“يا لها من مفاجأة، لقد مر وقت طويل منذ آخر لقاء لنا!”
نظر الناس بدهشة إلى الرجل الذي تجرأ على التحدث إلى لوسيوس المخيف بهذه الجرأة.
استمتع الرجل بنظراتهم و هو يشد كتفيه بثقة.
نظر إليه لوسيوس بصمت، غير قادر على التعرف عليه.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، فقدّم الرجل نفسه بهدوء:
“جوليان بيرتمان، الابن الثاني لعائلة الكونت بيرتمان.”
“….”
“لقد ذهبنا للصيد معًا من قبل، أليس كذلك؟ عائلة إنغرسول دعت عائلتنا.”
رغمَ هذه المقدمة الطويلة، لم يُظهر لوسيوس أي رد فعل.
“ما الذي تريده؟”
على الرغم من نبرته الجافة، ظل جوليان صلبًا.
“لقد رأيتكَ بالصدفة، فأردت إلقاء التحية عليكَ.”
أدار لوسيوس رأسه بعيدًا، كما لو أن الأمر لا يستحق الاستماع.
كان اهتمامه منصبًّا على راينا فقط.
“لماذا تتصرفين بغرابة منذ قليل…”
“ما الذي جاء بسموّكَ إلى هنا؟”
تدخل جوليان بسرعة، مقاطعّا لوسيوس.
نظر لوسيوس إليه بنظرة باردة كالجليد، لكن جوليان لم يتراجع.
“هل جئتَ لحضور حفل افتتاح المنجم، سموّ الدوق؟”
ألقى جوليان نظرة خاطفة على راينا بجانب لوسيوس و تابع:
“بالمناسبة، لم أتوقع أن تحضر برفقة آنسة بهذا الجمال. ألن تعرّفني عليها؟”
أضاءت عينا راينا.
إذا قدمها لوسيوس بشكل صحيح، يمكن أن يمنع انتشار الإشاعات السخيفة.
في نظر راينا، بدا جوليان شخصًا فضوليا يحب نشر القصص. من المؤكد أنه سيتحدث عن محادثته مع لوسيوس في كل مكان.
“أنا…”
تقدم لوسيوس خطوة نحو جوليان.
نظر إليه جوليان وهو يقترب بسرعة.
عندما غطى ظل لوسيوس جسده، ابتلع جوليان ريقه فقد شعر أخيرًا بالهالة المخيفة التي تنبث من لوسيوس.
“سواء كنتُ سأحضر حفل افتتاح المنجم أو أرافق آنسة جميلة، ما شأنكَ بذلك؟”
“… ماذا؟”
“هل أنا ملزم بالإجابة على أسئلتكَ واحدة تلوى الأخرى؟”
انخفضت نبرة لوسيوس أكثر.
تلعثم جوليان بوجه شاحب:
“أنا، أنا فقط، تساءلت إن كانت هذه الآنسة هي الآنسة التي تتحدث عنها الإشاعات…”
“إشاعات؟”
اتسعت عينا راينا.
شعرت بالقلق من أن لوسيوس قد يعرف عن الإشاعات التي ينشرها الكونت و الكونتيسة كرولوت إذا استمر الأمر هكذا.
“سيدي الدوق.”
نادته راينا بسرعة.
أدار لوسيوس عينيه من جوليان إليها.
تنفس جوليان الصعداء بعد أن كان يحبس أنفاسه.
‘مَنْ يستطيع التنفس تحت مثل هذه النظرات؟’
وضعت راينا يدها على جبينها، متفهمة شعور جوليان.
“أشعر بصداع خفيف، ألا يمكننا الذهاب للراحة؟”
أغلقت راينا عينيها، متظاهرة بالمعاناة من الصداع.
“… حسنًا.”
شعرت راينا بالراحة عند سماع إجابته.
“السيد بيرتمان.”
“آه؟ نعم!”
“أتمنى أن تتوقف عن إزعاجي و تغادر.”
“نعم!”
تناسى جوليان كرامته و ابتعد بسرعة.
نظر إلى راينا و التي كانت تمر بجانبه بنظرة مفتونة، كما لو كان يقول: ‘إنها شخص يستطيع التحكم بلوسيوس حسب رغبتها.’
شعرت راينا بأن الصداع يهاجمها حقًا الآن.
“سيدي الدوق، من الأفضل تجنب الحديث في الأماكن المزدحمة.”
“لماذا؟”
“لأن الناس قد يسيئون الفهم.”
“يسيئون الفهم؟”
تحدثت راينا بحذر و هي تنظر إلى لوسيوس الذي لم يفهم :
“رؤية شخصين لا تربطهما علاقة يسيران معًا قد تثير تكهنات غريبة.”
“….”
“مثل أننا وعدنا بعضنا البعض بمستقبل معًا.”
بالضبط، هناك مَنٔ ينشر مثل هذه الإشاعات.
لم تستطع راينا قول ذلك و غيرت الموضوع:
“مثل هذه الإشاعات قد تسبب الإحراج لكَ، سموّ الدوق.”
لم يقل لوسيوس شيئًا.
نظر إلى وجهها للحظة ثم أومأ برأسه بهدوء.
***
كان مكان إقامة راينا و لوسيوس قريبا جدًا من دار غولدن فلاور.
انتهيا من أمتعتهما و قررا قضاء الليل هناك قبل زيارة ذلكَ المكان في الصباح.
هذا يعني أن هذه الليلة هي الفرصة الأخيرة لراينا لأخذ تمثال بومر من لوسيوس.
طلبت راينا من موظف الإقامة إحضار الشاي لهما.
أحضر الموظف صينية تحمل إبريق شاي و كوبين ثم غادر.
أضافت راينا المنوم الذي تلقته من السيد إلى إبريق الشاي، و خلطته جيدًا، ثم ذهبت إلى لوسيوس.
“صاحب السّمو.”
لم يتوقع لوسيوس زيارتها في غرفته ليلاً، ناهيك عن إحضارها شايًا ليشرباه معاً.
“لدي شيء أود مناقشته معكَ.”
“تفضلي بالدخول.”
سمح لها لوسيوس بالدخول إلى غرفته.
كان يخمن سبب زيارتها.
جلسا متقابلين عند الطاولة.
كان لوسيوس يرتدي ملابس مريحة، على عكس المعتاد.
كان شعره الممشط بعناية يتدلى على جبينه، مما جعله يبدو أصغر سنًا.
“أعددتُ شاي البابونج، هل هذا مناسب لكَ؟”
أومأ لوسيوس برأسه.
كان شايًا مناسبًا قبل النوم.
سكبت راينا الشاي في كوبه ثم في كوبها.
تظاهرت بالشرب، رافعة الكوب إلى شفتيها. ألقت نظرة خاطفة على لوسيوس، لكنه كان يمسك الكوب و ينظر إليه دون أن يشرب.
‘هذا لن يفيد.’
هل من الممكن ألا يشرب؟
لم يكن أمامها سوى خيار واحد.
‘يجب أن أجعله يشعر بالعطش.’
وضعت راينا كوبها و قالت:
“بخصوص ما حدث في دار وايت فيلد…”
رفع لوسيوس عينيه إليها أخيرًا.
“لقد انفعلتُ و غضبتُ منكِ يومها. أعتذر عن ذلك.”
“لا بأس.”
رد لوسيوس بهدوء.
“بل على العكس، هذا أفضل.”
“… هل من الأفضل أن أغضب؟”
“أنتِ هادئة للغاية أمامي.”
فرك لوسيوس مقبض الكوب بإبهامه ببطء و تابع:
“لدي عادة الحذر من الأشخاص الذين يبدون هادئين أمامي.”
كان ذلك مفاجئًا.
كانت راينا تحاول جاهدة أن تبدو هادئة أمامه.
اعتقدت أن ذلك سيمنعها من أن تصبح فريسة سهلة له. لم تتوقع أن هدوءها سيثير شكوكه.
“و علاوة على ذلك، ألم يكن لديكِ ما يكفي من الأسباب للغضب؟”
“هل تصدق كلامي؟”
أبعد لوسيوس يده عن الكوب.
شعرت راينا بالقلق لكنها حافظت على تعابيرها.
“قلتِ إن كاليكس يثير الشفقة.”
“….”
“و يبدو أنكِ تعتقدين أنني ساهمت في معاناته.”
أمسكت راينا كوبها بقوّة أكبر عند كلامه.
“ألا تعتقدين أن مساعدتكِ لي في العثور على كاليكس قد تعيده إلى المعاناة؟”
بدلاً من الإجابة، قالت راينا شيئًا آخر:
“أنتَ لم تنـفِ أن تفكيري قد يكون سوء فهم أو وهم.”
“….”
“لهذا ، لا أفهم لماذا تسأل بينما تتركني أفكر كما أريد.”
رفعت راينا كوبها إلى شفتيها.
تعمدت سكب كمية أقل من الشاي في كوبها، لذا لم يلمس الشاي شفتيها حتى عندما أمالت الكوب.
“هل سوف تصدّقينني إذا نفيت؟”
اتسعت عينا راينا قليلاً.
كانت نبرته جادة للغاية.
“حتى أولئك الذين لا يعرفونني يتحدثون عني كما لو أنهم يعرفونني جيّدًا.”
“….”
“عندما تمر بمثل هذه التجارب باستمرار، يصبح من الأسهل ترك الناس يفكرون كما يريدون.”
أمسك لوسيوس بمقبض الكوب مرّةً أخرى.
حدقت راينا في أصابعه، متمنية أن يرفع الكوب.
“أما سبب سؤالي لكِ…”
توقف لوسيوس للحظة ثم تابع:
“الفضول.”
“….”
“لا أعرف ما الذي يدور في رأسكِ، حتى لو ظننت أنني أعرف.”
ابتسم لوسيوس بخفة.
كانت ابتسامة مائلة، لكنها لم تكن سخرية.
ابتسمت راينا مثله.
“إذا كنت مهتمًا بأفكاري، توقف عن اختباري و كن صريحًا.”
ضيّق لوسيوس عينيه قليلاً.
“لكسب ثقة شخص ما، قد يتعين عليّ أن أثـق به أولاً.”
“….”
“يجب أن أظهر ثقتي حتى يثـق بي الآخرون.”
“كلام مثير للاهتمام.”
اتسعت عينا راينا.
“أليس هذا أسلوب المحتالين الأكثر شيوعًا؟”
“… ماذا؟”
“إنهم يجعلونكَ تثق بهم بكلمات معسولة ثم يقومون بخيانتكَ.”
كلمة “محتال” جعلت عرقًا باردًا يتصبب من ظهر راينا.
“بالأصل، إعطاء الثقة لكسب الثقة يبدو غير نقي. هل هذه ثقة حقيقية؟”
“إذًا، كيف تعتقد أن الثقة الحقيقية تُبنى؟”
“إذا أخبرتكِ، هل ستفعلين ذلك؟”
ضحك لوسيوس مرة أخرى.
“أليس هذا غير نقي أيضًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 26"