لقد سمع الكونت و زوجته أنباء توجه لوسيوس نحو الشرق، لذا بادرا بالتواصل معه.
أبديا رغبتهما في الحضور نيابة عن لوسيوس في مراسم افتتاح المنجم.
“بما أنكَ مشغول برعاية ابنتنا، فلا بد أن نمد يد المساعدة؛ لقد سمعنا أن السيد مارتن سيحضر الافتتاح أيضًا، أليس كذلك؟”
لقد وصلا إلى حد ذكر مأدبة الطعام مع مارتن.
على الرّغمِ من أن أسلوبهما كان مهذبًا، إلا أن رؤية كيف يدرجان مصالحهما الخاصة في الحوار بشكل طبيعي جعلت من السهل معرفة من أين ورثت راينا تمثيلها المتقن.
‘كنت أعلم أنهما سيحاولان استغلالي قدر الإمكان بما أنني طلبت المساعدة أولًا.’
كانا يبدوان و كأنهما يطلبان المكافأة حتى قبل العثور على كاليكس.
بهذا، استطاع لوسيوس أن يدرك بوضوح ما الذي كان يصبو إليه الكونت و الكونتيسة كرولوت و راينا.
‘ربما خططت راينا لإحضار كاليكس أمامي و الادعاء بأنها وجدته بمعجزة، و ذلك في الوقت الذي أكون فيه قد تعبت من البحث عنه.’
فكلما تم تقديم المساعدة في لحظة اليأس الشديد، زادت المكاسب المرجوّة منها.
‘على الرّغمِ من علمي بذلك، إلا أنني فكرتُ بحماقة.’
ابتسم لوسيوس بمرارة.
“كاليكس، لقد خُدعتَ من قبل تلك المرأة.”
“…….”
“لقد أبقتكَ معها فقط من أجل إشباع جشعها الخاص.”
فتح كاليكس، الذي كان يستمع بصمت إلى كلمات لوسيوس، فمه ليتحدث.
“الأمر ليس كذلك.”
لم يكن هناك أدنى اهتزاز في نظرات كاليكس.
“الأمر ليس كذلك.”
“راينا ليست شخصًا سيئًا كهذا.”
فتح لوسيوس شفتيه و كأنه يهمّ بقول شيء ما، لكنه سرعان ما أشاح بنظره عن كاليكس.
ثم غادر غرفة كاليكس هكذا.
بقي كاليكس وحيدًا، فأطرق رأسه للأسفل.
‘أخي ينوي إيذاء راينا.’
يجب عليّ منع ذلك.
أمسك كاليكس بملاءة السرير بقوة.
* * *
التزم لوسيوس بوعده بأنه لن يستجوب راينا حتى تتحسن حالتها الجسدية تمامًا.
و كدليل على ذلك، لم ترَ راينا لوسيوس قط منذ أن استيقظت في قصر إنغرسول لأول مرة.
بدلًا من ذلك، كان يرسل طبيب قصر إنغرسول إلى ريانا بانتظام.
“كيف تشعرين؟”
“الدوار لا يزول.”
“هل هناك أي إزعاج آخر؟”
“أشعر بضيق في صدري.”
قام الطبيب بفحص راينا.
و في هذه الأثناء، كانت راينا تراقب الطبيب.
كان رجلًا في منتصف العمر، نحيل الجسد و ذا تعابير جامدة.
و خاصة زوايا فمه التي كانت دائمًا منحنية للأسفل، مما يضفي عليه هالة من الصرامة.
بدا من النوع الذي لا يجري أحاديث أكثر من اللازم عند التعامل مع المرضى، و يكتفي فقط بأداء عمله.
“لقد قيل لي إنكِ عانيتِ من مرض الرئة منذُ صغركِ.”
هل أخبره لوسيوس بذلك؟
أومأت راينا برأسها.
“يبدو أنه لا توجد مشاكل معينة في الرئتين الآن؛ من النادر جدًا أن يتم الشفاء بشكلٍ طبيعي مع مرور الوقت، لذا أنتِ محظوظة.”
شعرت راينا بالقلق، فأضافت بسرعة: “و لكنني ما زلتُ….”
أومأ الطبيب برأسه و كأنه لا يحتاج لسماع المزيد.
“نعم، أنتِ بحاجة إلى الراحة؛ فإذا أجهدتِ نفسكِ لأنكِ تشعرين بتحسن طفيف، فقد يعاودكِ مرض الرئة مرة أخرى.”
قال الطبيب أنه لا يجب التهاون لمجرّد أنها تبدو بخير من الخارج.
“ركزي فقط على استعادة قوتكِ في الوقت الحالي.”
“فهمتُ.”
“سآتي لزيارتكِ مرّة أخرى صباح الغد.”
عندما خرج الطبيب، تحدثت الخادمة التي كانت تراقب من الجانب طوال الوقت.
“سأساعدكِ في الاستعداد للنوم.”
راقبت راينا الخادمة و هي ترتب سريرها.
كان الباب يُفتح فقط عندما يدخل الطبيب للاطمئنان على حالتها أو الخادمة التي تعتني بشؤونها.
‘كان مفتاح القفل بحوزة الخادمة.’
عندما يأتي الليل، تجهز الخادمة فراش راينا و تغلق الباب عند خروجها.
و بما أنه لا يوجد مَنٔ يزور راينا طوال الليل، يظل الباب مغلقًا بإحكام، و لا يُفتح مرة أخرى إلا في الصباح عندما تأتي الخادمة لإيقاظها.
تعمدت راينا ذات مرة انتقاد الطعام الذي أحضرته الخادمة لتطلب منها إحضار غيره.
لم تغلق الخادمة الباب عند مغادرتها لفترة قصيرة.
استغلت راينا تلك الفرصة و خرجت من الباب، لكنها واجهت الفارس الذي يحرس المكان.
—ما الخطب؟
حاولت راينا تقديم أعذار مختلفة للخروج، لكن الفارس كان يرد دائمًا بنفس الإجابة.
—سأصحبكِ إلى الدوق إنغرسول، فتحدثي معه.
حينها، فقدت راينا القدرة على الكلام.
لم يكن بإمكانها الذهاب إليه بنفسها وهي غير مستعدة لمواجهة استجواب لوسيوس.
‘لا بد أنه يعلم أنني في حالة حبس.’
فكرت راينا في محاولة استمالة الخادمة لإثارة شفقتها.
مع ذلك كانت الخادمة تخدم راينا بإخلاص و لكنها لم تنطق بكلمة واحدة خارج نطاق عملها.
علاوةً على ذلك، كانت هناك ندوب صغيرة كثيرة على يدي الخادمة.
ربّما لم تكن خادمة عادية، بل محاربة ترتدي ملابس الخادمات.
‘لا يمكنني حتى محاولة انتزاع المفتاح من الخادمة بتهور.’
و حتى لو انتزعته، كان الفارس يقف خارج الباب.
لم تكن راينا قادرة على مواجهة فارس يحمل سيفًا بأي حال من الأحوال.
“طابت ليلتكِ.”
عندما همّت الخادمة بالخروج، تحدثت راينا بسرعة.
“و كاليكس؟”
نظرت الخادمة إلى راينا بصمت.
“كيف حال كاليكس؟ ألا يعاني من أي ألم؟”
أرادت راينا فقط أن تعرف ما إذا كان كاليكس بخير.
لكن الخادمة، بدلًا من الإجابة، انحنت لراينا باحترام و غادرت غرفة النوم.
‘هل عدم إخباري عن حالة كاليكس هو أمر من لوسيوس أيضًا؟’
تنهدت راينا.
‘ليتني أعرف فقط ما إذا كان كاليكس بخير.’
وفقًا للرواية الأصلية، سيفارق كاليكس الحياة إذا عانى من الحمى مرتين إضافيتين.
‘ماذا لو داهمته الحمى فجأة؟’
هل سأتمكن من مساعدته في الوقت المناسب؟
و ماذا ينوي لوسيوس أن يفعل بي؟
لم يكن لينتظر إلى الأبد حتى تتحسن حالة راينا.
لم تستطع راينا النوم بسبب اضطراب فكرها و ظلت تحدق في السقف بلا انقطاع حتى وقت متأخر من الليل.
طقطقة.
سُمع صوت فتح باب غرفة النوم، و هو ما لم يكن من المفترض أن يحدث في هذا الوقت.
‘هل يعقل، هل هو لوسيوس؟’
نهضت راينا على الفور و نظرت نحو الباب.
اتسعت عينا راينا عندما رأت الشخص الذي دخل الغرفة.
“…. كاليكس؟”
كان الشخص الذي جاء لزيارة راينا هو كاليكس.
“راينا.”
ابتسم كاليكس بإشراق عندما رأى راينا.
غادرت راينا السرير و اقتربت من كاليكس.
“كاليكس، هل أنتَ بخير؟”
تفحصت جسد كاليكس.
لحسن الحظ، لم يبدُ عليه أي ألم.
“و هل راينا بخير أيضًا؟”
أومأت راينا برأسها.
بعد راحة قصيرة لكون كاليكس بخير، راود الشك راينا.
“كيف أتيت إلى هنا؟”
و في هذا الوقت المتأخر أيضًا.
“لقد سألتُ عن مكان راينا و حصلتُ على المفتاح.”
“الخادمة أعطتكَ المفتاح بسهولة؟”
لم تصدق راينا ذلك.
فقد تجاهلتها عندما سألت عن حال كاليكس.
‘هل يعقل أنها كانت تحاول السماح لي بلقاء كاليكس سرًا؟’
هذا غير ممكن.
“حتى لو أتيت سرًا، فلا يمكن للفارس أن يسمح لكَ بالدخول….”
توقفت كلمات راينا و هي تنظر نحو الباب.
كان الفارس الذي يحرس باب غرفتها ملقى على الأرض.
“لماذا….”
“راينا.”
قام كاليكس بمناداة راينا التي كانت تشعر بالارتباك.
“ليس لدينا وقت.”
أمسك بيد راينا.
“لنهرب بسرعة.”
“…….”
“لنهرب إلى مكان لا يمكن لأحد فيه أن يؤذينا.”
ابتسم كاليكس بإشراق.
“سأقوم بحماية راينا.”
بعد قول ذلك، سحب كاليكس راينا نحو الباب.
تبعته راينا بتردد و هي تلتفت للخلف.
كان الفارس الملقى على الأرض لا يزال ساكنا بلا حراك و كأنه ميت.
“كاليكس، أخبرني ما الذي يحدث حقًّا.”
بدأ قلب راينا ينبض بقلق.
“لماذا الفارس ملقى هناك؟”
“…….”
“مَنٔ الذي ساعدك؟”
كان هناك شيء غريب في الأمر.
هذا الموقف برمته غير منطقي، بالإضافة إلى أن كاليكس كان مبتهجًا بشكل مفرط.
التفت كاليكس نحو راينا.
“لا بأس.”
“…..”
“لا داعي لتقلق راينا بشأن أي شيء.”
لم تستطع راينا أن تبادله الابتسامة التي ارتسمت على وجهه لطمأنتها.
أسرع كاليكس في خطواته و هو يسحب يدها.
“انتظر لحظة.”
توقفت راينا عن اللحاق بكاليكس و وقفت مكانها.
سحبت كاليكس أمام المصباح المشتعل على جدار الممر.
ثم انحنت لتجعل مستوى نظرها موازيًا لنظر كاليكس.
حدقت راينا بتمعن في وجه كاليكس القريب.
“كاليكس.”
أحاطت راينا وجنتيّ كاليكس بيديها.
“أنت….”
“لماذا؟”
أمال كاليكس رأسه.
كان يرتسم على وجهه تعبير بريء و كأنه لا يدرك ما المشكلة.
“عيناك…. لقد تغيرتا.”
لم تكن تلك العينان الياقوتيتان الصافيتان اللتين اعتادت رؤيتهما دائمًا.
بل كانت ممتزجة بسواد قاتم و كأن حبرًا أسود قد سُكب فيهما.
شعرت راينا ببرودة تسري في عمودها الفقري.
تحدثت بصوتٍ يرتجف:
“كاليكس، هل يعقل أنكَ….”
في تلك اللحظة.
“ما الذي تفعلانه هنا؟”
جاء صوت بارد من الخلف.
شعرت راينا في تلك اللحظة و كأن الدماء قد انسحبت من جسدها بالكامل.
التعليقات لهذا الفصل " 32"