الفصل 55
في اليوم التالي، صادف أنه اليوم الذي ستأتي فيه كاميلا للعب معي.
كنت ألعب مع كاميلا لعبة تكديس المكعبات في القصر المخصّص للّعب حين خطرت لي فكرة رائعة.
‘كاميلا ليست من عائلتي… ولم تتزوج بعد!’
وفوق كل ذلك، كنت أحب كاميلا الهادئة واللطيفة جدًا.
وكاميلا أيضًا لا تستطيع الزواج من والديها أو أختها، لذا شعرتُ أن كلانا قد يكون الأفضل للآخر.
وبينما كنت أراقب كاميلا تبني المكعبات بهدوء، أمسكتُ بيديها فجأة.
فانهار البرج.
“أه، أَه؟”
نظرتُ إليها بعينين واسعتين، بينما كنت ما أزال ممسكة بيديها.
كانت لعبة تكديس المكعبات لعبتها المفضلة أكثر مني.
“أنا آسفة…”
اعتذرتُ بنبرة حزينة، لكن كاميلا، رغم صِغر سنها، لم تلمّني على هذا التصرف المفاجئ.
“لا بأس. سنبنيها من جديد.”
ثم سألتني بينما كانت يداها ما تزالان في يديّ:
“لكن… ما الأمر يا صاحبتي؟”
“كاميلا، فلنتزوج!”
صرختُ بطلب الزواج وأنا ما أزال مذهولة من سقوط المكعبات.
“الزواج؟”
ظهر الارتباك على وجه كاميلا الهادئ عادةً.
فجحظتُ شفتيّ في انزعاج.
“لماذا؟ لا تريدين الزواج بي؟ أنتِ تحبينني أيضًا!”
وحين بدأتُ أتدلل، ارتبكت كاميلا وبدأت تحاول تهدئتي.
“أ-أنا… صحيح أنني أحب صاحبتنا الصغيرة… لكن…”
“إذًا لنتزوج!”
لكن كاميلا استرجعت هدوءها بسرعة. ثم سحبت يديها بلطف وشرحت لي بنبرة لطيفة:
“لكن الزواج يكون بين رجل وامرأة. ثم إن الأطفال لا يمكنهم الزواج؛ يمكنهم فقط الخطوبة.”
آه… مجددًا “لا يمكن”.
تنهدتُ بضجر ودفعت المكعبات بقدمي بلا سبب.
“لماذا الشروط كثيرة هكذا؟ لا يمكن مع العائلة، ولا مع المتزوجين، ولا بين الفتيات، ولا للأطفال…”
لم يكن خطأ كاميلا طبعًا، لكنني كنت أشكو بحنق.
فابتسمت وشرحت لي بهدوء:
“لأن الفتاتين لا يمكنهما إنجاب الأطفال. وأعتقد أن منع الأطفال من الزواج يعني أنه يجب عليهم التفكير جيدًا حين يكبرون.”
يا لها من إجابة نموذجية لطفلة نبيلة.
“لكنني أريد الزواج الآن!”
“يمكنكِ الزواج عندما تكبرين.”
“وماذا لو أردته الآن؟”
كنت شبه مقتنعة، لكنني تمسكت بعنادي الأخير.
فلمعت عينا كاميلا بعد قليل من التفكير:
“إذن… ماذا لو خطبتِ شخصًا بدلًا من الزواج؟”
فكرتُ… ربما خيار جيد.
“لكن… من؟”
فلم يخطر في بالي أي مرشح آخر.
فقالت كاميلا بهدوئها المعتاد:
“الجميع يحبون صاحبتنا. اختاري من يعجبكِ أنتِ.”
وهكذا بدأت رحلة بحثي عن خطيبي… والتي اتّضح أنها أكثر تعقيدًا مما توقعت.
****
في اليوم التالي، خرجت إلى أحد الطرق الأكثر ازدحامًا في القصر الإمبراطوري للبحث عن خطيب.
وُضِع لي كرسي مريح لا يعيق المارّين لكنه يتيح لي رؤية الجميع. وعلى الطاولة الصغيرة ذات المظلّة الكبيرة، كان هناك بعض الحلويات اللطيفة.
جلست أرتشف عصير الفراولة بينما أراقب الناس بعينين متحفزتين.
لكنني لم أجد شخصًا يعجبني.
“لا يوجد رجل مناسب هنا…”
ضحكت الوصيفات بصوت مكتوم من جديتي الشديدة.
“أنا جادة جدًا الآن!”
حين برزت شفتاي غاضبة، تظاهرت الوصيفات بوجوه جدية.
“ما زال اليوم الأول يا مولاتي.”
حاولت ماريبيل مواساتي، لكنني لم أكترث.
لأنني فجأة رأيت وجهًا مألوفًا يقترب من بعيد.
فنطقت بحماس، واقفة من مكاني:
“إلياس!”
كان إلياس دائمًا يعاملني بلطف واحترام عندما نلتقي، رغم أننا لا نلتقي كثيرًا.
وربما لأن حياتنا اليومية مختلفة، لم يحدث أن صادفته صدفة من قبل، لذا شعرتُ بسعادة أكبر.
كان يحمل عدة كتب سميكة—ربما قادمًا من مكتبة القصر—وعندما سمع اسمه، التفت يبحث عن صاحب الصوت.
ولما رآني، ظهر الدفء في وجهه الهادئ.
“مولاتي الأميرة؟”
“نعم، أنا! فيوليتا!”
لوّحت له مبتسمة، فجاء نحوي وهو يحاول ألا يسقط الكتب.
وضع كتبه على الطاولة وسألني بإبتسامة لطيفة:
“بماذا تلعبين اليوم؟ لم أركِ هنا من قبل.”
“أنا لا ألعب… كنت أقوم بعمل مهم جدًا.”
فغصّت شفتاي من جديد.
لقد عامل أهمّ مهمة في حياتي—”البحث عن خطيب”—وكأنها لعبة!
ارتبك إلياس بشكل واضح، ونظر إلى الوصيفات كأنه يطلب المساعدة، ثم قال معتذرًا:
“أعتذر… لم أفهم الأمر جيدًا.”
يجب على الأميرة النبيلة أن تتقبل الاعتذار برقي.
فرفعت رأسي وقلت بتعجرف طفولي:
“حسنًا، سأسامحك مرة واحدة.”
سمعت ضحكات صغيرة خلفي… تجاهلتها.
فأنا أعجبتُ بنفسي كثيرًا في تلك اللحظة.
ثم سأل إلياس:
“شكرًا لمسامحتي. لكن ما العمل المهم الذي تقومين به؟”
“كنت أبحث عن خطيب.”
وقبل أن أجلس، انتفضت واقفة مجددًا.
“أجل! إلياس مناسب جدًا!”
ليس من عائلتي، وغير متزوج، وليس فتاة، ويعاملني بلطف كبير.
فسألت للتحقق:
“إلياس، هل تحبني؟”
“…….”
توقعت إجابة مباشرة… لكن إلياس صمت.
“ماذا؟ لا تحبني؟ أنا؟”
لم يحدث في حياتي أن رأيت شخصًا لا يحبني.
تهاوى شيء ضخم فوق قلبي.
“أليس كذلك؟ أنت تحبني، صحيح؟”
أمسكت كمّه وبدأت أهزّه بإلحاح.
استعاد وعيه أخيرًا وقال بصوت خافت:
“آه… ذاك…”
ثم تمتم بعد تردد طويل:
“لا يعقل ألا أحبكِ…”
“إذًا… أنت تحبني؟”
“بالطبع… نعم. أ… أحبّكِ.”
واحمرّت أذناه كأوراق الخريف.
“يا إلهي…”
“كم هو لطيف…”
انطلقت همهمة الوصيفات خلفي.
وازداد وجه إلياس احمرارًا.
فأعلنت بحماس:
“إذن، لنتزوج! تعال، لنعد هذا وعدًا!”
وأمسكت يده، وشبكت أصابعي بأصابعه.
كانت يده ساخنة جدًا.
تمامًا كما في تلك الذكرى الضبابية من طفولتي…
****
لكن عند ذكري أني لستُ مقربة من هارولد، اختفى ذلك الابتسام الخفيف من وجه إلياس كثلج ذاب في ماء.
وحلّ مكانه ارتباكٌ غريب.
“أنا آسف…”
قالها دون سب
ب واضح.
لم أفهم ماذا يقصد، وهو أيضًا لم يشرح.
“لقد وصلتما.”
كسر صوت السائق الصمت.
“يا إلهي… الوقت مرّ بسرعة.”
ومدّ إلياس يده حين كانت العربة جاهزة.
“شكرًا لك.”
كانت يده حارّة بما يكفي لتوقظ ذكرى بعيدة.
ذكرى… لم تتضح بعد.
التعليقات لهذا الفصل " 55"