فتح لوسيوس عينيه فجأة.
عبسَ وجهه بسبب أشعّة الشّمس المتسلّلة من النّافذة.
‘الصّباح؟’
تصلّبت ملامح لوسيوس فجأة.
نهض من فراشه.
‘هل استيقظتُ في الصّباح؟’
تفحّص لوسيوس الغرفة من حوله.
كانت الغرفة مضاءة بنور الشّمس السّاطع.
لقد استيقظ فعلاً في الصّباح.
بالنّسبة للآخرين، قد لا يكون النّوم ليلاً و الاستيقاظ صباحًا أمرًا مدهشًا، لكن بالنّسبة للوسيوس، كان الأمر مختلفًا.
حتّى لو أغمض عينيه، كان يستيقظ سريعًا كما لو أنّه غمس قدميه في نومٍ سطحيّ ثمّ خرج منه.
لم يكن بحاجة لقفل الباب خوفًا من دخول المتطفّلين أثناء نومه، لذا لم يفعل.
لذلك، كان من المذهل بالنّسبة للوسيوس أن يستيقظ في الصّباح دون انقطاع.
شعر لوسيوس بغرابة حالة جسده الذي لم يُزل النّوم عنه بالكامل، فكان مشوشًا بعض الشّيء.
و في الوقت نفسه، رحّب بشعور الخمول هذا.
لم يعرف متى كانت آخر مرّة شعر فيها بهذا الإحساس.
كان جسده، الذي كان دائمًا ثقيلاً كقطعة قطن مبلّلة بالماء، يشعر بخفّة ملحوظة، و أصبح ذهنه صافيًا.
استرخت أعصابه التي كانت متوترة بسبب الأرق، و انعكس ذلك على تعابير وجهه.
رمش لوسيوس بعينيه ببطء و مرّر يده في شعره.
تذكّر ليلة الأمس.
كانت ذكرياته غير مكتملة و متقطّعة، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
‘راينا.’
لأيّ سبب كان، كانت راينا في سريره.
تذكّر لوسيوس بوضوح تلك اللّحظة التي نظر فيها إليها من الأعلى.
كما تذكّر جسده الأحاسيس التي شعر بها في تلك اللحظة.
مـدّ لوسيوس يده نحو معطفه.
بحركة اعتياديّة، تحسّس الجيب الذي يحتوي على التمثال الصّغير ليتأكّد من وجوده، ثمّ وضع يده في الجيب المقابل.
أخرج ورقة مطويّة بحجم أصغر من كفّ يده.
كانت هذه الورقة هي التي تلقّاها عندما زار متجر التحف في المرّة السّابقة.
كتب إيليا فيها تلميحات عن الشّيء الذي يبحث عنه لوسيوس.
فرد لوسيوس الورقة و قرأها مجدّدًا.
بدأت عيناه، الغارقتان في الخمول، تلمعان بوضوح تدريجيًّا.
***
أنهت راينا استعداداتها للسّفر إلى دار الأيتام <غولدن فلاور> في الشّرق.
تناول كل واحد منهما وجبة الإفطار في غرفته بشكل منفصل، لذا استطاعت تجنب تناول الطّعام مع لوسيوس في موقف محرج.
‘لكن من الآن فصاعدًا، سأضطرّ لرؤية وجه لوسيوس.’
فكّرت راينا في كيفيّة مواجهته، لكنّها لم تجد إجابة مناسبة.
بسبب ذلك، لم تنـم جيّدًا، و بدأت تعاني من الحمّى الخفيفة منذ الصّباح.
لم تكن تعرف إلى أيّ مدى يتذكّر لوسيوس ما حدث.
‘لقد بدا و كأنّه ليس في وعيه.’
إذا كان الأمر كذلك، فقد لا يتذكّر لوسيوس أنّها زارت غرفة نومه.
‘لكن إذا تذكّر…’
ماذا يمكنها أن تقول كعذر؟
‘هل المشي أثناء النّوم هو العذر الوحيد المتاح؟’
كان هذا العذر هو الأقلّ إحراجًا الذي توصلت إليه راينا.
لكن حتّى هذا العذر لم تكن متأكّدة إن كان لوسيوس سيصدّقه.
‘لو تذكّر، لكان قد جاء ليستجوِبني منذ البداية.’
ربّما كان سيأتي إليها فور استيقاظه.
لكن حتّى بعد انتهاء وجبة الإفطار في غرفهم، لم يزرها لوسيوس.
‘ربّما يريد لوسيوس أيضًا تجنّب الحديث عن هذا.’
ربّما أدرك أنّ تصرّفاته كانت غريبة، لذا يفضّل التظاهر بعدم المعرفة بدلاً من طرح الموضوع.
قد يبدو الأمر و كأنّه نقطة ضعف إذا أُسيء التعامل معه.
‘لن أتحدّث عن الأمر حتّى يبدأ لوسيوس بالحديث.’
سأتظاهر بأنّني لا أعرف شيئًا.
كانت راينا تقرّر هذا في داخلها عندما سمعت ذلك.
طق طق.
كادت أن تصرخ من صوت الطّرق المفاجئ على الباب.
‘لا تقل لي…’
“راينا.”
كان الزّائر هو لوسيوس.
‘لقد أتى ليستجوِبني.’
توقّفت دوائر الأمل التي كانت تدور في رأس راينا فجأة.
لم يكن لوسيوس شخصًا يسهل التعامل معه.
إذا كان قد أظهر لها تصرّفًا يمكن اعتباره نقطة ضعف، هل سيتراجع؟
ربّما يفكّر أنّ قتل الشخص الذي يعرف نقطة ضعفه سيُزيل الضّعف نفسه.
‘حتّى لو كنتُ أستطيع تبرير زيارتي لغرفة نومه بالمشي أثناء النّوم…’
ماذا لو أدرك لوسيوس أنّها حاولت لمس معطفه؟
لن يكون هناك حلّ لهذا.
أرادت راينا أن تمسك بشعرها من الإحباط.
‘حتّى في حلمي الليلة الماضية، لم يظهر بومر!’
كانت راينا قد حصلت على التمثال الصّغير و خطّطت لإخبار بومر بذلك في حلمها.
عندما كان يحثّها على استعجال الحصول عليه، لم يظهر بومر حتّى بعد أن حصلت عليه بصعوبة.
‘إذا سُرق مني التمثال من قِبل لوسيوس قبل أن أسلّمه لبومر؟’
بل، هل سيتركها لوكيوس دون عقاب على محاولتها السّرقة؟
طق طق.
بينما كانت راينا غارقة في أفكارها، طرق لوسيوس الباب مرّة أخرى.
في النّهاية، لم يكن بإمكانها فعل شيء سوى إضاعة الوقت.
“تفضّل بالدّخول.”
أجابت راينا بصوت ضعيف و مستسلم.
فتح لوكيوس الباب و دخل.
“هل أنهيتِ استعدادات السّفر؟”
قال ذلك وهو ينظر إلى حقيبتها.
أومأت راينا برأسها.
‘ما هذا؟’
كانت تتوقّع أن يواجهها لوسيوس بنظرة غاضبة، لكن تعابيره كانت هادئة.
كانت عيناه هادئتين، كما لو أنّ ذكريات الليلة الماضية كانت كذبة.
‘يبدو أنّه ليس غاضبًا على الأقل.’
بدأت دوائر الأمل تدور في رأس راينا مجدّدًا.
نظر لوسيوس إلى راينا بهدوء.
بدا و كأنّه يريد قول شيء، لكنّه لم يفتح فمه.
بينما كانت راينا على وشك أن تشعر بالقلق مجدّدًا، قال:
“لديّ شيء أودّ قوله.”
“نعم؟”
أغلقت راينا فمها بسرعة.
لقد تحدّثت بصوت عالٍ جدًّا بسبب المفاجأة.
نظفت حلقها و قالت:
“ما الذي تريد قوله، هل هو شيء أن تتحدث عنه الآن؟”
أرادت راينا تأخير الحديث معه قدر الإمكان.
“إن لم يكن أمرًا عاجلاً، ربّما من الأفضل أن نتحدّث لاحقًا.”
قامت راينا بالتلميح إلى أنّ الوقت الحالي ليس مناسبًا للحديث.
كان عليهما مغادرة المكان بالعربة قريبًا.
“حسنًا.”
أجاب لوسيوس بهدوء.
“سأخبركِ بعد أن ننهي أمورنا في دار الأيتام غولدن فلاور.”
تنفّست راينا الصّعداء في داخلها.
“ستغادر العربة بعد قليل، فاستريحي حتّى ذلك الحين.”
“لماذا؟”
“لأنّ عليّ التحقّق من شيء ما.”
“ما الذي…”
تلعثمت راينا في نهاية جملتها.
خشيت أن ينزعج لوسيوس من أسئلتها المتكرّرة. لكنه لم يعبس أو يحدّق بها بنظرة حادّة.
“لتلقّي تقرير عن مكان وجود كاليكس.”
بل أجابها بصراحة.
‘ما الذي تغيّر في لوسيوس؟’
شعرت راينا بالحيرة، لكن كلمة “تقرير” جذبت انتباهها أكثر.
كان هذا “التقرير” هو السّبب في أنّ لوسيوس لم يبدُ مستعجلاً في البحث عن كاليكس.
تساءلت راينا عن كيفيّة تلقّي هذا التقرير و ما محتواه.
الآن وقد علمت أنّ لوسيوس ذاهب لتلقّي التقرير، ربّما تتسنّى لها فرصة لمعرفة ذلك بنفسها.
“حسنًا، سأنتظر.”
“لن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً.”
بعد هذه الكلمات، غادر لوسيوس الغرفة.
انتظرت راينا قليلاً، ثمّ فتحت الباب بحذر.
وقفت عند درابزين الرّواق و نظرت إلى الأسفل، فرأت لوسيوس يغادر مكان الإقامة.
بعد أن تأكّدت من الاتّجاه الذي ذهب إليه، بدأت راينا بمتابعته.
***
سرعان ما أدركت راينا شيئًا.
ليس لديها أيّ موهبة في التّعقّب.
‘أنا متأكّدة أنّه ذهب في هذا الاتّجاه.’
تبعت راينا الاتّجاه الذي اختفى فيه لوسيوس، لكنّها لم ترَ حتّى مؤخرة رأسه.
‘لا يوجد تقاطع في هذا الطريق. هل دخل إلى متجر ما؟’
إذا كان يتلقّى التقرير داخل مبنى، فمن المرجّح أن يكون متجرًا لبيع الطّعام و ليس متجرًا لبيع البضائع.
‘لأنّ مثل هذه الأماكن أنسب لإجراء المحادثات.’
حاولت راينا استنتاج المتاجر التي قد يذهب إليها لوسيوس.
في لحظة، ألقت نظرة سريعة على نافذة مقهى دون أن تلفت الانتباه، لكنّها لم تجد شيئًا.
‘مهلاً؟’
بينما كانت تبحث عن لوسيوس، رأت راينا شخصًا غير متوقّع.
كان إيليا، سيّد متجر التحف.
‘هذا الرّجل أيضًا غامض جدًّا.’
تذكّرت راينا النّهاية المزعجة لزيارتها الأخيرة له، فلم ترغب في إلقاء التحية عليه.
أدارت رأسها متظاهرة بعدم رؤيته، لكنّها عادت و نظرت إليه مجدّدًا.
كان إيليا يلوّح بيده كما لو أنّه رأى أحد معارفه.
ظنّت راينا للحظة أنّه يلوّح لها.
لكن سرعان ما اقترب إيليا من عربة متوقّفة.
عندما رأت راينا ظهر الشّخص الذي يستند إلى العربة، فتحت عينيها على وسعهما.
‘إنّه لوسيوس!’
لماذا يلتقي إيليا بلوسيوس؟
‘هل يتلقّى التقرير من إيليا؟’
لكن لماذا؟
لم تستطع راينا الاقتراب منهما.
بدلاً من ذلك، اختبأت خلف لافتة متجر و تسلّلت بنظراتها لمراقبتهما.
‘الآن عند التفكير في الأمر، لقد التقيت بلوسيوس لأوّل مرّة في متجر التحف.’
يبدو أنّ لوسيوس أيضًا كان زبونًا لدى إيليا.
‘لوسيوس يتعامل مع تاجر صفقات سرّيّة؟’
لم يبدُ لوسيوس مهتمًّا بالأغراض الفاخرة أو النّادرة، لذا شعرت راينا بالحيرة.
‘ما الذي كلّف به إيليا؟’
كما فعل إيليا معها، خطّطت راينا لمراقبة ما إذا كان إيليا يسلّم شيئًا للوسيوس.
لكن إيليا لم يسلّم شيئًا للوسيوس.
بدلاً من ذلك، تحدّث إليه كما لو كان الهدف هو المحادثة و ليس الصّفقة، و هزّ كتفيه.
ثمّ وضع يده على كتف لوسيوس و طبطب عليه.
‘لماذا يتصرّف بهذه الطريقة؟’
فتحت راينا فمها بدهشة.
‘يبدوان ودودين جدًّا؟’
التعليقات لهذا الفصل " 28"