده من الخلف و قالت:
“استغلال؟”
“لقد تكدست الرسائل التي يرسلها الكونت و الكونتيسة كرولوت في قصر إنغرسول.”
رسائل؟
كانت هذه المرّة الأولى التي تسمع فيها راينا بمثل هذا الأمر.
“يبدوان راغبين في الكثير من التبادلات العائلية و الأعمال.”
“…….”
“يبدو أنهما اعتقدا أن قيمة بيعكِ لي تستحق ذلك المقابل.”
أخفض لوسيوس صوته كأنه يشارك سرًا حميميًا.
“و ماذا عنكِ؟ هل تعتقدين أن ذلك الثمن يستحق بيعكِ؟ كان ثمنًا باهظًا جدًا، هل أنتِ راضية؟”
شعرت راينا فجأة بحرارة تصعد إلى وجهها.
كانت كلمات لوسيوس إهانة لها.
“لولا ذلك، لما فكرتِ في استغلال ذلك الطفل ‘المثير للشفقة’.”
“و ماذا عنكَ يا صاحب السّمو؟”
رفعت راينا عينيها بحدة و نظرت إلى لوسيوس.
“كم قدرتَ قيمة ما ستحصل عليه باستغلال كاليكس؟”
تجعّدت حواجب لوسيوس.
“أنا أستغل كاليكس……”
في تلكَ اللحظة.
“كفّا عن ذلك!”
اندفع كاليكس من خلف راينا.
“قلتُ إن راينا ليست شخصًا سيئًا!”
وقف كاليكس أمامها كأنه يحميها و صرخ.
نظر لوسيوس إلى وجه كاليكس مطولاً.
بالأحرى، إلى عينيّ كاليكس.
“لن أتحمل أكثر. حتى لو كنتَ أنتَ يا سموّ الدّوق……”
لم يستطع كاليكس إكمال كلامه و ضغط على شفتيه بقوة.
“كاليكس؟”
أمسكت راينا بكتفيه.
كان جسده يرتجف بشدة.
“آه!”
سرعان ما أصدر كاليكس أنينًا قصيرًا و أمسك بصدره.
“كاليكس!”
أمسكت راينا بكاليكس الذي كاد يسقط إلى الأمام بسرعة.
وضعته على الأرض و قامت بفحصه.
كانت هناك بقعة سوداء داكنة تلون صدر كاليكس.
وضعت راينا يدها على جبينه للتأكد.
كان جبين كاليكس ساخنًا جدًا.
‘الحمى قادمة.’
في اللحظة التي شعرت فيها راينا بالدوار و مدت يدها نحو كاليكس.
“لا تلمسيه.”
قال لوسيوس بصوتٍ بارد.
‘أنا أستطيع مساعدة كاليكس.”
ضاق حاجبا لوسيوس عند كلام راينا.
“…..آه.”
تلوّى كاليكس و أصدر أنينًا خافتًا.
“راينا……”
رفع كاليكس ذراعه يتلمس الهواء.
أمسكت راينا بيده.
“إنه يؤلمني كثيرًا. ساعديني.”
“نعم. تحمل قليلاً. ستصبح بخير قريبًا.”
مسحت راينا بيدها الأخرى البقعة التي تلون صدر كاليكس.
‘البقعة كثيفة جدًا.’
لم تختفِ كما في المرة السابقة بمجرّد تمرير اليد.
كانت البقعة متجمعة في وسط صدر كاليكس كطين جاف.
ضغطت راينا البقعة بحذر بكف يدها.
فجأة، انكمشت أصابعها.
نظرت راينا إلى يدها بعيون مندهشة.
‘إنه مؤلم.’
في المرة السابقة لم تشعر بشيء عند لمس البقعة، أما هذه المرة فشعرت بألم لاسع كصعقة كهربائية.
لم تستطع راينا سحب يدها من صدر كاليكس.
لكن رغم جهدها، لم تظهر البقعة أيّ علامة على الاختفاء، كانت متجمدة بصلابة.
“توقفي.”
عندها تدخل لوسيوس مانعا إياها.
“هل قلتِ إنكِ تستطيعين مساعدة كاليكس؟”
ارتفعت زاوية طرف فمه.
خلافًا لكلامها، لم تتحسن حالة كاليكس أبدًا.
“ابتعدي. سأصطحب كاليكس إلى الطبيب الخاص.”
عندما اقترب لوسيوس، نهضت راينا و حالت بينهما.
“حتى لو أخذته إلى الطبيب الخاص، لن تمنع مجيء الحمى.”
“……”
“هذه الحمى أسوأ من المرة السابقة. يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت……”
لم تستطع راينا إكمال كلامها.
لأن لوسيوس وضع يده على مقبض السيف.
سحب السيف قليلاً.
“هل تختبرين مدى صبري تجاهكِ؟”
لم تستطع راينا نزع عينيها عن النصل الأزرق الذي ظهر نصفه.
شعرت ببرودة في صدرها أمام تهديد حياتها.
لكن ، سرعان ما اتسعت عينا راينا تدريجيًا.
لأن فكرة معينة مرت في ذهنها.
‘هذه……’
قد تكون فرصة مثالية.
ابتلعت راينا ريقها.
مدت راينا يدها فجأة بعد أن اتخذت قرارها.
عندما تداخلت يدها فوق يد لوسيوس التي تمسك المقبض، توقف لوسيوس للحظة.
في لحظة قصيرة، عاد ذهن إلى الماضي، و مر أمام عينيه مشهد لا يُنسى.
قبل أن يعود إلى رشده، أمسك النصل بسرعة ليمنع راينا من سحب السيف.
“تصرف مضحك.”
نظرت راينا مطولاً إلى الدم الذي يتقاطر قليلاً من يد لوسيوس المقطوعة بالنصل.
“هل اعتقدتِ أنكِ تستطيعين مواجهتي حتى لو سحبتِ السيف؟”
سخر لوسيوس من تصرف راينا السخيف.
تركت راينا المقبض و أمسكت النصل كما يفعل لوسيوس.
عبس لوسيوس.
“ماذا تفعلين؟”
بدأ الدم يتدفق من يد راينا المقطوعة بالنصل.
التقى دمها المتدفق على طول النصل بدم لوسيوس.
أخيرًا، رفعت راينا عينيها عن النصل و نظرت إلى لوسيوس.
‘لقد نجحت.’
في عقد الاتفاق مع الوحش.
ابتسمت راينا ابتسامة خافتة، و في الوقت نفسه، انفجر نور ساطع من السيف الذي يمسكانه معًا.
التعليقات لهذا الفصل " 33"