الفصل 56
عندما وصلنا إلى قلعة كريست، كان الليل قد حلّ بالفعل.
قال إلياس بصوت هادئ:
“لا بد أنكِ متعبة، ارتاحي.”
ولمّا كنا في العربة، لم ينبس بكلمة واحدة. وما إن وصلنا حتى قال إن لديه عملًا مهمًا ثم اختفى مباشرة.
يبدو منشغلًا للغاية…
نظرتُ إلى ظهره الذي ابتعد بسرعة ثم اتجهتُ إلى غرفتي.
“هل عدتِ يا ليدي كلوي؟”
“لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا. حضرنا ماء الحمام لكِ، أي رائحة تفضلين لمستحضرات الاستحمام؟”
على الرغم من تأخر الوقت، كانت الخادمات بانتظاري.
ولم تبدُ عليهنّ أي بادرة تعب… بل على العكس، كنّ في حالة استعداد كامل.
حتى الغرفة بدت مختلفة قليلًا عن الصباح.
كانت نظيفة لدرجة لافتة، وحتّى الأقمشة والتزيينات القديمة استُبدلت بأخرى جديدة مواكبة للموضة.
عندما نظرتُ حولي بذهول، ابتسمت الخادمات بفخر.
ثم سألنني بنبرة ألطف:
“لدينا روائح اللافندر، الماغنوليا، والسويت بي.”
“وإن أردتِ أي رائحة أخرى، سنحاول إحضارها لكِ.”
أنا سعيدة بلطفهن… لكن…
ألم نُنهِ سوء الفهم الذي حصل صباحًا؟
مثل تلك الشائعة… أنني وإلياس على علاقة.
شعرت بعبء صغير في قلبي، فأكدت لهن مجددًا:
“أنا… مجرد ضيفة ستبقى لبضعة أيام! لكن شكراً لاهتمامكن.”
لكن الخادمات ابتسمن فقط وتحدثن بأدب شديد:
“لم نستقبل ضيوفًا في القلعة منذ زمن، يا ليدي.”
“بالطبع، كلنا في قلعة كريست نريد أن نترك أفضل انطباع لديكم.”
****
ومرت الأيام…
وبدأت أعتقد أن هذا ربما أسلوبهم الطبيعي في خدمة الضيوف!
فالغرفة التي أعيد تزيينها على ذوق سكان العاصمة، تم تعديلها تدريجيًا لتلائم ذوقي الخاص.
وعندما عرفوا أنني أحب القيام بنزهة خفيفة بعد الغداء، كان عمّال الحديقة يلمّعون المقاعد كل يوم.
وبرغم انشغال إلياس الشديد وظهوره فقط وقت الوجبات، إلا أن تعامل الخدم لم يتغير.
الشك تحول إلى يقين:
لم يكن سوء فهم… هؤلاء الأشخاص فقط… لطفاء جدًا بطبيعتهم!
وبعد أن غيرتُ طريقة تفكيري، أصبحت أكثر ارتياحًا.
بل إن مهارة الخدم في العناية بالضيوف كانت تتطور يومًا بعد يوم.
في غرفة الملابس، ظهرت عدة فساتين جديدة بُحضرت خصيصًا لي.
الطاهي بدأ يعدّ الطعام تمامًا حسب ذوقي: نكهات خفيفة ومنعشة.
والبستانيون صاروا يطلبون رأيي في تنسيق الحدائق.
هكذا، وبينما كان إلياس غارقًا في العمل… قضيتُ أنا إجازة مثالية.
لم نتحدث إلا حين نصادف بعضنا في جولاتي الليلية حين لا أستطيع النوم.
وبعد أسبوع حلمي بهذا الشكل، غادرنا القلعة وعدنا إلى العاصمة.
***
وبسبب اعتيادي على الطريق في رحلة الذهاب، فقدتُ الاهتمام بالنظر من نافذة العربة في رحلة العودة.
قلبتُ بين صفحات رواية رومانسية كانت الخادمات قد وضعنها لي في العربة، ثم التفتُّ إلى إلياس:
“انتهت الإجازة الآن، قائد الفرقة.”
لم أمرّ بيوم صرت فيه بلا عمل تمامًا منذ كنت طفلة صغيرة. لذلك، شعرتُ بنوع من الأسف الحقيقي.
بالطبع، إلياس لم يكن في إجازة حقيقية لأنه ظل يعمل في الإقليم… لكن…
حين سمعني، التفت إليّ تاركًا النظر من النافذة. بدا وكأنه كان يفكر في شيء آخر.
فقلت مجددًا:
“سنعود وندعم قضية بيريندل، صحيح؟”
“صحيح.”
وبمجرد أن بدأتُ الحديث عن العمل، عاد التركيز لعينيه.
في تلك اللحظة كانت العربة تدخل أبواب العاصمة.
عند المدخل، كان الحراس يقومون بالتفتيش، لكن عربتنا استثنيت من ذلك.
ورغم دخولنا أسرع من الآخرين، إلا أن الازدحام عند المدخل كان لا مفر منه.
فقال السائق، ربما خوفًا من انزعاجنا:
“يبدو أن الكثير من الناس يدخلون العاصمة استعدادًا لأسبوع مهرجان الربيع.”
نظر نحونا باستمرار، قلقًا من أن نضيق ذرعًا ببطء العربات.
لكن إلياس قال له من النافذة:
“لا بأس، ليس لدينا أي موعد اليوم. سر ببطء.”
والحقيقة أنني كنت أفكر الشيء نفسه.
الطريق مزدحم للغاية… حتى النزول والمشي مستحيل تقريبًا.
العربة، رغم بطئها، كانت أكثر راحة.
أومأت موافقة.
فقال السائق بارتياح:
“بعد تخطي شارع نوكا، سينفتح الطريق. أغلب الزوار يقيمون هناك.”
نظرتُ من النافذة، وبالفعل… كانت الازدحامات تخف تدريجيًا في الأمام.
لكن الوصول إلى هناك سيستغرق وقتًا طويلًا بهذا السير البطيء.
تنهدتُ قليلًا وأنا أراقب الحشود الكثيفة.
وفجأة، مدّ إلياس يده ووضعها فوق يدي التي كانت تمسك بحافة النافذة.
“احذري، إذا تحركت العربة قد تسقطين.”
وتحركت العربة بالفعل قليلًا في تلك اللحظة.
“شكرًا.”
كنت قد أخرجتُ نصف جسدي تقريبًا من النافذة، فعدت وجلست بشكل صحيح وأنا أمسك يده للحظة.
أنا فارس حاصلة على تنصيب رسمي، ولن أسقط من مجرد حركة بسيطة.
وحتى لو سقطت… فهذه السرعة لن تؤذيني أصلًا.
لكن… كنت غير حذرة قليلًا.
مررتُ أصابعي فوق ظهر يده بلطف، وجلست مستقيمة.
وظلّت العربة تتحرك ببطء.
أخذ إلياس الملفات ليعمل عليها، بينما أنا حاولت قراءة الرواية ثم أغلقتها مرارًا دون اهتمام.
وحين كنا غارقين كلٌّ في عمله، ولم يكن في العربة سوى أصوات خافتة…
ظهرت لوحة شارع نوكا أمامنا.
شعرت أخيرًا بأن الهواء عاد يجري.
بعد عشرين دقيقة تقريبًا سنصل إلى القصر الإمبراطوري… أو ربما يمكننا النزول والمشي…
كنت أحسب الوقت حين حدث ذلك.
انفتح باب العربة بهدوء… ثم أغلق.
وفي جزء من الثانية، قفز رجل داخل العربة.
يرتدي قناعة بيضاء، وعباءة سوداء مع قلنسوة، وحركاته سريعة وناعمة كالقط.
ما إن مددتُ يدي نحو سيفي، كان إلياس قد سبَقني وصوّب سيفه نحو الرجل.
لم يشهر السيف من غمده، لكن كان مستعدًا ليقطع الرجل فور حدوث أي حركة مشبوهة.
الرجل فهم ذلك، فرفع يديه مستسلمًا.
“من أنت؟”
سأل إلياس وهو لا يزال مصوبًا عليه بالغمد.
لكن الرجل لم يجب.
اقترب إليه إلياس أكثر، وأطلق نبرة باردة:
“هل تعرف عربتك هذه لمن؟”
كان الغمد مجرد جلد قاسٍ مع زخارف معدنية بسيطة… ومع ذلك، تغطية الغمد بالأورا مهارة مستحيلة تقريبًا إلا لمن بلغ مستوى عالٍ جدًا.
التوتر أصبح خانقًا داخل العربة.
يبدو أن تهديد إلياس أثر فيه، ففتح الرجل فمه أخيرًا:
“جئت لأوصل رسالة… لا نية لي في إلحاق الضرر.”
كان صوته مهذبًا لكن خشنًا ومزعجًا، وكأنه صوت معدني مشوّه.
قناع يغطي وجهه، قلنسوة عميقة، صوت مُعدّل.
كان شكله كله مريبًا… وكلامه بلا أي مصداقية.
رفع إلياس سيفه قليلًا قاصدًا ضربه على مؤخرة رقبته لإفقاده الوعي.
لكن الرجل تفادى الضربة في آخر لحظة، وصرخ:
“الأمر يتعلق بقضية بيريندل!”
هذه المرة، تغيرت نبرة صوته… كانت مليئة بالعجلة.
وتلك الجملة وحدها كافية لجعل الأمور خطيرة.
لأن إرسال فرقة إلياس العاشرة للتحقيق في قضية بيريندل ما يزال سرًا داخليًا لم يُعلن بعد.
فقلت:
“سيدي القائد… ربما نسمع ما لديه.”
يمكننا اعتقاله والتحقيق معه… لكن بما أنه سيكشف بنفسه، فربما لديه ما يستحق الاستماع.
أومأ إلياس موافقًا.
ثم قال للرجل:
“إن تفوهتَ بكلمة فارغة… سأقطعك فورًا.”
ضحك الرجل ضحكة خاف
تة يصحبها صوتٌ معدني خشن، ثم أخذ يثرثر بلهجة متودّدة:
“سأقول الحقيقة باختصار شديد… ثم أختفي.”
كان ذلك الثقل والغموض اللذان ظهرا عند دخوله قد تلاشنا تمامًا الآن.
الرجل، الذي صار يضحك ضحكة سطحية تشبه ضحكة المنافقين، فتح فمه وتحدث.
التعليقات لهذا الفصل " 56"