كانَ لوسيوس يجلس في مطعمٍ في وسط المدينة. جلس في ركن خالٍ من المطعم، ينتظر شخصًا ما.
سرعانَ ما جلسَ أحدهم أمامه.
كان إيليا.
“هل هناكَ أيّ أخبارٍ جديدة عن مكان كاليكس؟”
سأل لوسيوس مباشرةً دون مقدّمات.
“لا شيء. كيفَ يمكن أن تكونَ المعلومات بهذه النّدرة؟”
ردَّ لوسيوس بهدوء، كما لوْ كانَ يتوقّع هذه الإجابة.
“ربّمَا يخفيهِ أحدهم عنْ عمد.”
و إلا لمَا عجز فرسان لوسيوس، الذين يُفتشون الإمبراطوريّة بأكملها، عن إيجاد أيّ أثر.
“لوسيوس، حتّى بالنّظر إلى أنكَ لا تُظهر عواطفكَ، لا تبدو قلقًا على الإطلاق.”
ضيّقَ إيليا عينيه.
“ألستَ قلقًا على كاليكس؟”
“ليسَ في الوقت الحالي.”
بدا إيليا غير قادرٍ على الفهم.
لم يقل لوسيوس المزيد، بل وضع.يده على صدر معطفه.
شعرَ بتمثال بومر في جيبه الداخلي.
إذا حدثَ شيء لكاليكس، لكانَ قد تغيّرَ شيء في هذا التّمثال.
كان التمثال على حاله الآن، لكن لا أحد يعرف متى قد تسوءُ حالة كاليكس.
“ماذا عن الآنسة راينا؟”
رفعَ لوسيوس عينيه ببطء لينظر إلى إيليا.
“هل تجدُ مرافقتها مريحة؟”
“إنّها امرأة غريبة.”
ضحك إيليا كما لو أنّه يفهمه.
“أليست آنسة نشأت كزهرةٍ في بيت زجاجي؟ لابد أن مرافقتكَ ليست سهلة عليها.”
توقع أن تكون راينا قد تصرفت بتذمر و انزعاج أثناء مرافقتها للوسيوس.
“لا، على العكس، كانت خالية من التذمر بشكل مدهش.”
“إذاً، ما الغريب فيها؟”
“قالت إنني…”
عبس لوسيوس كما لو أن الأمر مقزز.
“حبها الأول.”
اتسعت عينا إيليا، ثم انفجر ضاحكًا.
“يا إلهي.”
بعد الضحك لفترةٍ طويلة، مسح إيليا الدموع من زاوية عينيه.
“يا لها من امرأة مذهلة.”
تمتم إيليا لنفسه و نظر إلى لوسيوس.
“لا ينبغي الحكم على الآنسة راينا بناءً على الشائعات.”
“شائعات؟”
“يقال إنها تعاني من مشكلة في التحكم بغضبها.”
“لا تستطيع التحكم بغضبها؟”
أومأ إيليا برأسه.
“يقال إنها إذا استشاطت غضبًا، لا تهدأ حتى تفقد وعيها.”
تذكر لوسيوس اللّحظة التي تعرضت فيها راينا للسرقة.
لو كانت حقًا تعاني من مشكلة في التحكم بغضبها، لكانت قد أثارت ضجة آنذاك.
“أنتَ تشك في الآنسة راينا أكثر من غيرها، أليس كذلك؟”
“سيريل يحقق في أمرها، هناك بعض النقاط المشبوهة.”
توقف لوسيوس للحظة ثم أضاف:
“و هناك أيضًا بعض الأمور التي أريد التأكد منها بنفسي.”
“مثل ماذا؟”
“قيمتها الحقيقية.”
شبك إيليا ذراعيه و اتكأ على ظهر المقعد.
“حقًا؟ حسنًا، لدي أيضًا شيء أريد التأكد منه بشأنها.”
“….”
“أعتقد أنني سأعرف قريبًا.”
ابتسم إيليا ثم أخرج شيئًا من جيبه.
كانت ورقة مطوية بعناية.
“السير مارتن تحرك.”
تألقت عينا لوسيوس بحدة.
“إلى أين؟”
“إلى الجنوب.”
***
المصحة في الجنوب حيث كان يقيم كاليكس.
زارها مارتن بنفسه.
“أنا حزين جدًا لهذا الوضع.”
عزّى مارتن زوجة مدير المكان.
“لكنكِ ستعترفين أنه كان جشعًا.”
لم تستطع المرأة الرد، بل أخذت تعويضًا قدمه مارتن بهدوء.
استغل مارتن زيارته ليتوجه إلى الغرفة الفردية التي كان يقيم فيها كاليكس.
“تسك.”
نظر مارتن حول الغرفة و هو يصدر صوت استياء.
“لا عجب أن الطفل هرب.”
أشار مارتن إلى أحد أتباعه المقربين.
“انظر إلى هذا.”
أشار إلى مقبض الباب.
“القفل ضعيف، أليس كذلك؟”
كان هناك عدم رضا في عينيه و هو ينظر إلى المقبض.
“يكفي أن ينسى أحد الموظفين قفله، فيُفتح بسهولة.”
نظر إلى تابعه.
“حتى طفل ضعيف يمكنه الهروب بسهولة، أليس كذلك؟”
“نعم، سيدي.”
وافق التابع على كلامه.
“لقد أعددنا كل شيء بعناية.”
شعر مارتن بالغضب كلما فكر في الأمر.
كان مدير المكان جشعا و غبيا، مما جعل من السهل التعامل معه. لكنه لم يتوقع أن يكون مرؤوسوه بهذا الغباء.
كان من المفترض أن يهرب كاليكس في يوم محدد.
لكن بسببِ خطأ أحد الموظفين، تصرف كاليكس بشكلٍ غير متوقع.
“كان يمكننا القبض عليه بسرعان.”
طفل يهرب ليلاً، إلى أي مدى يمكنه الذهاب؟
كان بإمكانهم العثور على كاليكس بتفتيش شاطئ البحر القريب.
لكن في تلك الأثناء، تدخل أحدهم و أخذ كاليكس.
“يبدو أن السماء لم تكن في صالحي تلك الليلة.”
لكنه لم يحتج إلى الحزن طويلاً.
لأن الأيام التي كانت السماء في صالحه أكثر.
تأكد من ذلك يوم وفاة شقيقه، الدوق السابق لعائلة إنغرسول.
شعر أن السماء تدعمه لتحقيق أهدافه.
بينما كان مارتن يغادر الغرفة، سأل تابعه:
“ماذا عن لوسيوس؟”
“يقال إنه يفتش دور الأيتام مع آنسة من عائلة كرولوت.”
رفع مارتن حاجبيه.
لماذا يفتش دور الأيتام، و لماذا مع آنسة ليس لها صلة به؟
“يبدو أن لوسيوس يشك في عائلة كرولوت.”
إذاً، لن يضطر مارتن لبذل جهد لمعرفة مَنٔ أخذ كاليكس.
سيجده لوسيوس قريبًا.
كل ما عليه هو الاستعداد لما بعد ذلك.
على الرغم من فشل خطته، إلا أنه يمكنه وضع خطة جديدة.
“قم بتحقيقات عميقة حول عائلة كرولوت.”
“حاضر.”
أومأ التابع برأسه.
كاد مارتن أن يمر به لكنه توقف.
نظر إلى نهاية الممر حيث كانت زوجة المدير و بعض الموظفين.
“تأكد من ألا تكون هناك أحاديث جانبية.”
“حاضر.”
أومأ التابع برأسه بعمق أكبر.
***
عندما عاد لوسيوس إلى دار أيتام وايت فيلد، رأى راينا في الفناء.
كان هناك طفل بجانبها. كان الطفل نفسه الذي اشتكى من الألم أمس.
“سأصنع لكِ تاجًا من الزهور.”
يبدو أن الطفل قد تعلق براينا لأنها لم ترفضه رغم ألمه، فتصرف كطائر صغير يتبع أمه.
“تاج من الزهور؟”
أمسكت راينا يد الطفل الذي كان يعبث بشعرها و عبست قليلاً.
“لا، لا تصنعه.”
“… لماذا؟”
سأل الطفل بحزن.
شعرت راينا بحركة خلفها و استدارت.
اقترب لوسيوس منها، فاحتضنت الطفل و جذبته منها.
ضحك لوكيوس في سره.
عندما لم تكن تراه، بدت منزعجة من الطفل، لكنها عانقته بمجرد أن رأته.
كان واضحًا أن راينا تريد إظهار صورة معينة أمامه.
‘لقد أدركتْ أنني كنت أراقبها أمس.’
لهذا لم توبخ الطفل الذي لطّخ فستانها.
كان لطفها مع الطفل مجرّد تمثيل لإقناعه بأنها تهتم بكاليكس و تساعده.
لكن مهما كانت بارعة في التمثيل، لم تستطع خداعه.
تذكر لوسيوس تعابيرها الباردة عندما قدم لها منديلاً.
أدركت حينها أن يديها أصبحتا متسختين، فهربت إلى الحمام كما لو أنها لم تكن تتحمل ذلك.
لو لم يـرَ تلك التعابير، لكان قد خُدع.
“هل قررتِ وجهتنا التالية؟”
“نعم، مصحة غولدن فلاور في الشرق. لقد اشتروا الأدوية التي ذكرتَها.”
في تلك اللحظة، مد الطفل يده نحو لوسيوس.
كان الطفل الفضولي مفتونًا بالسيف المعلق على خصر لوسيوس.
كان غمد السيف مزخرفًا بنقوش جميلة لم يرها من قبل.
في اللحظة التي كادت يد الطفل أن تلمس الغمد.
“لا تلمسه.”
تحدث لوسيوس بنبرة باردة.
ارتجف الطفل. كان صوت الرجل الغاضب مألوفًا له.
لم يعرف ما هو خطأه، لكن مثل هذه النبرة تعني أنه يجب أن يعتذر بسرعة ليتجنب العقاب.
“آسف، آسف…”
ركع الطفل و أخفض رأسه إلى الأرض.
“لقد أخطأت، سامحني من فضلك.”
ارتعشت حواجب لوسيوس وهو ينظر إلى الطفل المرتجف.
فتح فمه ليتكلم، لكن راينا سبقته:
“لا بأس.”
هدأت راينا الطفل وهي ترفعه.
“قال ذلك لأن لمسه قد يؤذيك.”
“يؤذيني؟”
“نعم، هذا ليس شيئًا للأطفال.”
أدرك الطفل أنه رأى السيوف مع البالغين فقط، و ليس مع أقرانه.
“حان وقت الوجبة الخفيفة الآن. اذهب إلى آنا.”
أضاء وجه الطفل بحماس لفكرة الوجبة الخفيفة.
نهض الطفل بسرعة، توقف للحظة و أنحنى للوسيوس، ثم ركض نحو الداخل.
نهضت راينا و نادته:
“سيدي الدوق.”
نظر لوسيوس إليها بينما كان يتابع الطفل بعينيه.
“أنت تبحث في دور الأيتام، أليس كذلك؟”
نفضت راينا العشب عن فستانها و تابعت:
“الأطفال يخافون بسهولة، لذا تجنب التصرف بحدة.”
“….”
“حتى لو كنتَ لا تحب الأطفال.”
ضيّق لوسيوس عينيه.
“هل تعتقدين أنني لا أحب الأطفال؟”
التعليقات لهذا الفصل " 24"