عندما فتحت راينا عينيها مجدّدًا، كانت في مكان مختلف.
لم تكن في دار الأيتام غولدن فلاور، بل في غرفة نوم غريبة.
‘أين أنا؟’
بينما كانت راينا تتفحّص المكان من حولها، تجمّدت فجأة.
كان لوسيوس جالسًا على كرسيّ بجانب السرير الذي كانت مستلقية عليه.
‘صحيح.’
اكتشف لوسيوس أنّها كانت تخفي كاليكس.
فقدت راينا وعيها مباشرةً بعد ذلك، وها هي تستيقظ الآن.
بعد أن أدركت الموقف، بدأ قلبها ينبض بعنف من جديد.
شعرت و كأنّ حلقها يضيق من الخوف.
‘ماذا سيحدث لي الآن؟’
حاولت راينا النهوض بجسدها و هي تفكّر أنّ عليها فعل شيء ما.
بالكاد استطاعت رفع جذعها، لكنّ ذراعيها كانتا تضعفان و تنثنيان باستمرار.
“من الأفضل ألا تتحرّكي.”
ارتجف كتفا راينا عند سماع صوت لوسيوس البارد.
“لقد بدأت الحمّى تنخفض للتو.”
“…..”
“نمـتِ لمدّة يومين كاملين.”
حرّكت راينا شفتيها، لكنّها سعلت بدلاً من الكلام.
كان حلقها جافًّا لدرجة أنّها لم تستطع إصدار صوت.
نظر لوسيوس إليها، ثمّ ملأ كوبًا بالماء و قدّمه لها.
تردّدت راينا لحظة قبل أن تأخذ الكوب.
‘بسبب هذا الموقف.’
جعلني أفقد حذري.
تذكّرت راينا اللحظة التي نزلت فيها من العربة وهي تحاول التقيّؤ.
حتّى في تلك اللحظة، تصرّف لوسيوس و كأنّه يهتمّ بها.
‘حتّى في دار الأيتام الشرقية.’
خلع حذاءها بنفسه و فحص الجرح على ظهر قدمها.
‘كان يحاول جعلي أفقد حذري.’
شربت راينا الماء و أغمضت عينيها بقوّة.
شعرت بالخجل من نفسها لأنّها صدّقت أنّ موقف لوسيوس تجاهها كان خاليًا من التّزييف.
لكنّه لم يكن مثل إيليا.
لم يكن من النوع الذي يخفي نواياه و يبتسم بمظهر مزيف.
لذلك، وقعت راينا في خدعته.
“أين هذا المكان؟”
سألت راينا بصوتٍ خافت و مبحوح بعد أن بلّلت حلقها.
“قصر إنغرسول.”
اتّسعت عينا راينا على كلامه.
“أنا…”
تقطّعت كلماتها بسبب اختناق صوتها.
حرّكت راينا شفتيها بصعوبة.
“هل أنا محتجزة هنا؟ و كاليكس؟ ماذا حدث لكاليكس؟”
“عاد كاليكس إلى المنزل سالمًا.”
كما توقّعت.
غمر اليأس عينيّ راينا.
اتّكأ لوسيوس على ظهر الكرسي براحة.
“هل هذا وقت القلق على كاليكس؟”
عقد ساقيه و وضع يديه المتشابكتين على فخذه.
كان موقفه مريحًا، على عكس وقفته المشدودة المعتادة.
“راينا.”
“…..”
“لم أعـد أنوي التّساهل معكِ.”
شعرت راينا بقشعريرة في ظهرها.
‘عدم التّساهل يعني…’
هل سيقتلني؟
“لقد منحتكِ فرصة.”
“…أيّة فرصة؟”
“فرصة قول الحقيقة.”
توقّفت راينا عن الكلام للحظة.
“لكنّكِ خدعتني و كذبتِ عليَّ.”
“…..”
“لقد أخبرتكِ من قبل، أليس كذلك؟”
مال لوسيوس بجذعه إلى الأمام.
“كلّ تصرّفاتكِ لكسب ثقتي كانت مجرّد حيل يستخدمها المحتالون.”
أمسكت راينا بكوب الماء بقوّة.
“ماذا لو قلتُ الحقيقة؟”
هذه المرة ، نظرت إلى عينيّ لوسيوس مباشرة دون أن تتجنّبهما.
“لو قلتُ الحقيقة، هل كان الوضع سيختلف عما هو عليه الآن؟”
ارتفعت زاوية فم لوسيوس بابتسامة خفيفة.
“سألتِني كيف أبني علاقة ثقـة، أليس كذلك؟ الأمر بسيط.”
“……”
“على الطرف الآخر أن يكون صادقًا.”
كان لوسيوس قد أخبرها بالفعل.
أنّه يفضّل أن تغضب أو تظهر عواطفها أمامه بدلاً من أن تتصرّف براحة مزيفة.
“ليس بالضّرورة أن تكون النّوايا الصّادقة جميلة أو عادلة. لهذا ينجذب النّاس إلى الأكاذيب أكثر من الحقيقة.”
“…..”
“لكن كلّما كانت نواياكِ شفّافة، كنتُ أعرف مَنٔ أنتِ بوضوح.”
واصل لوسيوس و هو ينظر إلى راينا المرتبكة.
“كلّما عرفتُ المزيد عن شخص ما، حدّدتُ توقّعاتي تجاهه.”
فكّ لوسيوس يديه المتشابكتين.
رسم خطًّا في الهواء بأربع أصابع مطويّة.
“شخص وضعتُ له توقّعات بهذا الحجم.”
هبطت يده من مستوى كتفه إلى خصره.
“عندما أكتشف أنّ توقّعاتي تجاهه كانت بهذا الحجم فقط.”
تبعت عينا راينا يده إلى الأسفل.
“هل تعتقدين أنّني لن أغضب؟”
شعرت راينا بحرقة في حلقها.
“لذلك أكره أكثر مَنٔ يكذب عليَّ.”
“……”
“أعطيتكِ فرصة لقول الحقيقة، لكن يبدو أنّكِ رأيتِها فرصة للتّقليل من شأني.”
أغمضت راينا عينيها ثمّ فتحتهما.
“لم أقلّل من شأنكَ أبدًا.”
لمنع صوتها من الارتجاف، نطقت كلّ كلمة بقوّة و وضوح.
“كلّ ما أردته هو مساعدة كاليكس.”
ضحك لوسيوس بسخرية.
“حقًّا. أنا…”
“أنـتِ بارعة جدًّا في تزييف تعابيركِ.”
قاطعها لوسيوس و قال.
“تعابيركِ تجعلكِ تبدين و كأنّكِ فعلاً أردتِ مساعدة كاليكس بدافع الشّفقة. لا عجب أنني كـدتُ أن أُخدع.”
“لم أزيّف شيئًا!”
“راينا.”
ناداها لوسيوس بصوتٍ منخفض كتحذير.
“كفى. إذا لم تكوني تريدين اختبار حدود صبري.”
نهض لوسيوس من مقعده.
“استعدي قواكِ بسرعة.”
“….”
“فأنا أتطلّع بشدّة إلى محادثتنا الصّادقة القادمة.”
غادر لوسيوس الغرفة بعد هذه الكلمات.
رنّ صوت إغلاق الباب بقوّة في أذنيها.
تُركت راينا وحيدة، مشوشة.
‘لوسيوس لا ينوي حتّى الاستماع إليَّ.’
بالطّبع، لو كان شخصًا يمكن التّفاهم معه، لما اضطرّت راينا إلى فعل كلّ هذا من الأساس.
هزّت راينا رأسها بعنف و هي في حالة ذهول.
‘ليس هذا وقت الذهول.’
كان عليها الهروب من قصر إنغرسول.
‘الوحش. أحتاج إلى مساعدة الوحش.’
قال إنّه سيحميها من لوسيوس إذا أبرمت معه عقدًا.
بما أنّها حصلت على التمثال الصّغير، كان عليها مناقشة ما يجب فعله مع الوحش.
‘كيف أرى حلم الوحش؟’
تذكّرت راينا تمثال بومر.
إذا كان لديها تمثال بومر، قد تستطيع رؤية حلم الوحش.
حاولت راينا إخراج تمثال بومر من جيب فستانها، لكنّها توقّفت.
لقد تغيّر فستانها.
يبدو أنّ خادمات قصر إنغرسول غيّرن ملابسها.
على الرّغم من أنّها علمت بتغيير الفستان، فتّشت راينا الجيوب بعناية.
كما توقّعت، لم يكن هناك تمثال بومر و لا حتّى التمثال الصّغير.
نهضت راينا من السرير فجأة.
“…آه.”
شعرت بدوّار مفاجئ جعل رؤيتها تظلم.
تنفّست بعمق حتّى عادت رؤيتها إلى طبيعتها.
ثمّ تفحّصت المكان من حولها و هي تترنّح كما لو أنّها ستقع.
‘لا شيء.’
مهما نظرت، لم تجد أيًّا من أغراضها في الغرفة.
فجأة، خطرت لها فكرة، فنظرت إلى يدها.
غمر اليأس عينيها.
لم يكن الخاتم الذي أعطته إيّاها مايا موجودًا أيضًا.
لم يكتفوا بتغيير فستانها و أخذ أغراضها، بل أخذوا خاتمها أيضًا.
لماذا؟
هل اكتشف لوسيوس أنّ هذا الخاتم ممزوج بعطر تتبّع؟
‘هكذا يبدو الأمر و كأنّ…’
نظرت راينا إلى الباب كالمسحورة.
حاولت كبح شعورها السيّء و توجّهت نحو الباب.
كليك، كليك.
أمسكت بمقبض الباب وحاولت فتحه، لكنّه لم يتحرّك.
كان هناك سبب وراء رنين صوت إغلاق الباب بقوّة عندما خرج لوسيوس.
‘لقد أقفل الباب.’
كان القفل من الخارج، فلم تتمكّن من فتحه من الدّاخل.
شعرت راينا ببرودة في صدرها.
طق طق!
طرقت الباب بقبضتها.
“الدّوق!”
“ألا يوجد أحد هناك؟”
مهما صرخت ، ظلّ الخارج هادئًا.
عندها فقط أدركت الحقيقة.
‘أحضرني لوسيوس إلى هنا ليحتجزني.’
كانت محبوسة في هذه الغرفة الغريبة، تنتظر اليوم الذي قد يقتلها فيه لوسيوس.
مع إدراكها لكونها محتجزة، بدأ قلب راينا ينبض بسرعة.
حاولت تهدئة نفسها، لكنّ تنفّسها أصبح أكثر توتّرًا.
‘اهدئي. لا يمكنني أن أكون هكذا.’
كم كافحت؟
كيف كانت تشعر عندما تحمّلت كلّ هذا؟
كلّ جهودها و معاناتها لإنقاذ كاليكس المسكين و منع دمار عائلتها ذهبت سدى.
‘إذا حدث لي مكروه، ماذا عن كاليكس…’
رفعت راينا رأسها فجأة و هي تفكّر في كاليكس.
‘قد يصاب كاليكس بالحمّى.’
قيل إنّه إذا انتشرت البقع السّوداء إلى عينيّ كاليكس، سيكون في خطر.
كان عليها منع ذلك.
كان عليها مساعدة كاليكس.
زاد توتّر راينا و طرقت الباب مجدّدًا.
“أيها الدّوق! لديّ شيء أقوله! إنّه أمر مهمّ جدًّا!”
“إذا استمرّ الأمر هكذا، كاليكس! يجب أن أساعد كاليكس!”
مهما صرخت بيأس، لم يأتها ردّ.
فقدت راينا قوّة ساقيها و انهارت جالسة على الأرض.
‘ماذا أفعل الآن…’
ابيضّت يد راينا و هي تعانق ركبتيها.
غمرها الخوف و هي تشعر بالعجز التّام.
التعليقات لهذا الفصل " 30"