الفصل 5
«وسيم… لا، أجمل؟ لا، ليس مجرد جميل… أهذا ما يسمّونه جَمالًا خالصًا؟»
حين يُحاصر الإنسان في موقف يتجاوز قدرته على الاحتمال، يلجأ لا إراديًا إلى الهروب من الواقع.
وإذا كان الطرف المقابل يبتسم في وجهك بجمالٍ يفوق الخيال، فإن الهروب من الواقع يصبح أسهل بكثير.
فما بالك إن كنت أصلًا بين ذراعيه؟ لا حاجة لمزيد من الكلام.
“هل عليّ أن أُسميك قطة؟ أم مُنقذة حياتي؟”
في اللحظة التي سمعت فيها تلك الكلمة، ارتجفت عينا ميلونا البنفسجيتان للحظة، ثم سرعان ما استعادت وعيها.
وبدأت بسرعة تُقيّم الموقف الذي وجدت نفسها فيه:
القاتل الذي كان يُلوّح بخنجره يتخبّط الآن على الأرض والفرسان والجنود الذين هرعوا لحماية الدوق يطوّقون المكان من كل جانب.
أما هي… فهي عالقة بين ذراعي ويد رِي فونتي، غير قادرة على التحرّك قيد أنملة، في حين أنّ حرس المعبد في طريقهم للانضمام إلى هذه الفوضى قريبًا.
«فكّري يا ميلونا! فكّري! كيف تخرجين من هنا؟»
أول فكرة خطرت لها: أن ترتمي على الأرض وتبكي متوسّلة.
لكنها كانت في حضن ذلك الرجل العالي القدر، فكيف لها أن تنبطح أرضًا أصلاً؟
«التوسّل… مرفوض!»
الخطة الثانية: أن تضرب ذلك الوجه المبتسم بقوة، وحين يترنّح من المفاجأة، تستغل الفرصة لتفلت من بين ذراعيه.
«…لكن لا، إيذاء وجهٍ بهذا الجمال يخالف أخلاقيات المهنة.»
فالجميل والنادر والثمين يجب حمايته بعناية… حتى إذا آلت ملكيته إليها يومًا ما، ازداد ثمنه في عينيها.
ولم يخطر لها أن تؤذي هذا الرجل الوسيم. كل ما راودها كان مجرد فكرة عابرة: بما أنّ الحاكم أمرها بإنقاذ العالم من الفناء عبر «الحب» مع هذا الرجل، فربما… سينتهي الأمر بأن يصبح ملكًا لها؟
فكرة غير معقولة، لكنها مجرّد خاطر… والخاطر لا يُعدّ خطيئة.
«كفى، لو جُرحتُه وهو أمير من العائلة الإمبراطورية، فلن يكون موتي هينًا.»
الخطة الثانية… مرفوضة أيضًا.
لم يبقَ سوى خيار واحد.
شعرت بعرقٍ بارد يتجمّع تحت قبضتها، فأخذت نفسًا عميقًا، ثم…
“كيااااااااااااااااااا!”
صرخت بكل ما تملك من قوة، كما لو أنها تعصر رئتيها حتى آخر نفس.
صرخة عالية لا يمكن أن تخرج من جسدها النحيل جعلت الذراعين اللتين تطوّقانها ترتجفان لحظة وتضعفان.
وفي تلك اللحظة الضئيلة، جمعت ميلونا كل ما تبقّى لها من طاقة لتفلت من بين ذراعيه وتركض داخل المعبد.
«إنها خطة: ‟أنتَ أول من صرختُ في وجهه بعد رؤية وجهه”!»
ولحسن حظها، لم يصلها وقع خطوات تُلاحقها. يبدو أنّ خطتها نجحت.
لكنها لم تسمح لنفسها بالاطمئنان، فأسرعت أكثر نحو منفذ الهروب الذي لاح لها في البعيد، وهي تُفكّر بسخرية:
«على الأقل هذا يترك أثرًا أقوى من خطة سرقة محفظته ثم الاعتراف، أليس كذلك؟»
ومع ذلك، ورغم محاولاتها الإيجابية، لم تستطع تجاهل حقيقة أنّ الوضع كلّه منهار، حتى شعرت لوهلة بأن الدموع ستنهمر بعد زمنٍ طويل من الصمود.
في تلك الأثناء، بقي ويد رِي فونتي في مكانه يتأمل مبتسمًا، مستعيدًا صورة المُنقذة الغامضة التي كانت قبل قليل بين ذراعيه.
صحيح أن نصف وجهها كان مستورًا بالقناع، لكنه لم يستطع نسيان تلك العينين البنفسجيتين وزاوية نظرهما المرتفعة كعيني قطة.
“مولاي، هل أنتم بخير؟”
اقترب رجل أسود الشعر، مشذّب بدقّة، بعينين رماديتين باردتين وسأل بصوت لا يحمل أي انفعال، لا قلق ولا اهتمام.
“أرسا، هل أبدو في عينيك غير بخير؟”
“تبدو بخير جدًا.”
“إرخِ ملامحك قليلًا، التجاعيد تُظهرك أكبر سنًّا.”
ابتسم ويد بخفة، وهو يراقب تقاسيم مساعده أرسا التي بدت أكثر نضجًا بعشر سنوات من عمره الحقيقي. ثم التفت نحو قائد فرسانه، روبرت، الذي كان قد كبّل القاتل وسلّمه للجنود.
“لا يزال حيًّا.”
قالها روبرت بعينين زرقاوين لامعتين، وهو يلوّح بخفّة بشعره الكحلي القصير.
“لكنني سمعت صوت شيء يتحطّم.”
“ربما… روحه البائسة؟ أو رجولته؟ أو… من الناحية البيولوجية—”
“اللورد روبرت، لقد طلبت منك مرارًا أن تكفّ عن هذه الخفة أمام مولاي.”
“أرسا، كفّ عن العبوس، تبدو أكبر سنًّا هكذا!”
“…إذًا لنُسقط من راتبك مخصّصات المحافظة على هيبتك، بما أنك لا تعرف لها قيمة.”
“هذا ظلم!”
بينما كان روبرت يتذمّر متوسّلًا، تابع ويد المشهد بوجه مرح، ثم عاد بنظره إلى القاتل الذي يُساق بعيدًا.
كان ذلك «هدية العام الجديد» من شقيقه الأكبر.
( يعني القاتل أرسله اخوه يقتل بطلنا )
آخر مرة تلقّى فيها هدية كانت شتاء العام الماضي، ومنذ ذلك الحين ساد هدوء قصير، لكنه توقّع أن الأمر لن يدوم.
ومع ذلك، لم يتخيّل قط أن تُوجَّه نحوه ضربة في المعبد ذاته.
«إذًا… الأخ الأكبر قرر أن يقطع حبال الود مع المعبد نهائيًا.»
كانت سلالة ريسياس تحرص دائمًا على موازنة السلطة بين العرش والكهنوت.
فالإمبراطور الحالي، ماجزي لا غاير، لم يكن غبيًا حتى يجهل لماذا كان أسلافه يقدّسون هذا «التوازن».
تفكير قصير أطفأ ابتسامته للحظة.
“ما بال وجهك، مولاي؟”
“على ما يبدو حافظتَ على مخصّصات وقارك.”
“إنه لأمر مؤسف أنكم لا تجدون متعة في السخرية منّي.”
“المتعة ناقصة، لكنك لا تكفّ عن المحاولة.”
“وهذا هو سر جاذبيتي.”
ابتسم روبرت بخفّة، رافعًا كتفيه، بينما تبادل ويد وأرسا نظرات صامتة، أحدهما يزداد تجاعيدًا من كثرة العبوس، والآخر يزداد شبابًا من كثرة الابتسام.
“بالمناسبة، ماذا ستفعلون الآن؟”
“الهدية وصلتني. عليّ أن أردّ التحية.”
“لكن شقيقكم لن يعترف أبدًا.”
في الشتاء الماضي، حين ذهب ليشكره على «الهدية» السابقة، تظاهر ذاك الرجل بالجهل التام.
وحينها، لم يجد ويد بُدًّا من التظاهر بالسذاجة.
لكن هذه المرة… الوضع مختلف.
“هذه المرة لديّ دليل. فقد تركت منقذتي الغامضة أثرًا لا يُمحى.”
“مولاي، أرجو ألا تكونوا جادين.”
“هاها، بالطبع لا. هو سيستغل الحادثة ذريعة ليكنس بعض الأوكار المزعجة. ربما عصابة اللصوص؟ بما أنهم عرفوا تحركاتي بدقة، ففرصة ممتازة للتخلّص من نقابة المعلومات أيضًا.”
وجود الظلّ حيثما وُجد النور أمر محتوم.
وإذا كانت عاصمة الإمبراطورية «لواسا» هي نور الإمبراطور، فإنّ الظلال هي تلك النقابات غير الشرعية في الأزقّة الخلفية.
نقابة اللصوص ونقابة المعلومات كانتا شوكة في حلق كل إمبراطور مرّ، ورغم محاولات محوهم مرارًا… لم ينجح أحد قط.
حتى الأباطرة السابقون لم ينجحوا.
كل ما حُقِّق كان نجاحًا ناقصًا، أنجزه أحد الأباطرة قبل عدة أجيال.
“ما الذي يدور في رأسه حقًا…؟ هه، لا بأس.”
أزاح ويد ابتسامةٍ أخويةً باتت ضبابية في ذاكرته وهز رأسه ليمحوها. سرعان ما عاد إلى ملامحه المعتادة.
ابتسامة مشرقة كابتسامة روبر، لكن في الوقت نفسه وجه يحافظ على مسافة باردة كوجه أرسا.
وجه يعلوه غموض، لا القريب منه ولا البعيد يستطيع بسهولة قراءة ما في أعماقه.
وبهذا الوجه، نظر ويد إلى حرّاس المعبد الذين هرعوا متأخرين، وبدأ يفكر: ما الذي سيقوله لهم؟ ثم حرّك قدميه.
“…همم؟”
أو بالأصح، حاول أن يتحرّك.
ولو لم ينتبه إلى فراغ جيبه…
“مولاي؟”
“هل تشعر بانزعاج ما؟”
اقترب أرسا وروبر حين لاحظا تصرّف ويد الغريب.
“اتضح أنها لم تكن مُنقذتي، بل قطة. قطة شاردة، بل لصّة.”
“عفواً؟”
“مولاي، لا تحتفظوا بالأسرار وحدكم دومًا. عمّ تتحدثون؟”
“لقد سُرقت.”
(😂😂😂)
حدّقا فيه بدهشة. تبادلت نظراتهما السريعة وكأنهما يسألان بعضهما: “هل تفهم ما يقول؟”
“هاهاهاها! لقد سُرقت! وبطريقة نظيفة تمامًا! هاهاها!”
لم يضحك بهذا الصوت العالي حتى دمعت عيناه منذ زمن طويل.
لأول مرة في حياته يتعرض للنشل!
بل ومن قِبل منقذته! أي تجربة ممتعة هذه، ومتى سيعيش مثلها ثانية؟
“مولاي، لا تقصدون أن ما سُرق هو الذهب الذي أُعدّ كتبرعات اليوم…؟”
“بالضبط.”
أن تُسرق محفظته وهو لا يزال يحتضنها… شيء لا يُصدق.
أرسا
شحب وجهه وهو يحصي في ذهنه عدد العملات الذهبية التي ضاعت. أما روبر فقد غرق في اليأس، متخيلاً كيف سيعاقبه معلمه القاسي لأنه فشل في حماية سيده.
لكن ويد لم يأبه، وظل يضحك ويضحك طويلاً بعد ذلك.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"