مهما نظرت إليهما، لم يكن لوسيوس و إيليا مجرّد تاجر و زبون.
كانا يبعثان على جوٍّ أكثر خصوصيّة بكثير.
مَنٔ الذي يستطيع أن يلمس لوسيوس ببساطة دون اكتراث؟
‘إلا إذا كانت هناك ألفة كبيرة…’
عندما وصلت أفكار راينا إلى هذه النّقطة، شعرت بقشعريرة في ظهرها.
‘صديق.’
في ذلك اليوم، عندما تلقّت راينا المهدّئ من إيليا، قال لها إنّه جاء لمقابلة صديق.
كان صديق إيليا موجودًا في المكان الذي تقيم فيه راينا، لذا استطاعت بمحض الحظّ الحصول على المهدّئ فورًا.
‘قال إنّ لديه خبرة بالمهدّئات بسبب صديقه.’
صديق يعاني من الأرق.
شعرت راينا و كأنّ الأرض تنهار تحت قدميها.
‘مهلا لحظة.’
شعرت راينا بدوار مفاجئ.
‘إذا كان لوسيوس و إيليا صديقين…’
وضعت يدها على جبينها.
شعرت و كأنّ الدّم يتجمّد في عروقها.
كانت قد اشترت صبغة من إيليا لجعل بيل يشبه كاليكس.
كذبت أمامه مدّعية أنّ لديها أخًا أصغر، و اشترت التمثال الصّغير.
بل و حتّى المهدّئ الذي كانت تنوي إعطاءه للوسيوس، اشترته منه.
‘يعلم إيليا أنّني أساعد لوسيوس.’
كانت محادثتهما في المقهى في ذلك اليوم محاولة لاختبارها.
‘لذلك لم يأخذ منّي مالاً.’
نظرت راينا إليهما بوجه شاحب.
لم تستطع رؤية وجه لوسيوس، فقط وجه إيليا الذي كان يتحدّث إليه.
كان وجه إيليا، الذي كان يبتسم قبل قليل، قد تحوّل إلى تعبير جادّ.
‘لا.’
تراجعت راينا إلى الخلف.
شعرت بغثيان مفاجئ، فدخلت إلى زقاق بين المباني.
انحنت و شعرت بالغثيان.
سمعت طنينًا في أذنيها و بدأ جسدها يرتجف بخفّة.
‘ماذا أفعل؟’
لابدّ أنّ لوسيوس اكتشف الأمر.
أنّني أخفي كاليكس.
***
طوال الرّحلة إلى دار أيتام غولدن فلاور ، لم تستطع راينا النّظر إلى وجه لوسيوس مباشرة.
بعد صعودهما إلى العربة، لم ينبس لوسيوس بكلمة.
كان لوسيوس عادةً صامتًا أثناء الرّحلات بالعربة ، لكن صمته الآن جعل راينا تشعر و كأنّها تمشي على جليد رقيق.
‘لابدّ أنّه لاحظ الأمر، أليس كذلك؟’
لكن لماذا لم يستجوِبني؟
لماذا يبقى هادئًا؟
‘ربّما لم يتأكّد بعد.’
نعم، هذه هي شخصيّة لوسيوس.
قال إنّه لا يرتاح حتّى يتأكّد بنفسه من الحقيقة.
و مع ذلك، لم يكن بإمكانها فعل شيء.
أمسكت راينا يدها المرتجفة بقوّة.
كلّما ازداد خوفها، شعرت بغثيان أقوى.
كانت تتصبب عرقًا باردًا و ترتجف كما لو أنّها تشعر بالبرد.
“لحظة، لحظة.”
لم تستطع راينا تحمّل الأمر أكثر، ففتحت فمها.
“أوقف العربة قليلاً، من فضلك.”
غطّت فمها بيدها.
أشار لوسيوس إلى السّائق لإيقاف العربة.
ما إن توقّفت العربة حتّى نزلت راينا منها.
هرعت إلى جانب الطّريق، و انحنت تحاول التقيّؤ.
لكن لم يخرج شيء، فقط شعرت بضيق أقوى في صدرها.
“هاه، هاه…”
حاولت راينا تنظيم أنفاسها. كان عليها تهدئة نفسها أوّلاً لتتمكّن من التّفكير بوضوح.
“هل أنتِ بخير؟”
ارتجفت راينا عند سماع صوت من خلفها.
عندما التفتت، رأت لوسيوس واقفًا.
كان وجه لوسيوس، الذي يسألها إن كانت بخير، باردًا.
على الرّغم من أنّ وجهه كان دائمًا باردًا، إلا أنّ شعورها بأنّه اكتشف أمرها جعله يبدو أكثر برودة.
لم تستطع راينا الإجابة، فقط أمسكت بحافة فستانها.
بينما كانت تحدّق إليه مشوشة، رمشَت عينيها، فتدحرجت دمعة على زاوية عينها.
كانت دموعًا فسيولوجيّة بسبب محاولتها التقيّؤ.
عندما رأى لوسيوس ذلك، ظهر عبوس بين حاجبيه.
أخرج منديلاً من جيبه.
نظرت راينا إلى المنديل الذي يقدّمه لها دون حراك.
“امسحي وجهكِ.”
“آه…”
أخذت راينا المنديل متأخّرة لحظة.
“إذا كنتِ تشعرين بتوعّك، يمكننا الرّاحة.”
نظرت راينا إلى لوسيوس بحذر وهي تضغط المنديل على شفتيها.
“أو إذا احتجتِ إلى دواء، سأرسل أحدهم لشرائه، فأخبريني.”
كانت ترمش ببطء.
“راينا؟”
ناداها لوسيوس عندما لم تجـب.
عادت راينا إلى رشدها فجأة.
“أنا بخير.”
“لا تجهدي نفسكِ.”
قال لوسيوس و هو يتفحّص وجهها الشّاحب.
“تفتيش دار الأيتام يمكن تأجيله يومًا.”
بدا و كأنّه يقول إنّ صحّتها أهمّ من تفتيش دار الأيتام.
“لا، أنا حقًّا بخير.”
نهضت راينا و استقامت.
“شكرًا على اهتمامك.”
كانت التجاعيد لا تزال تعلو جبين لوسيوس.
“حتّى لو أردتُ أن الراحة، سأذهب معكَ إلى دار الأيتام الثّانية ثمّ أرتاح فيها.”
عند هذه الكلمات، لم يصرّ لوسيوس على أن ترتاح أكثر.
صعدا إلى العربة مجدّدًا.
‘يبدو أنّ لوسيوس لا ينوي فعل شيء لي الآن.’
عندما رأى لوسيوس حالتها الصّحيّة السيّئة، قال إنّه لا مانع من تأجيل تفتيش دار الأيتام.
لم يكن بحاجة إلى العجلة على الإطلاق.
‘لذا يجب أن أتظاهر بأنّني لم ألاحظ شيئًا.’
لكي تجعل لوسيوس يفقد حذره، كان عليها مرافقته إلى دار الأيتام في الشّرق.
‘ربّما من الأفضل أن أكون مريضة.’
هكذا يمكنها التذرّع برغبتها في الرّاحة.
‘و سأهرب في هذه الفترة.’
عبثت راينا بالخاتم في إصبعها.
مع هذا الخاتم، يمكنها إرسال رسالة إلى مايا عبر حمامة زاجلة للحصول على المساعدة أينما كانت.
أغمضت راينا عينيها بقوّة.
‘أستطيع فعل هذا.’
كلّما كرّرت ذلك في داخلها، بدأت حالتها تتحسّن تدريجيًّا.
***
ظنّت راينا أنّ جسدها تحسّن.
لكن عندما وصلت إلى دار الأيتام غولدن فلاور ، أدركت أنّها كانت مخطئة.
الحمّى الخفيفة التي شعرت بها منذ الصّباح بدأت ترتفع مع شعورها باضطراب معدتها.
‘على أيّ حال، سأعود قريبًا.’
عاد لوسيوس إلى غرفة الاستقبال حيث كانت راينا.
“ما الوضع؟”
هزّ لوسيوس رأسه ردًّا على سؤال راينا.
كما توقّعت، لم يحصل لوسيوس على أيّ نتيجة.
“تبدين متعبة.”
واصل لوسيوس و هو يتفحّص وجهها.
“بصراحة، لم أتوقّع أن ترافقيني إلى هنا.”
عند كلمات لوسيوس، شعرت راينا فجأة بالعاطفة.
على الرّغم من أنّهما زارا اثنين من دور الأيتام فقط، شعرت و كأنّهما قضيا وقتًا طويلاً معًا.
“أنا بخير. هيّا نعود.”
ابتسمت راينا بصعوبة و استدارت.
فجأة، شعرت بدوّار جعلها تترنّح.
حاولت الإمساك بالطّاولة بسرعة، لكن لوسيوس كان أسرع.
أمسك بذراعها و ساعدها على الوقوف.
“آه، شكرًا…”
تلعثمت راينا و فتحت عينيها بدهشة.
كانت في أحضان لوسيوس الذي دعمها.
حاولت التراجع بدهشة، لكن لوسيوس لم يتركها.
“حالتكِ سيّئة بالفعل. أشعر بالحرارة حتّى من فوق ملابسكِ.”
أخذها لوسيوس مباشرة إلى الأريكة في غرفة الاستقبال.
عندما جلست راسنا على الأريكة بهدوء، أمر لوسيوس أحد موظّفي دار الأيتام بإحضار ماء لها.
بينما كانا ينتظران الموظّف، وضعت راينا مرفقها على مسند الأريكة و أسندت جبينها بيدها.
كانت تعاني من صداع نابض.
‘حالتي أسوأ ممّا كنت أظن.’
أغمضت راينا عينيها بإحباط.
ظهر الموظّف حاملاً كوب ماء.
بينما كانت راينا تستلم الكوب، انزلقت يدها.
كلانغ!
تحطّم الكوب عند قدميها بصوت عالٍ.
“لا تلمسي شيئًا.”
عند صوت لوسيوس الحازم، توقّفت راينا عن مدّ يدها نحو الشّظايا الزّجاجيّة.
بسبب الحمّى التي جعلتها مشوشة، كادت ترتكب حماقة التقاط الزّجاج بيدها العارية.
أزاح لوسيوس الشّظايا بقدمه و جثا أمام راينا.
رأى جرحًا رفيعًا على ظهر قدمها تحت حافة فستانها، فعبس بشدّة.
“سأفحص الجرح قليلاً.”
قبل أن تتمكّن راينا من الرفض، خلع لوسيوس حذاءها.
تفحّص قدمها البيضاء بحرص.
في صمت ثقيل، شعرت راينا بالإحراج و الضّيق.
“لماذا…”
تحدّث لوسيوس و هو يمسك بكاحلها.
“لماذا تفعلين هذا؟”
“ماذا؟”
“أنتِ مريضة لدرجة أنّكِ لا تستطيعين حتّى إمساك كوب ماء، فلماذا أصررتِ على مرافقتي؟”
“لماذا؟ لأنّني أردت مساعدتكَ ولو قليلاً…”
“لهذا السبب بالذّات لا أفهم.”
قاطعها لوسيوس و رفع رأسه.
ارتجفت كتف راينا دون وعي.
كانت عيناه الذّهبيّتان تلمعان بشدّة. كانتا جميلتين كالجواهر، لكنّهما تحملان شيئًا مخيفًا لا يمكن تفسيره.
“راينا، أخبريني.”
ازدادت قوّة يده على كاحلها تدريجيًّا.
“لماذا تخفين أخي كاليكس و تكذبين عليّ هكذا؟”
“……”
“لماذا تتظاهرين بمساعدتي بينما تخدعينني؟”
انفرجت شفتا راينا ببطء.
كان لوسيوس يظهر غضبًا خامًا، من الغريب أنّه تمكّن من كبته حتّى الآن.
لم تستطع راينا تخيّل مدى الخوف الذي سيشعرها به لوسيوس عندما يبدأ باستجوابها فعليًّا.
‘لو فقط…’
ارتجفت أطراف أصابع راينا.
‘لو يغمـى عليَّ.’
إمّا أنّه تـمّ الاستجابة لأمنيتها ، أو أنّ جسدها المصاب بالحمّى وصل إلى حدّه.
أظلمت رؤية راينا و مالت إلى الأمام.
“راينا!”
سمعت صوت لوسيوس يناديها بقلق، ثمّ فقدت راينا وعيها تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 29"