لقد أبدى لوسيوس ردّ فعل باردًا عندما حاول الطفل لمس أغراضه.
عندما رأت راينا الطفل يرتعد و هو يتوسّل إليه، شعرت بقلبها يؤلمها.
ذلك لأنّ مظهر ذلك الطفل وهو يطلب الصفح بدا متأصّلاً في جسده.
بالإضافة إلى ذلك، لم يسعها إلّا أن تتذكّر كاليكس.
كان واضحًا أنّ لوسيوس كان يعامل كاليكس بهذه الطريقة أيضًا.
لهذا السبب، انتهى الأمر براينا إلى إظهار موقف حادّ تجاهه.
“و ماذا عنـكِ أنـتِ؟”
ضحك لوسيوس سخريةً.
“هل تقولين إنّكِ أفضل منّي لأنّكِ قادرة على التصرّف بلطف مهما كان الأمر إذا كان للطفل قيمة يمكن استغلالها، رغم كرهكِ له؟”
“….ماذا؟”
“أعتقد أنّكِ لستِ في موقف يخوّلكِ تقديم النصيحة لي.”
شعرت راينا بالذهول.
‘متى استغللتُ طفلا يومًا؟’
لم تتمكّن راينا من فهم سبب اعتقاد لوسيوس بذلك.
‘الشخص الذي يستغل طفلاً هنا هو أنتَ بالذات.’
أليس لوسيوس هو مَنْ يحاول إثارة حرب بين العائلات مستغلاً موت كاليكس؟
بل إنّه لم يعامل كاليكس بلطف حتّى عندما كان يرى فيه قيمة يمكن استغلالها.
“سنتوجّه مباشرة إلى دار الأيتام في الشرق، فاستعدّي.”
قال لوسيوس بهدوء كأنّه لم يتحدّث إليها بحدّة من قبل، ثمّ استدار.
“انتظر لحظة.”
نادته راينا ليتوقّف.
“أنتَ تستمرّ في التصرّف بهذه الطريقة.”
“ما الذي تقصدينه؟”
” تقول ما تريد قوله ثمّ تذهب فورًا.”
“إن كان لديكِ ما تريدين قوله، فقوليه.”
قال لوسيوس كأنّه كان ينتظر ذلك.
كان يفضّل أن تُظهر راينا مشاعرها المزعجة بشكلٍ صريح على أن تتصنّع الودّ.
لقد كان ينتظر متى ستكشف عن وجهها الحقيقي.
“لم أستغل الطفل يومًا.”
“قلتُ ما رأيته بعينيّ فقط.”
“بل ربّما رأيتَ ما تريد رؤيته فقط؟”
“حسنًا.”
رفع لوسيوس زاوية فمه بابتسامة خفيفة.
“قبل أن تريني، كنتِ غير راضية عن أن يلمس الطفل جسدكِ أو أن يصنع لكِ إكليلًا من الزهور، لكنّكِ ما إن رأيتِني حتى احتضنتِه بلطف كأنّ شيئًا لم يكن؟”
ضحكت راينا بسخرية.
“عبس وجه الطفل و هو يلمس شعري. و عندما تأكّدتُ، وجدتُ جروحًا صغيرة حديثة على يديه.”
“…..”
“أخبرته أن الأمر لا بأس لئلّا يجرح نفسه أثناء صنع الإكليل، و أمّا احتضاني له عند رؤية صاحب السموّ…..”
توقّفت راينا قليلًا ثمّ أكملت.
“فقط لكي لا يخيفه صاحب السموّ كما فعل سابقًا، قمتُ باحتضانه .”
شعرت راينا بالظلم لاضطرارها إلى التبرير هكذا، لكنّها اعتبرت أنّ ذلك أفضل من ترك سوء الفهم.
“هل يصعب عليكَ تصديق أنّني أساعد صاحب السموّ لأنّني قلقة على كاليكس إلى هذا الحدّ؟”
لم يجب لوسيوس، لكنّ صمته كان بمثابة تأكيد.
“بما أنّكَ فضولي إلى هذا الحدّ بشأن سبب مساعدتي، فسأخبركَ بالحقيقة.”
قالت راينا و هي تنظر إلى لوسيوس مباشرة.
“إنّه طفل مسكين.”
“…..”
“كم شخصًا في الإمبراطوريّة يعرف أنّ لصاحب السموّ أخًا أصغر؟ هذا يعني أنّكَ أخفيته بعناية و جعلته يكبر دون أن يظهر أمام أي أحد.”
شدّت راينا قبضتيها بقوّة.
“قال أخي إنّ ذلك الطفل كان يقف وحده ليلًا على حافة الجرف يحدّق في البحر. كان يبدو هشًّا كأنّه سيختفي في أيّ لحظة.”
تصلّبت ملامح لوسيوس تدريجيًّا.
“حتى عندما اعتقد أخي أنّه يتيم، لم ينفِ الطفل ذلك. ثمّ اختفى بعد ذلك.”
“…..”
“ما الشعور الذي كان يسيطر عليه ليفعل ذلك؟ ألا تثير هذه المسألة فضولكَ؟”
هدّأت راينا أنفاسها المتسارعة.
كان لوسيوس يحدّق بها بشكلٍ مباشر.
تجنّبت راينا نظرته و أنزلت عينيها.
“ذلك الطفل مريض أصلًا. كلّ ما أتمنّاه هو أن يرتاح سريعًا.”
“…..”
“ما سيحدث بعد العثور عليه ليس من شأني، لكنّني أريد فقط أن أتأكّد بعينيّ أنّه بخير.”
أرخَت راينا قبضتيها و طبقت يديها بهدوء.
“أتمنّى ألّا تسيء فهم نيتي الصادقة في إدارة دار الأيتام بدافع حبّي للأطفال.”
“…..”
“كنتُ كذلك قبل لقاء صاحب السموّ، و سأظلّ كذلك في المستقبل.”
بعد أن انتهت من كلامها، خطت راينا بخطى واسعة مرورًا بجانب لوسيوس.
لم يحاول لوسيوس إيقافها. ظلّ يحدّق في ظهرها حتى اختفت تمامًا من ناظريه.
* * *
غادرت راينا و لوسيوس دار أيتام وايت فيلد متوجّهين شرقًا.
لم يتبادلا كلمة واحدة حتى وصولهما إلى الشرق.
و لا عجب في ذلك، إذ كان الاثنان يخوضان حاليًّا حرب أعصاب غريبة.
كانت راينا قد واجهت لوسيوس الذي أساء فهمها تمامًا. ستكون كاذبة إن قالت إنّها لا تخاف من لوسيوس، لكنّها لا يجب أن تظهر له خوفًا مطلقًا.
‘يجب أن أثبّت موقعي كمساعدة حتى لا يعاملني لوسيوس باستخفاف.’
لذا حافظت راينا على تعبير بارد.
كانت تنوي الحفاظ على هذه الأجواء عمدًا لفترة ثمّ تخفّفها.
‘عندها سأستخدم المنوّم الذي أعطاني إيّاه السيد.’
إذا نجحت في استبدال التمثال بهدوء، كانت راينا تنوي ترك دار الأيتام الشرقيّة دون أيّ تردّد.
‘يمكنني التذرّع بضعف حالتي الصحيّة.’
كان أفضل عذر لتتخلّى راينا عن دور مساعدة لوسيوس هو صحّتها.
‘سأبدأ من الآن بإظهار المرض بين الحين و الآخر.’
بعد أن عزمت على ذلك، نزلت راينا من العربة ففوجئت قليلًا.
ذلك لأنّ شوارع المدينة الشرقيّة التي وصلا إليها كانت مزدحمة بالناس.
كانت أكثر ازدحامًا من أيّ مدينة مرّا بها حتى الآن.
‘هل يقيمون مهرجانًا ما؟’
بينما كانت راينا تنظر حولها بدافع الفضول، لاحظت أمرًا غريبًا.
رغمَ أنّ الشارع مزدحم إلى درجة أنّ الناس قد يصطدمون بكتف بعضهم، إلّا أنّ الطريق الذي يسلكه راينا و لوسيوس كان فارغًا تمامًا أمامهما.
‘ما هذا؟’
ازدادت حيرة راينا حتى اكتشفت السّبب أخيرًا.
كان بعض النبلاء في الشارع قد تعرّفوا على لوسيوس.
كانوا يلقون نظرات خاطفة عليه و يتهامسون، ثمّ يفسحون الطريق تلقائيًّا خوفًا من الاصطدام به.
و رأى الآخرون ذلك فتجنّبوا لوسيوس بحذر.
حتّى مَنٔ لا يعرفون هويته، كانوا يحذرون مسبقًا لأنّ الهالة التي ينشرها ليست عاديّة.
بفضل ذلك، تمكّنت راينا من السير إلى النزل عبر الطريق المزدحم بطريقةٍ أكثر راحة من الآخرين.
لكن سرعان ما أدركت راينا أنّ اهتمام الناس بلوسيوس ليس في صالحها.
‘إنّهم يحدّقون بي أنا أيضًا بشكلٍ رهيب.’
بدلًا من أن يحدّقوا بلوسيوس بحرّية، كان الناس يثقبون راينا بنظراتهم.
أبدى النبلاء اهتمامًا براينا التي تبدو للوهلة الأولى كسيّدة نبيلة لكنّهم لم يروها في المجتمع الراقي من قبل.
كانوا فضوليّين بشكل صريح حول هويتها و لماذا هي مع لوسيوس.
شعرت راينا أنّ خدّيها يحترقان من شدّة النظرات.
‘هذه أوّل مرّة أتعرّض فيها لاهتمام هذا العدد من الناس فجأة.’
شعرت بالانزعاج و كأنّها قرد في حديقة حيوانات.
التصقت راينا بجانب لوسيوس تمامًا لكي تختبئ قليلًا خلف جسده و تقلّل من لفت الانتباه.
ألقى لوسيوس نظرة خاطفة على راينا ثمّ أبعد نظره سريعًا.
فتحت راينا فمها و هي تتبع خطواته الواسعة بخطى صغيرة متسارعة.
“صاحب السموّ.”
في تلكَ اللحظة، شعرت راينا بذلك.
عندما نادته، انغرزت نظرات الناس فيها كالسهام.
وعندما توقّف لوسيوس و نظر إليها، ازدادت تلك النظرات حدّة.
شعرت أنّ الآخرين ينتظرون بفضول أكبر من لوسيوس نفسه لمعرفة ما ستقوله.
ابتلعت راينا ريقها.
حينها فقط تذكّرت كلام السيد لها.
‘قيل إنّ الكونت كرولوت و زوجته ينشران شائعات غريبة.’
إذًا فهؤلاء الناس حولها شهود مثاليّون لتأكيد ذلكَ الهراء الذي يردّده الكونت و الكونتيسة.
‘ظننتُ أنّ الناس لا يعرفونني تقريبًا لأنّني لم أشارك في نشاطات اجتماعيّة.’
من بين النبلاء الذين يحدّقون بها هي و لوسيوس، من المؤكّد أنّ هناك مَنٔ تعرّف عليها بصفتها آنسة عائلة كرولوت المذكورة في الشائعة، و ينظر إليها ليتأكّد ما إذا كانت الشائعة صحيحة.
“ماذا؟”
سأل لوسيوس عندما نادته راينا ثمّ صمتت.
هزّت راينا رأسها.
عبس لوسيوس قليلًا ثمّ استأنف السير.
سرعان ما شعر بشيءٍ غريب فاستدار.
ذلك لأنّ راينا التي كانت تسير ملتصقة به حتى لحظة مضت، أصبحت الآن تبعد عنه مسافة واضحة.
تعمّق التجعيد بين حاجبي لوسيوس. توقّف عن السير و نظر إليها.
“ما الذي تفعلينه؟”
“….لا تفعل.”
قالت راينا دون أن تحرّك شفتيها تقريبًا، كأنّها تتكلّم بصوت داخلي.
اقترب لوسيوس أكثر ليسمع كلامها جيّدًا.
“ماذا قلتِ للتوّ……”
“قلتُ لا تقترب.”
همست راينا و قد سيطر عليها القلق.
“و لا تكلّمني أيضًا.”
“….”
“فلنتصرّف كأنّنا لسنا رفيقين.”
ارتفع حاجبا لوسيوس.
لم يتمكّن من فهم هذا الكلام المفاجئ الذي تقوله راينا.
التعليقات لهذا الفصل " 25"