غطّى كاليكس نفسه باللحاف وهو يبكي في صمت.
كم كان يشتاق إلى الهروب، ومع ذلك انتهى به الأمر بالعودة إلى قصر إنغرسول مرّة أخرى.
لم يفهم كيف حدث كلّ شيء، فقد وقع كلّه في لحظة واحدة.
‘كنتُ أنتظر عودة راينا فقط.’
حتّى عندما كان يشعر بالقلق أحيانًا، كان يتحمّل ذلك.
لأنّ بيل كان يزوره سرًّا من حين لآخر.
تذكّر كاليكس بيل.
-لقد صبغتُ شعري بجهد كبير لأساعدك.
أظهر له شعره المصبوغ و هو يتباهى.
-كلاكما أنتَ و راينا يجب أن تشكراني. لقد تعاملتُ مع ذلك الرجل النبيل المخيف نيابة عنكما.
نظر بيل إلى كاليكس بحذر ثمّ سأله بحرص.
-هل ذلك الرجل أخوك بالصدفة؟
أومأ كاليكس برأسه، ثمّ ندم فورًا.
-من الأفضل ألّا تعرف التفاصيل. قد تتعرّض للخطر أنت أيضًا.
عند سماع تحذير كاليكس، قال بيل بفخر.
-بالطبع! إذا حدث شيء، سأتظاهر بأنّني لا أعرف شيئًا. سأتظاهر بأنّني طفل صغير تمّ استغلاله من قبل الكبار دون أن يعرف السبب.
رمش بيل بعينيه ببراءة، فابتسم كاليكس رغمًا عنه قليلًا.
عندما رأى بيل ابتسامة كاليكس، أصبح أكثر حماسة.
-ألا تشعر بالملل هنا؟
-أنا بخير.
-كذب.
فوجئ كاليكس بكلام بيل.
لم يعتقد أنّه يكذب، لكنّ ثقة بيل جعلته يشكّ.
هل أنا أكذب؟
هل أنا أشعر بالملل؟
بينما كان كاليكس غارقًا في التفكير، قال بيل.
-سألعب معكَ من الآن فصاعدًا.
قال بيل إنّه سيكون صديق كاليكس.
كان يزوره و يتبادلان الحديث عن أمور تافهة، أو يأتي بإيلي ليلعبا معًا.
فجأة خطر لكاليكس سؤال فسأله.
-هل تفعل هذا لأنّني مريض؟
-ماذا تقصد؟
-أقصد أنكَ تتعامل معي بلطف لأنّني مثير للشفقة؟
عندئذٍ عبس بيل بشدّة.
-لماذا تكون مثيرا للشفقة؟ أنا المثير للشفقة هنا!
-……
-لم أفكّر يومًا أنّك مثير للشفقة. أنت لست يتيمًا أصلًا!
لم يجد كاليكس ما يقوله.
على الأقلّ كان لديه منزل و عائلة، بينما لم يكن بيل يمتلك ذلك حتّى.
كان كلّ الأطفال القادمين إلى دار الأيتام كذلك.
-أنا فقط فضوليّ جدًّا. و حاليًّا، اللعب معكَ هو أكثر ما يسلّيني.
-…… اللعب معي ممتع؟
-نعم. أنتَ تقول أحيانًا كلامًا غريبًا و ذلك يضحكني.
ارتبك كاليكس.
لم يكن يعرف ما هو الكلام الغريب الذي قاله.
لكنّ بيل ضحك باستمتاع، فتبعه كاليكس و ضحك أيضًا.
-سآخذكَ لاحقًا إلى مكان في الأعشاب. لديّ هناك مخبأ سرّي.
-مخبأ؟
-نعم. زيّنته في مكان لا يعرفه أحد كمسكن للأبطال.
عند سماع كلمة «أبطال»، أشرق وجه كاليكس.
تبيّن أنّ بيل معجب شغوف بالأبطال في القصص الخياليّة مثل كاليكس تمامًا.
بالطبع سخر بيل من تفضيل كاليكس لبومر، لكنّ التحدّث عن موضوع مشترك كان ممتعًا جدًّا.
نعم، كان ممتعًا.
كان كاليكس يؤمن أنّ مثل هذه الأيّام السعيدة ستستمرّ.
إذا عادت راينا بسلام، فسيتمكّن من زيارة مخبأ بيل و كسب أصدقاء جدد أكثر.
‘كان من المفترض أن يكون الأمر كذلك.’
امتلأت عينا كاليكس بالدموع.
لو لم يأتِ ذلك الرجل المرتدي ملابس سوداء كالظلّ فجأة، لكان ذلك ممكنًا.
كان الرجل يغطّي نصف وجهه بقناع، فلا يُرى سوى عينيه.
و عيناه السوداوان كانتا عميقتين لدرجة لا يُعرف عمقهما.
-السيّد كاليكس.
أدرك كاليكس الذي كان خائفًا جدًّا الوضع أخيرًا عندما ناداه الرجل بـ«سيّد».
كان صوتًا سمعه من قبل.
كان ذلك الرجل هو سيريل، التابع المقرّب للوسيوس.
-كنتَ هنا لا في مكان الإخفاء. لقد تأخّرنا في البحث في مكان خاطئ. هيّا بنا سريعًا.
شعر كاليكس باليأس.
مجيء تابع أخيه يعني أنّه لم يعد بإمكانه البقاء في دار الأيتام.
كما يعني أنّ راينا في خطر أيضًا.
قاوم كاليكس قائلًا إنّه لا يريد الذهاب، لكنّ ذلك لم يجدِ نفعًا.
لم يتأثّر سيريل بركلات كاليكس أو لكماته أبدًا.
حمل كاليكس على كتفه بلامبالاة و صعد به إلى العربة المتّجهة إلى قصر إنغرسول.
بكى كاليكس في العربة بلا توقّف، و بكى حتّى بعد الوصول إلى القصر.
لم يرد أكل شيء، و لم يرد قول شيء.
لم يكن بإمكانه فعل شيء سوى البكاء.
‘لو كنتُ أقوى.’
شعر كاليكس بالاشمئزاز من نفسه الضعيفة العاجزة.
ماذا لو كان كبيرًا و مخيفًا كالوحش الذي يظهر في كوابيسه.
عندها كان بإمكان كاليكس أن يهزم سيريل، بل لوسيوس نفسه، بإصبع واحد بسهولة.
كان بإمكانه حمل راينا و بيل، بل دار أيتام الحديقة الخضراء بأكملها بين يديه و الهروب.
‘أتمنّى لو أصبحتُ وحشًا.’
شدّ كاليكس قبضتيه بقوّة.
‘حتّى لا يستهين بي أحد. حتّى أفعل ما أشاء.’
مع هذه الفكرة، بدأت عينا كاليكس تتوهّجان بشكلٍ خفيف.
تحوّلت حدقتاه الشفّافتان بلون الياقوت تدريجيًّا إلى لون أحمر داكن غائم.
‘إذا أصبحتُ وحشًا.’
في تلك اللحظة.
فتح الباب فجأة.
لم يطرق أحد.
حتّى لو كان الخدم في قصر إنغرسول يحتقرون كاليكس، فلا يمكنهم دخول غرفة نومه دون طرق.
الشخصان الوحيدان القادران على ذلك هما أخوه لوسيوس، و عمّه.
‘لا يعقل.’
أخرج كاليكس رأسه من تحت اللحاف ونظر نحو الباب.
شحب وجهه فورًا.
كما توقّع، كان لوسيوس واقفًا هناك.
و في يد لوسيوس كانت هناك صينيّة تحمل وعاءً من العصيدة.
“سمعتُ أنّك ترفض الطعام باستمرار.”
حوّل كاليكس نظره إلى الصينيّة.
كانت هناك عصيدة غير لذيذة ممزوجة بالأعشاب و التي كان سعيدًا بتركها سابقًا.
‘عدتُ حقًّا إلى الماضي.’
لم يرد كاليكس العيش كما في السابق.
لأنّه جرب بفضل راينا أنّه يمكنه العيش بطريقةٍ أخرى.
لو لم يعرف، لكان الأمر مختلفًا.
لكنّه الآن بعد أن عرف، أصبحت حياة قصر إنغرسول أكثر صعوبة في التحمّل.
“إذا تخطّيت الوجبات أيضًا، ستزداد حالتكَ سوءًا.”
وضع لوسيوس الصينيّة على الطاولة بجانب السرير و نظر إلى كاليكس.
عندما التقت نظراته بنظرات لوسيوس الباردة، شعر كاليكس بالحزن مرّة أخرى.
في دار الأيتام، لم يكن هناك أحد ينظر إليه بنظرات كهذه.
في البداية اعتقد أنّ راينا تملك نظرة مشابهة للوسيوس، لكنّ ذلك لم يكن صحيحًا أبدًا.
كانت راينا حنونة و لطيفة. مختلفة تمامًا عن لوسيوس.
“أعد……”
تابع كاليكس كلامه و هو يبكي.
“أعدني.”
“إلى أين؟”
“إلى دار الأيتام. أريد العيش هناك.”
تصلّبت ملامح لوسيوس.
لم يتمكّن من فهم كاليكس.
بينما كان يفتّش مع راينا دور الأيتام في مناطق أخرى، أصدر لوسيوس أمرين لسيريل.
الأوّل التحقّق من العربة التي استخدمها جوناثان كرولوت للعودة من الجنوب إلى القصر.
ربّما كان جوناثان ذكيًّا، أو محظوظًا.
بدلاً من عربة عامّة عاديّة، ركب عربة تاجر متجوّل.
لهذا تأخّر سيريل قليلًا في العثور عليها.
بفضل نصيحة لوسيوس، ركّز سيريل على التاجر الذي حصل على مال كثير مقابل نقل شخص، فتمكّن من معرفة ذلك.
شهد التاجر أنّ جوناثان ركب مع طفل.
لم يرَ مظهر الطفل، لكنّه قال إنّ العربة كانت فارغة عند مغادرة قصر كرولوت.
الأمر الثاني كان التحقيق في دار أيتام الحديقة الخضراء.
حصل سيريل على مخطّطات دار الرعاية.
كان هناك طفل واحد يشبه كاليكس في المظهر، لكنّه لم يكن كاليكس.
إذا كانوا يخفون كاليكس، كان يجب معرفة هيكل دار الأيتام.
اكتشف سيريل أنّه تـمّ إجراء أعمال ترميم في دار الأيتام قبل نصف عام.
كان مكانًا سريا لراينا التي تعيش هناك.
هذا المكان السرّي مثاليّ لإخفاء طفل.
في النهاية، ذلك يعني أنّ كاليكس عاش محبوسًا في مكان بلا نوافذ كما في مصحّة الجنوب.
‘عندما تلقّى مثل هذا المعاملة في المصحّة، هرب.’
و مع ذلك ، ها هو هنا يطلب العودة إلى دار الأيتام.
تنهّد لوسيوس تنهّدة خفيفة.
مع صوت التنهّد، انكمش كاليكس أكثر.
نظر لوسيوس إلى ردّ فعل كاليكس بهدوء ثمّ أخرج شيئًا من جيبه.
“أحضرتُ أغراضك.”
رفع كاليكس عينيه و نظر إلى يد لوسيوس.
كان في يده تمثال بومر.
‘الذي أعطيته لراينا.’
لقد انتزعه لوسيوس منها.
“ماذا فعلتَ براينا؟”
“…..”
“راينا لم ترتكب أيّ خطأ حقًّا. كلّ شيء طلبتُه أنا منها!”
عندما لم يرد لوسيوس، ازداد قلق كاليكس.
“حقًّا. انا مَنْ طلبتُ منها ذلك، و راينا وافقت.”
“هل أمرتكَ تلك المرأة بقول ذلك؟”
“……ماذا؟”
“أن تقول لي إن كلّ شيء خطأكَ أنتَ و أنّها بريئة تمامًا؟”
اعتقد لوسيوس أنّ راينا سحرت كاليكس جيّدًا.
حسنًا، راينا قادرة على فعل ذلك و أكثر.
كان لوسيوس يراقب مارتن و الكونت و الكونتيسة كرولوت فيما يتعلّق بمكان كاليكس.
أرسل مارتن كاليكس إلى مصحّة الجنوب دون إذن لوسيوس.
كان أخوا عائلة كونت كرولوت مشتبهين مريبين يملكان دليلًا متعلّقًا بكاليكس.
أراد لوسيوس التحقّق سرًّا ما إذا كان هناك صفقة ما بين مارتن و الكونت و الكونتيسة كرولوت.
‘لكنّ هذا التوقّع كان خاطئًا.’
لكنّ لوسيوس كان متأكّدًا من شيء واحد.
أنّ عائلة الكونت كرولوت تطمح في الكثير جدًّا من لوسيوس.
التعليقات لهذا الفصل " 31"